مدوناترأي التحرير

في ذكرى الثورة الجزائرية: جميلة بوحيرد أيقونة النضال ضد المستعمر

بقلم: شهد سلامة

 

إذا كان لكل ثورة أيقونتها وصورتها الخالدة فإن المناضلة جميلة بوحيرد هي كل ذلك للثورة الجزائرية التي يحي اليوم الأشقاء ذكراها.

 

بدأت حياة عشقها للوطن الذي كان يرزح تحت نير الاستعمار بمجرد أن رأت عيناها النور، وهي التي لقنتها أمها التونسية أولى تعاليم العشق والذود عن الأرض والعرض فهي الابنة الوحيدة مع سبعة أشقاء ذكور لأب من مثقفي الجزائر.

 

وكانت أولى دروسها في الحياة أنها عربية مسلمة جزائرية وليست فرنسية كما أن بلدها مغتصب من قبل القوات الاستعمارية كما كانت والدتها تلقنها عندما بدأ وعيها يتفتح شيئا فشيئا على الواقع.

وكان التلاميذ يرددون في طوابير الصباح أنشودة “فرنسا أمّنا” أما هي فكانت تصرخ بأعلى صوتها ” الجزائر أمّنا” متشبعة بالوعي النضالي الذي تلقته في أسرتها ورغم قسوة العقاب إلا أن هذا لم يثنها عن صرختها التي كبرت مع الأيام وباتت اشد إيلاما للمحتل بقدر إيمانها بعدالة قضيتها.

 

وقد ولدت هذه المقاومة عام 1935 في عاصمة الجزائر وبعد الدراسة الابتدائية أظهرت اهتمامات مختلفة كجل بنات سنها من ذلك أنها كانت تهوى الرقص الكلاسيكي والفروسية وتابعت دراسة الحياكة وتصميم الملابس قبل أن تغير الثورة الجزائرية التي اندلعت في الفاتح من نوفمبر عام 1954 حياتها إلى الأبد.

ولأن ما يحدث للوطن غالبا ما يكون محددا لحياة ومصير الأفراد فقد كان المنعرج الأكبر في حياة الشابة جميلة بوحيرد هو انخراطها في الثورة التي اندلعت وهزت عرش الاستعمار الاستيطاني الفرنسي البغيض.

والتحقت بوحيرد بجبهة التحرير الوطني وأمنت بأن طريق التحرر يمر من فوهة البندقية وهي الشابة التي تركت مباهج الحياة خلفها ورمت بأحلامها الصغيرة وهواياتها جانبا لتلتحق بصفوف الفدائيين وهي في ربيعها العشرين.

ولم تكن مهمتها يسيرة فقد اختارت أن تزرع الألغام والقنابل في طريق المستعمر وهي مهمة ينوء بها اعتى الرجال فما بالك بشابة غضة. وكان من الطبيعى أن يطاردها جيش الاحتلال الفرنسي وان يعتبرها ألد أعدائه.

وبقدر ما كانت قسوة الضربات الموجعة التي وجهتها جميلة بوحيرد للمستعمر الفرنسي بقدر ما كانت شراسة ووحشية التعذيب عندما قبض عليها وهي تنزف بعد أن أصيبت برصاصة في كتفها.

 

 

ولم يزدها نزيف دمها الذي سقى الأرض عام1957 إلا إصرارا وعزيمة على مواصلة درب النضال، وألقت جملتها الشهيرة في وجه القوات الاستعمارية وهي تواجه الموت معتقدة أنها النهاية: “انكم بقتلي تغتالون الحرية في بلدكم لكنكم لن تمنعوا الجزائر من ان تصبح حرة مستقلة“.

وعندما فشل المستعمر في انتزاع الاعترافات منها بقوة الصعقات الكهربائية التي كانت تفقد الوعي وبكل قوة تواجهه بصرختها الأولى “الجزائر أمنا“، ثارت ثائرة القوات المحتلة و أصدروا حكما بالإعدام عليها. وهو ما كانت تتوقعه منذ البدء.

لكن أحرار العالم الذين كانوا يرون في هذه الشابة أيقونة للنضال وقفوا ضد هذا الحكم الجائر وأدانوه بشدة في برقيات ورسائل بالملايين إلى الأمم المتحدة وهو ما جعل القوات الاستعمارية تعدل عن تنفيذ حكم الإعدام الذي كان مقررا ليوم 7 مارس 1958 وليصبح الحكم مؤبدا.

وفي سجون الاحتلال الفرنسي ذاقت جميلة بوحيرد شتى ألوان التعذيب والهوان لكن نفسها الأبية لم تهن وظلت متحلية بقوتها ورباطة جأشها في مواجهو آلة القمع لإمبراطورية استعمارية من أقوى الإمبراطوريات في التاريخ الحديث والمعاصر.

 

 

وبعد ثلاث سنوات من الاضطهاد تم ترحيلها، وكما كابدت السجن والتعذيب تحملت جميلة بوحيرد عذاب المنفى بصبر وجلد.

وعانقت جميلة بوحيرد الحرية مع استقلال الجزائر عام 1962 وقد رأت عيناها البشارة التي أمنت أنها ستتحقق حتى وان دفعت هي حياتها ثمنا.

لكن ثمن نضالها كان استقلال وطنها ورجوعها إلى حضنه بعد أن باتت رمزا من رموز النضال والتحرر في العالم.

كما باتت ملهمة للمبدعين في مختلف أرجاء الدنيا ولها غنت وردة ” لكنا جميلة ” كما أنتجت النجمة المصرية ماجدة فيلما عنها وسمته ب” جميلة ” وهو من الأعمال الخالدة في سجل السينما العربية.

ولا ننسى أن بوحيرد في رحلة نضالها الاستثنائي وقف إلى جانبها من ضمن أحرار العالم الذين ذكرناهم، المحامي الفرنسي الذي امن بعدالة القضية الجزائرية جاك فيرجيس ودافع عنها و عن مناضلي جبهة التحرير الوطني كما اسلم على يديها وتزوجها في أواسط الستينات.

ومن ملامح فرادة هذه السيدة أنها لم تسع إلى التمسرح وتوظيف نضالها من اجل الشهرة والمجد او جني الأموال، فقد ظلت بعيدة عن دائرة الضوء، رغم ركض وسائل الإعلام خلفها، متحلية في ذلك بحياء وخفر نادرين، وهي التي لم تفقد شيئا من كبريائها وأنفتها، وهذا ما جعلها أسطورة حقيقة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد