مدوناتثقافة

إيدير يعود إلى الغناء في الجزائر “الجديدة”

“أفافا إينوفا”، أشهر أغنية أمازيغية على الإطلاق تناقلتها الألسن دون أن تفهم كلماتها، كان صوت صاحبها جميلا جدّا وقريبا من القلب، يقتحمه دون استئذان. إنّه الفنّان الجزائري الأمازيغي ” إيدير ” صاحب المسيرة العالمية.

خولة الفرشيشي

ربّما لم يعلم أهله لحظة مولده في إحدى القرى بمنطقة القبائل الأمازيغية بالجزائر، أنّه سيصبح من أشهر فنانّي الجزائر ويذيع صيته خارجها في كلّ أنحاء العالم، ليغني بلغته الأمازيغية أغنيات كثيرة حفرت في قلوب متابعيه.

 

إيدير فنّان مثير للجدل، لم يمنعه نشاطه الفنيّ من أن يكون صاحب مواقف سياسية كثيرة من النظام الجزائري، والتي كانت سببا لتوقفه عن الغناء في مسارحها ليعود بعد تسع وثلاثين سنة من الغياب.

تلقى جمهور إيدير الخبر بكثير من الفرح، كما احتفت الصحف الجزائرية بعودته الوشيكة مطلع العام المقبل. فمن هو إيدير الذي أسال كلّ هذا الحبر عن عودته للجزائر؟ ولماذا كان غيابه طويلا عنها؟

 

ولد حميد شريت، والذي عرف بإسم إيدير، عام 1949 بإحدى القرى في أعالي جبال جرجرة بمنطقة القبائل الأمازيغية من عائلة ريفية، كان والده راعي أغنام ونهل من والدته وجدّته حبّ الشعر.

كان مشواره الفنيّ عن طريق الصدفة أو الحظّ، حدث ذلك سنة 1973 بالإذاعة الجزائرية ليعوّض أحد المطربين في أغنية موجهة إلى الأطفال، ومن الطرائف أنّ إيدير خجل من الإعلان عن هويته الحقيقية، لتسمع والدته صوته وتعجب به دون أن تعلم أنّ المطرب الشاب صاحب الموهبة الكبيرة في حقيقة الأمر لا يعدو سوى أن يكون ابنها.

 

 

غنّى إيدير ” أفافا إينوفا” الأغنية الأشهر في مسيرته الفنية سنة ،1973 والتي تروي إحدى الأساطير الشعبية بمنطقة القبائل الأمازيغية عن فتاة صغيرة صاحبة أساور تقوم برنّها ليتأكد والدها من أنّها غريبة ابنته وليست وحش الغابة.

حققت هذه الأغنية  في ظرف وجيز نجاحات كبرى مكنتها من الانتشار، عالميا وهو ما فتح الباب على مصراعيه لإيدير ليقتحم عالم الفنّ. فغنّى في مسرح قاعة الأولمبيا لثلاث ليال على التوالي وغيرها من مسارح العالم.

 

غنى إيدير عن الحبّ  والنساء وعن الحياة في القبائل معتزا بأمازيغيته وجزائريته التي لم يتخل عنها مقابل جنسية أخرى، اشتهرت أغنيته “اسندّو” أو مخاضة اللبن، والتي تحكي المعيش اليومي لنساء قرى القبائل. كما أنّه ساهم في أن يغني عديد النجوم العالميين باللغة الأمازيغية كشارل أزنافور وباتريك برويال وهنري سلفادور وغيرهم …

قال عنه المفكر الفرنسي بيار بورديو ” إيدير ليس مغنيا مثل الآخرين، إنّه فرد من كلّ عائلة ”  كما كسب حبّ واحترام أشهر نجوم الأغنية الفرنسية.

 

غادر إيدير الجزائر في تسعينات القرن الماضي نحو فرنسا، فيما يعرف بالعشرية السوداء، خوفا على حياته من المتشددين بعد تصاعد عدد المثقفين والفنانين الذين طالتهم يد الإرهاب. وكان من ضحايا الإرهاب الفنان الأمازيغي معطوب لوناس.

يعتبر إيدير من أشهر الأصوات التي تنشط فيما عرف بالقضية الأمازيغية، وقد طالب في أكثر من مناسبة  بدسترة اللغة الأمازيغية، والتي يستعملها الشاوية والقبايل والطوارق، كلغة وطنية. وتقدّر بعض الإحصائيات إلى وجود أكثر من عشر ملايين ناطق بها.

 

تاريخ جديد تكتبه الجزائر بالانفتاح على أحد أجزاء هويتها “الأمازيغية” التي تمّ تغييبها لسنوات طويلة، ليعود الفنان إيدير إلى وطنه الأمّ بعد غياب طويل لعله يقفل الباب على دعاة الانفصال من أجل جزائر أخرى تتسع للجميع.

 

بدأت المطالبة بدسترة اللغة الأمازيغية في ثمانينات القرن الماضي، وقد تمّت ملاحقة نشطاء الحراك الأمازيغي من طرف النظام الجزائري، كما عرفت منطقة القبائل سنة 2001  مواجهات خطيرة  بين المواطنين والشرطة الجزائرية بعد مقتل أحد الشباب المحتج، وانتهت هذه الأحداث بسقوط 126 قتيلا وتسمية هذا الحراك بالربيع الأسود.

تحقق هذا المطلب بعد سنوات طويلة من الانتظار في 7 فيفري 2016 في مراجعة دستورية تؤكد على أنّ الأمازيغية لغة وطنية، فيما اللغة العربية هي اللغة الرسمية الأولى في البلاد.

 

وقد سبق وأن رحب إيدير بهذه الخطوة التي اعتبرها ايجابية واعترافا بجزء من تاريخ وهويّة الجزائر، والتي كانت سببا رئيسيا لعودته للغناء بعد غياب طويل عن مسارحها.

تأتي جولة إيدير مطلع العام المقبل بعد الانفتاح الذي شهدته الجزائر على الثقافة الأمازيغية ورموزها، خاصة وأنّها تحتفل هذه الأيّام بمناسبة معرض الجزائر الدولي للكتاب بمئوية ميلاد الكاتب الأمازيغي ” مولود معمري ” الذي منع سنة 1980 من إلقاء محاضرته حول الشعر الأمازيغي في جامعة “تيزي وزو”.

 

تاريخ جديد تكتبه الجزائر بالانفتاح على أحد أجزاء هويتها “الأمازيغية” التي تمّ تغييبها لسنوات طويلة، ليعود الفنان إيدير إلى وطنه الأمّ بعد غياب طويل لعله يقفل الباب على دعاة الانفصال من أجل جزائر أخرى تتسع للجميع.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.