مدونات

“لن أكون مثل أمي”

بقلم: سمية شيخ محمود

اتخذت هذا العهد وأنا في الرابعة عشر من عمري، ربما جهلت الكثير عن حياتها، لكني بكل تأكيد وكما هو متوقع من مراهقة غاضبة، ملأت الفراغات ووضعت تصوري الخاص بي وأعلنت أنني لن أكون مثل أمي.

هل تعتقدون أنني لا أحب أمي؟

أنتم مخطئون بلا شك، أمي كانت دائما نقطة ضعفي، والشخص الوحيد الذي أفعل كل شيء من أجله، أمي سيدة كريمة جدا، عاقلة جدا، حيية، لطيفة، لها عينان فصيحتان، وصوت مركز..أعني صوت فيه جرعات من الحسم والصدق  والمحبة.

أمي الجميلة، كانت رائحتها زكية جدا، لدرجة أنني كنت أظن أن النساء عندما يصبحن أمهات تبقى رائحتهن جميلة حتى لو لم يستحممن.. دائما يزين نقش الحنّاء راحتيها، وحمرته تبرق على أظافر يديها ورجليها، حتى حسبنا أنها خلقت  والحنّة عليها!

كنت أفتح صندوق ملابسها، أحلم أن يكون لدي صندوق مثله عندما أصبح  امرأة وأما، صندوقا يعبق برائحة العود والمسك والبخور، فيه كافة أنواع وألوان  الدرع الصومالي الذي تفتخر به سيدات بلادي.

كنت باختصار مولعة جدا بكافة تفاصيل أمي وما تملكه، أمي التي أنجبت 11 ولدا،كنت السابعة، ومعنا كبر اثنان من أقاربنا، 13 مواطنا وعدد لا أعرفه من الأحفاد، لم يشعر أحدنا يوما أنه يجب أن يبحث له مكان، كل منا كان يشعر أن أمه تحبه هو أو هي أكثر من الآخرين.

أبي تزوج أربع نساء، وأمي أولاهن.. ربما لم يجد فيهن جميعا ما يريد، وهذا ما لا نعرفه، لكنه أيضا لم يطلق إحداهن.. لكني لم أفهم سرّ زيجاته العديدة، أمي لم أر منها تقصيراً في حقه، صبرت عندما لم تجد شيئا، صبرت عندما غاب طويلا، صبرت وهي تربينا في الغربة وحيدة وتتعثر بلغة بلد اغترابنا، ومع ذلك لم تشتك ِأو تعتب، وبقيت وأنا في ذلك العمر الصغير أفكر، لماذا؟

 

لماذا لا أريد أن أكون مثل أمي؟

الأم التي كانت الأم والأب في الوقت ذاته ولم تشتك يوما! أمي التي لم تنم يوما وطبق واحد متسخ على حوض مطبخها، أمي التي يشهد لها القاصي والداني بمهاراتها في الطبخ، وفي التدبير وفي إكرام الضيف.

صورة أمي الأقرب إلى الكمال، والحياة التي عاشتها كامرأة دمرت في داخلي الكثير، ولم أعرف كيف أصير زوجة وأما، شبح عدم الإنصاف خيم على حياتي،  لا أريد أن أكون سيدة كاملة، ألا تجد المرأة التقدير الذي تستحقه، وهي بهذا الكمال والجمال ولّد  في داخلي سؤالا: إذا كانت امرأة مثل أمي لم تستحق الوفاء والامتنان والمحبة، فلماذا يجب أن أكون مثلها؟

يجب أن أكون عادية، لا أبذل ما لا أطيق، لئلا أحمل همّ الخيبة.

يقولون لنا.. المرأة غير المهتمة بجسمها ونفسها وبيتها لا يحبها الرجال، ويملّون منها، فتنشغل كل النساء بأنفسهن، ويبقى الرجل يبحث عن امرأة أخرى..

أخبرتني أن الغضب وطلب الطلاق بسبب زواج الرجل من أخرى طبيعي، ولكنه يجب أن يكون لحظيا، فالرجال أوغاد بطبيعتهم..

أبي تزوج أربع نساء، وأمي أولاهن.. ربما لم يجد فيهن جميعا ما يريد، وهذا ما لا نعرفه، لكنه أيضا لم يطلق إحداهن.. لكني لم أفهم سرّ زيجاته العديدة، أمي لم أر منها تقصيراً في حقه، صبرت عندما لم تجد شيئا، صبرت عندما غاب طويلا، صبرت وهي تربينا في الغربة وحيدة وتتعثر بلغة بلد اغترابنا، ومع ذلك لم تشتك ِأو تعتب، وبقيت وأنا في ذلك العمر الصغير أفكر، لماذا؟

وأغضب وما زلت كلما سمعت موعظة من أي وهو يبرر ملل الرجل من زوجته التي لا تعتني به، ولا بالبيت..

ما زلت حتى يومنا أشعر بغضب شديد كلما حاول أحدهم اقناعنا بأن تقصير المرأة هو سبب  عزوف الرجل وملله..

هذه كذبات ظلّ الرجال والنساء يرددونها، لتبرير عجز الرجل عن البقاء قيد الوفاء والتضحية وبذل الغالي من أجل شريكاتهم. وذات  صيف، بحت لأمي ما أفكر به، وعكّر حياتي، قالت لي: إن اعتنائي بنفسي وبجمالي ونظافتي من باب حبي لنفسي، لا من أجل أحد، واهتمامي ببيتي ليس من أجل خلق بيئة مريحة لزوجي، بل لنفسي ولأجد الراحة أولا.. أما اعتنائي بطعام وصحة أبيك، فلأن هذا طبيعي جدا، وأتقرب بذلك لله، وكنت سأفعله مع شخص..

أخبرتني أن الغضب وطلب الطلاق بسبب زواج الرجل من أخرى طبيعي، ولكنه يجب أن يكون لحظيا، فالرجال أوغاد بطبيعتهم، ينفقون على أطفالهم، طالما كانوا أمامه، وبمجرد غيابهم عن ناظريه، لا ينفق ما يكفيهم، بل يتوقع أن تلك المرأة تريد تجفيف جيبه.. نحن الأمهات أسرى أبنائنا ومصلحتهم، وأننا يجب أن نعلّم بناتنا أن الاعتناء بأنفسهن يكون بسبب احترامهن لما منحه الله لهن.  وهمست لي: كنت أظن أنني علمتك ذلك..

تلك الكلمات شفت لي روحي، وبدأت أتعلم أن كل جميل نفعله، نفعله لأنفسنا، وأن ما يقال عن أننا نفعل ذلك من أجل الرجال وهم اختلقه غالبا رجال يبحثون عن تأليه أنفسهم..

 

ما زلت في بداية تخلصي من عقدتي تلك، وصرت أقول بعد ذلك: حتما سأكون مثل أمي..!

سمية شيخ محمود

كاتبة وباحثة صومالية ومؤسسة موقع تكايا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد