ثقافة

فدوى طوقان: كيف شقت البذرة طريقها نحو النور؟

ثقافة

 

تمثل سيرة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان (1917-2003م) صورة من كفاح امرأة عربية ضد التسلط الأسري والمجتمعي ومحاولات الكبت وخنق الأحلام التي يمكن أن يلقاها المرء من أقرب الناس إليه، خاصة إذا كان يعيش في مجتمع ضاغط يقولب المرأة ويفرض عليها قيودا وأسوارا.

 

فمن نقطة الصفر بدأت تعلّم نفسها، بعد أن مُنِعت من إكمال تعليمها، بإشراف ومساعدة أخيها الأقرب الشاعر إبراهيم طوقان (1905-1941م) الذي أشعرها رحيله المبكر بحرقة اليُتم، وانطلقت في رحلة صعبة لتحفر اسما بارزا في حائط الشعر العربي.

“رحلة جبلية رحلة صعبة”

كانت فدوى قد أصدرت سيرتها الذاتية في كتابين: الأول بعنوان “رحلة جبلية رحلة صعبة” والآخر بعنوان “الرحلة الأصعب”. وبينما ركزت فدوى في الكتاب الأول، الذي نتناوله في هذا المقال، على طفولتها ونشأتها والصعوبات النفسية والأسرية والمجتمعية التي واجهتها خاصة في مرحلتي الطفولة والمراهقة، تناول الكتاب الثاني جوانب من نشاطها في الحياة العامة والأحداث السياسية والثقافية التي عايشتها أو شاركت فيها، على الصعيدين الفلسطيني والعربي.

 

 

تقول فدوى في مقدمة “رحلة جبلية رحلة صعبة”:

“إن البذرة لا ترى النور قبل أن تشق في الأرض طريقا صعبا، وقصتي هنا هي قصة كفاح البذرة مع الأرض الصخرية الصلبة، إنها قصة الكفاح مع العطش والصخر. فلعل في هذه القصة إضافة خيط من الشعاع ينعكس أمام السائرين في الدروب الصعبة. وأحب أن أضيف هذه الحقيقة، وهي أن الكفاح من أجل تحقيق الذات يكفي لملء قلوبنا وإعطاء حياتنا معنى وقيمة”

تحكي فدوى عن طفولتها بشجن، فمنذ أن كانت جنينا حاولت أمها إجهاضها، إذ أرهقها الحمل والولادة والرضاع بعد 6 أبناء، ولكن الجنين السابع ظل “متشبثا في رحمها تشبث الشجرة بالأرض، وكأنما يحمل في سر تكوينه روح الإصرار والتحدي المضاد”.

كانت في طفولتها تفتقد الكثير من الأشياء، المادية كالعرائس والملابس الأنيقة، والمعنوية، وهي الأهم، من حب وحنان واهتمام والديها، رغم كونهما على قدر من الثقافة، فقد أسمياها على اسم بطلة إحدى روايات جرجي زيدان التاريخية التي كانوا يدمنون قراءتها.

كانت فدوى طفلة مطيعة دائما، فاقدة للثقة في نفسها عاجزة عن الدفاع عن ذاتها إزاء الظنون والاتهامات “فما يفترض الآخرون هو الصحيح ولو كان خطأ، أو هذا ما يجب أن أسلّم به” مما كان يشعرها في بعض المواقف بالمهانة.

 

 

في بيت أثري كبير من بيوت نابلس القديمة نشأت فدوى، وكان الحصار والقهر المفروضين على المرأة في هذا البيت، مصدر شقاء، وكذلك تسلّط أقاربها المتمثلين في عمتها المتزمتة دينيا وأبناء عمّها، وتدخلهم في شئونهم الخاصة.

في هذا البيت وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة “الحريم” الموؤودة فيه، انسحقت طفولتي وصباي وجزء غير قليل من شبابي. أما الجو العائلي فيسيطر عليه الرجل كما في كل بيت، وعلى المرأة أن تنسى وجود لفظة “لا” في اللغة إلا حين شهادة لا إله إلا الله”.

في المدرسة وجدت فدوى بعض ما كانت تفتقده، فقد أثبتت وجودها الذي لم تستطع أن تثبته في البيت، أحبتها معلماتها وأحببتهن، وأصبحت تتمتع بشخصية بارزة بين معلماتها وزميلاتها.

ولكن تلك السعادة لم تستمر، إذ حكم عليها أخوها يوسف بالإقامة الجبرية في البيت حتى الممات وهددها بالقتل إذا تخطت عتبة المنزل، بعد أن سمع بقصتها مع غلام في السادسة عشرة، تلك القصة التي لم تتعد حدود متابعته اليومية لها في ذهابها وإيابها، وكان التواصل الوحيد بينهما “زهرة فل” ركض بها إليها ذات يوم وهي في طريقها إلى بيت خالتها، فملأ عطرها أعماقها وفعل في قلبها الأفاعيل.

وسبّب قرار أخيها المتعنت حزنا كبيرا وشعورا ساحقا بالظلم. ففكرت في الانتحار كفعل احتجاجي، ولكن أمسكها الخوف من الألم الجسماني، والإشفاق على أمها.

إبراهيم.. حين “أشرق وجه الله على حياتي”

كانت علاقة فدوى بأخيها إبراهيم علاقة خاصة ووثيقة، وقد قالت عنه في إحدى المقابلات التليفزيونية “إبراهيم خلقني بعد الله، خلقني خلقا سويا، لولاه لنشأتُ مخلوقة معتوهة أو شاذة أو غير طبيعية”.

كان إبراهيم، على غير عادة رجال الأسرة، يجلس مع أمه وشقيقاته يبادلهن الحديث، ويحكي معهن في الشئون الخاصة والعامة، ويروي لهن بعضا من مطالعاته الأدبية في كتب التراث.

 

 

كان بالنسبة لنا ينبوع حب وحنان، يغدق علينا من عطائه، ويمنحنا الكثير من وقته ومساعدته”

ومع عودته من بيروت عام 1929م حاملا شهادة من الجامعة الأمريكية بها واستقراره في نابلس، بدأت صفحة جديدة في حياة فدوى، فقد أنقذها من الانهيارات الداخلية في تلك الفترة القاسية من سِنِي المراهقة.

من إنشاد الشعر إلى محاولة كتابته انتقلت فدوى، كانت تكتب وتذهب إلى إبراهيم على استحياء ليقرأ “شعرها”، فكان يقرأ “كلماتها الساذجة” على حد وصفها ثم يربّت على كتفها دون كلمة تشجيع أو تثبيط. وعندما لمس رغبتها الشديدة في نظم الشعر شرع في تعليمها، ومن مكتبته انتقى لها كتاب “الحماسة” لأبي تمام، واختار قصيدة “امرأة ترثي أخاها”، قرأها لها وفسّرها بيتا بيتا، وطلب منها أن تنقلها إلى دفتر خاص وتحفظها لتُسمعها له في المساء.

وصار لفدوى “دفتر محفوظات”، هي التي كانت، بعد حبسها في البيت، تبكي في فراشها كمدا وهي ترى كتب أختها “أديبة” ودفاترها المدرسية. سجلت فدوى على غلاف الدفتر اسمها والتاريخ (11-11-1929م)، واسم المعلّم “إبراهيم طوقان”، ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلتها في التعلم، وصار لحياتها الراكدة معنى.

“في لحظة واحدة انزاح جبل الهوان وابتلعه العدم، وامتدت مكانه في نفسي مساحات المستقبل شاسعة ومضيئة، خضراء كمروج القمح في الربيع”

 

برنامج يومي للاستذكار

وضعت فدوى برنامجا يوميا للقراءة والدرس وحفظ الشعر، يبدأ مع أذان الفجر أو قبله، وكان إبراهيم بعد سفره إلى بيروت مجددا يتابعها برسائله، وقد اختار لها مجموعة من كتب الأدب القديمة والحديثة لتقرأها. وأصبح الشعر الشغل الشاغل للفتاة في يقظتها ونومها، وحبها الذي يبعث في أعماقها نشوة باهرة وشعورا بالسلام والهدوء لأن أيام حياتها باتت لا تهدر عبثا. “كان الانكباب على الدراسة هو عالم الخلاص.”

“أصبح الشعراء الجاهليون والأمويون والعباسيون يعيشون معي.. كنت أقوم بأعمال المنزل وبجيبي دائما قصيدة للحفظ، أكوي قمصان إخوتي وبنطلوناتهم وأنا أحفظ الشعر، أرتب الأسِرّة وأنا أحفظ الشعر، أغسل زجاجات مصابيح النفط وأملأ المصابيح بسائل الاشتعال وأنا أحفظ الشعر”.

وتشجيعا لنفسها علّقت حكمة لكونفوشيوس على باب خزانتها “حتى صغار الطير يمكنها أن تطير لو أرادت، فما في الوجود مُحال أمام الإرادة التي لا تُقهَر”.. وخلال عامين باتت قادرة على كتابة قصائد سليمة من الأخطاء الصرفية والنحوية والعروضية.

بين العزلة والاندماج في الحياة

من المشكلات التي واجهتها فدوى وولّدت داخلها صراعا نفسيا وفكريّا هائلا، العزلة المفروضة عليها وعلى وغيرها من النساء وعدم خروجهن للحياة، وهو ما انعكس على ما تكتب من شعر.

وقد لاحظ إبراهيم أنها في كل محاولاتها الشعرية تُغرق في التعبير عن مشاعر الحزن والألم الذاتية فحذرها من الاسترسال في ذلك “يا أختي الناس لا تهمهم مشاعرنا الخاصة” ، ولكنّ طبيعتها الحزينة الانطوائية كما تصفها كانت عائقا أمام تنفيذ نصيحته.

كما كان أبوها في مرحلة لاحقة يطلب منها كتابة الشعر في المناسبات الوطنية والسياسية “كان يريدني أن آخذ المكان الذي تركه إبراهيم” وكان ذلك يٌشعرها بالعجز، وتتساءل داخلها في احتجاج “كيف وبأي حق أو منطق يطلب مني والدي نظم الشعر السياسي وأنا حبيسة الجدران، لا أحضر مجالس الرجال ولا أسمع المناقشات الجادة ولا أشارك في معمعة الحياة؟!“.

لم يكن بمستطاعي التعامل مع الحياة بالصورة القوية التي يجب على الشاعر أن يتفاعل بها، كان عالمي الوحيد في ذلك الواقع الرهيب بخوائه العاطفي هو عالم الكتب”. 

 

 

وهي ترى أن الكتب وحدها لا تكفي كمصدر لمعرفة الحياة وما في العلاقات البشرية من تعقيد وتصادم، وأن علينا أن نحيا في الحياة ذاتها.

وإذا كانت فدوى قد كتبت الشعر الوطني انفعالا بحوادث كبرى، كنكبة 48، “بصورة تلقائية وبدون أي إلزام من الخارج“، فإن انفعالها بالسياسة كما تقول كان يفتقر إلى صفة الاستمرارية، “يشتعل في المناسبات المشتعلة ويخمد بخمودها“، ومن ثم ظلت كتابتها للشعر أسيرة الحالات العاطفية والنفسية التي تباغت فجأة وتذهب فجأة.

ومن “القمقم الحريمي” خرجت فدوى للحياة، خاصة مع تزعزع بنيان المجتمع العربي التقليدي سياسيا واجتماعيا وثقافيا منذ النكبة وما أعقبها من سقوط نظم الحكم في عدد من البلدان العربية، فشاركت في بعض الأنشطة الثقافية في مدينتها مع غيرها من المثقفين والمثقفات.

اكتشفت الفرق بين إحساس الإنسان وتفكيره وهو يعمل منفردا وإحساسه وتفكيره وهو يعمل مع الجماعة، وذقت حلاوة الشعور الجماعي المشترك وأسعدني خروجي من إطار نفسي إلى إطار الجماعة”

ولكنها كانت لا تلبث أن تعود من جديد إلى عزلتها التي لم تعد إجبارية، بسبب طبيعتها الانطوائية التي جعلتها عاجزة تماما عن الاندماج مع الناس، وهو ما مثّل لها شعورا بعدم الرضى، وبقت حائرة موزعة النفس بفعل التعارض القائم بين طبيعتها القويّة المتحكمة وعدم اقتناعها، بل كرهها لهذه الطبيعة لأنها تهدد قدرتها على قول الشعر الذي يستمد قيمته من ارتباطه بالواقع وبحياة الناس، وهو تهديد رأته يمتد لوجودها ذاته “فقد كان الشعر هو كل وجودي“.

وإزاء هذا التأزم النفسي والصراع الداخلي رأت المخرج في السفر إلى إنجلترا، كما كانت تحلم، وحدث ذلك في أواخر مارس 1962م، وكانت تجربة دراسية وثقافية وإنسانية مهمة، ولا بد أنها فتحت أمامها آفاقا جديدة، ثم جاء الحادث المزلزل المتمثل في “الانكسار الحزيراني” ليدفعها للمزيد من الانخراط في الحياة العامة، وهو ما انعكس بالطبع على تجربتها الشعرية وأثراها.

الوسوم

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

مقالات ذات صلة

اترك رد