مجتمع

لماذا غُيبت المرأة الليبية عن الحياة السياسية؟

وضع المرأة السياسي في ظل الصراع المسلح والانقسامات في ليبيا

  في ظل الحرب التي تعيش على وقعها ليبيا، والازمة المستعرة منذ سنوات، والصراعات المسلحة بين المليشيات التي خلفت العديد من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، أوضاع متوترة جعلت من مشاركة المرأة الليبية في  الحياة السياسية محدودة جدا، وان حاولت البروز أو التعبير عن رأيها كثيرا ما يكون الاستهداف والاغتيال مصيرها.


فترة ما بعد الثورة:  ازدهار ونشاط

لا أحد ينكر الدور الذي لعبته المرأة  في الثورة الليبية وفي الإطاحة بحكم معمر القذافي، فقد خرجت الليبية إلى الشوارع وشاركت في المسيرات من أجل الدفاع عن حقوقها وفرض مكانتها التي غُيّبت زمن حكم معمر القذافي، رغم وجود ترسانة من القوانين التي تضمن حقوقها إلا أنها كانت قوانين صورية في غالبها.

في تلك الفترة التي سبقت ظهور ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، كانت المرأة الليبية تطمح إلى غد أفضل لها وللأجيال القادمة، كانت تأمل في الحفاظ على الحقوق والحريات التي تكفل لها حياة مستقلة، تنشط في إطارها على قدم المساواة مع الرجل، وتحقق العدالة في جميع المجالات، وخاصة السياسي منها، ولما لا تتقلد المناصب القيادية في الدولة؟

وفي هذا الإطار، أقرت منظمة الأمم المتحدة في تقرير لها صادر في عيد المرأة في 8 مارس / آذار 2014 بالدور الذي لعبته المرأة الليبية إبان الثورة، كما حيّت مشاركتها في انتخابات لجنة الستين المكلفة بإعداد الدستور، في بداية المرحلة الانتقالية التي بلغت نسبتها 40.8 بالمائة.

وقد عكست مشاركة المرأة الليبية في الانتخابات مدى اهتمامها بالحياة السياسية ان ذاك وانشغالها بافتكاك حقوقها السياسية، وحرصها بأن تكون جزءا من العملية السياسية الانتقالية.

أحلام البدري مدونة وقائدة في منظمة الكشافة العالمية، أصيلة منطقة بنغازي بليبيا، شابة مثقفة وناشطة في جميع المجالات، وهي خريجة الاقتصاد والعلوم السياسية ، تقول في حوار لها مع مجلة ميم: ” شاركت في عدة دورات تكوينية، كما عملت في فترة الانتخابات الليبية كمراقبة مباشرة بعد الثورة  وقد كانت فترة مزدهرة جدا فيها هامش كبير لحرية التعبير والنشاط في جميع المجالات.”

وتضيف احلام أنه بعد الثورة،  وجدت المراة دعما من كل أطياف المجتمع، وتقلدت العديد من المناصب السياسية، وشاركت في الانتخابات وحازت على عدد لا بأس به من المقاعد في البرلمان.

 إلا أن هذا الدور تقلص بعد ظهور  “داعش” والجماعات المسلحة  التي باتت تستهدف المرأة الناشطة وتهدد أمنها وحياتها.

انقسامات سياسية … وصراع مسلح … قلص دور المرأة السياسية

وتضيف الأستاذة أحلام البدري “العمل السياسي لا يستهويني كثيرا في الحقيقة، ولا أحب فكرة الدخول في متاهات السياسية، وصراعاتها المقيتة، خصوصا بعد الانقسامات الحادة في التوجهات  والأفكار.  فإذا عبرت الليبية  عن رأيها  في موضوع سياسي معين ، تغدو عرضة  لحملات تشويه مسعورة  على مواقع التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك ” و “تويتر” تشوهها وتهدد سلامتها  وعائلتها”.

وتشير محدثتنا إلى أن العمل السياسي لم يعد كما كان في 2012، حيث تراجع كثيرا فلم يعد المجتمع المدني  قويا وفاعلا وقادرا على احداث التغيير، بسبب المضايقات من الجماعات المسلحة والصراعات الطاحنة التي اعقبت الاطاحة بنظام القذافي.

وترجع الأستاذة أحلام عزوف المراة الليبية عن المشاركة في الأنشطة السياسية الى التشتت الحاصل صلب الحكومة المنقسمة شطرين:  حكومة تتبع البرلمان واُخرى تتبع حكومة الوفاق الوطني.

“هناك  انقسام  كبير في التفكير والتوجهات والاتجاهات”، وفي ظل هذا الانقسام تلجأ  بعض النسوة إلى التواجد في فضاءات محايدة وينضوين تحت المنظمات والجمعيات المدنية، حتى يسلمن من تبعات الانشقاقات القائمة، وتفضل الغالبية الانسحاب من الحياة السياسية، خاصة بعد ظهور ما يسمى بالدولة الاسلامية “داعش” والجماعات المسلحة التي تمنع المرأة من الظهور والتعبير عن رأيها والنشاط بحرية.

 

اغتيالات… و تهديدات تطال المرأة الليبية  

في الخامس والعشرين من شهر جوان / يونيو 2014 اغتالت يد الغدر الناشطة والحقوقية سلوى بوقعيقيص برصاصة في الرأس في منزلها بمدينة بنغازي الليبية.

وكانت سلوى بوقعيقيص المناضلة والمحامية من أشد المدافعين عن حقوق الإنسان زمن معمر القذافي، وهي أول من خرج في شهر فيفري/فبراير 2011  في الثورة ومن انضم إلى الانتفاضة في مدينة بنغازي.

وقد مثلت مدينتها بنغازي  كعضو في المجلس الوطني الانتقالي، وهي من أحد مؤسسي هذا المجلس.

 إلا أنه سرعان ما تمت تنحيتها من قبل بقية النواب المحافظين، لتنظم الى الجمعيات والمنظمات  وتشارك في جملة من ورشات العمل والدورات الهادفة إلى تطوير دور المجتمع المدني وتعزيزه.

كما تواجدت سلوى بوقعيقيص في اللجنة التحضيرية للحوار الوطني نائبة لرئيس اللجنة ، وكان الهدف من هذه اللجنة صياغة ميثاق وطني مهمته تسهيل عمل “لجنة الستين” التي تم انتخابها في شهر فيفري /فبراير 2014.

وقد تعرضت سلوى بوقعيقيص ان ذاك الى سيل  من التهديدات من قبل الجماعات المسلحة بسبب نقدها المتكرر لهذه الجماعات ،التي غدت هدفا لهم. واضطرت للسفر الى الاردن هي وأسرتها خوفا من بطش هذه المليشيات، إلا أنها عادت  الى ليبيا في فترة الانتخابات ليتم اغتيالها في جوان 2014.

مصير فريحة البركاوي  العضو المستقيل من البرلمان الليبي عن مدينة درنة لم يكن مختلفا عن مصير الناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص. فقد قام مجهولون باغتيال الناشطة البركاوي أمام مدرسة التوفيق التي تدرس بها بحي باب شيحا.

وقد عرفت السيدة البركاوي بمواقفها الجريئة وانتقادها لأعضاء المؤتمر الوطني العام الليبي والتجاوزات الحاصلة في ذاك المؤتمر، وهو ما دفعها إلى تقديم  استقالتها من المؤتمر  في فيفري / فبراير 2014 ليتم اغتيالها 17 جويلية /يوليو2014. 

 

 

تقول الأستاذة أحلام البدري “عاشت بنغازي خاصة وليبيا عامة فترة صعبة مع الاغتيالات التي طالت النساء، الاغتيالات عن طريق الجهات الأمنية أو العسكرية ومن قبل داعش أيضا، واغتيال كل من المناضلة فريحة بركاوي والحقوقية سلوى بوقعيقيص   في هذه الفترة تقلص نشاط المرأة الليبية التي أصبحت تخاف من التصفية الجسدية التي يمكن أن تطالها أو تطال عائلتها بسبب نشاطها أو تصريحاتها”.

وتضيف “المرأة أصبحت تخشى من التنكيل بها أو تعرضها للتهديد أو الاغتصاب من قبل المليشيات، حتى أن عددا من الصحفيات والمحاميات والقاضيات تعرضن للتهديد، وهو ما جعلهن يعزفن عن مواصلة أنشطتهن والهجرة إلى دول أخرى حفاظا على حياتهن”.

التخفي وراء المواقع الافتراضية للنشاط

ومع صعوبة الوضع في ليبيا وتعقده، لم تقف المرأة الليبية مكتوفة الايدي، بل اختارت منحى آخر يضمن لها سلامتها ويدعم حضورها في الحياة السياسية والاجتماعية، من خلال العمل الجمعياتي أو النشاط عبر شاشات الهواتف المحمولة  والحواسيب.

 وفي هذا الإطار تقول الأستاذة أحلام البدري “المقاومة أصبحت اعقد وأصعب مقارنة بفترة ما بعد الثورة. اخترت  طريقتين اثنتين للنشاط من خلال  المنظمات والجمعيات من، جهة بالمشاركة في التظاهرات الثقافية والتوعوية، كما التجأت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الأسلوب الاخر الذي رايته متاحا، للتعبير عن آرائي وإبداء مواقفي بحرية دون وجل.

كنت أنشر مقالاتي و أعبر عن آرائي في زوايا عبر صفحات وحسابات مجهولة للتمويه وحماية نفسي وعائلتي من التهديدات ومن التشويه الذي يمكن أن يلحقني من بعض الأطراف التي أنتقدها. كنت أكتب بحرية تامة في سنوات 2012 و2013 وأنقد السياسة وأتحدث بصفة علنية، في حسابي على الفايسبوك  أو في مقالاتي، واستمر ذلك الى 2014 وبداية 2015. كنت أكتب بحرية وأنقد تنظيم داعش، ولكن الان تصاعد الاستهداف والتضييق حتى وصل إلى التهديد بالقتل، لذلك اخترت التخفي وراء  مواقع التواصل الاجتماعي  والعمل تحت اسماء مستعارة.”

بين البرلمان والحقائب الوزارية ، تمثيل محتشم

أصبحت المرأة بعد ثورة 17 فيفري /فبراير موجودة في الهيئات السياسية والمجالس التشريعية، إلا ان حضورها كان محتشما، حيث مثل قرابة 16 بالمائة.

كما حصلت المرأة الليبية على 30 مقعدا من أصل 200 في مجلس النواب الليبي،  لكن لجنة كتابة الدستور المكونة من 60 عضوالا تضم الا 6 نساء فقط.

وقد اعتبرت العديد من الناشطات الليبيات في المجال السياسي أن تمثيل الليبية في مجلس النواب كان محتشما مقابل هيمنة الرجل على أغلب المقاعد في البرلمان.

الأمر لم يتغير كثيرا فالفارق كبير بين تمثيل المرأة والرجل في عضوية لجان البرلمان الليبي والبالغ عددها 21 لجنة. حيث هيمن الذكور على أغلب المقاعد في هذه اللجان  وعلى رئاستها، في حين تراوح تمثيل المرأة بين 4 إلى مقعد واحد في أغلب اللجان وترؤسها للجنة واحدة مقابل 21 لجنة.

 الاستثناء الوحيد طبعا كان  في لجنة شؤون المرأة والطفل اين  ظفرت المرأة بالنصيب الأوفر، وشغلت 6 مقاعد مقابل مقعدين من نصيب الذكور.  وقد ترأست السيدة سلطنة مسعود بوبكر عبد الرحيم هذه اللجنة.

في ذات الوقت، غاب تمثيل المرأة تماما في ثلاث لجان، وهي لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة، ولجنة الأوقاف والشؤون الإسلامية ولجنة الدفاع والأمن القومي، حسب ما جاء في الموقع الرسمي لمجلس النواب الليبي.

وقد تشكلت  لائحة حكومة الوفاق الوطني الليبية  التي تم الإعلان عنها في 14 فيفري 2016، وتتكون من 13 حقيبة وزارية و5 وزراء دولة.

وضمت لائحة الحكومة ثلاث سيدات وهن فاضى منصور وزيرة الشؤون الاجتماعية، ووزيرة الدولة لشؤون المرأة والتنمية الاجتماعية أسماء الأسطى، ووزيرة الدولة لشؤون هيكلة المؤسسات ايمان محمد يونس.

أحلام البدري وغيرها من الليبيات اللاتي يطمحن إلى مستقبل أفضل في دولة آمنة ومستقرة تضمن لهن حقهن في الحياة بسلام قبل كل شيء، وتتيح لهن الانخراط في المجال العام دون وجل ولا مضايقات ولا تهديدات، امال يبدو تحقيقها بعيد المنال في ظل الانقسامات الحادة والفوضى المتفاقمة والصراعات الدامية المستعرة. 

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد