مدوناتالرئيسي

بلفور بريطانيا والوعد المشؤوم

بقلم: زياد العالول

يحيي الفلسطينيون، ومعهم أحرار العالم الذكرى المائوية لصدور وعد بلفور، والذي كان سببا في تشريدهم من ديارهم، والتأسيس لكيان استعماري، دفع الفلسطينيون ثمنه غاليا.

زياد العالول

 

ومع أن الوضع الفلسطيني الداخلي لا يختلف عن باقي الأوضاع العربية والإسلامية من حيث التشظي والانقسامات التي أمست سمة بارزة للوضع العربي والإسلامي، إلا أن إيمان الفلسطينيين بحقهم الكامل في أرضهم، واستمرار اعتراف المجتمع الدولي (بالرغم من ظاهرة الانحياز الأمريكي والغربي للاحتلال) بأن فلسطين أرض محتلة، يؤكد أن مفتاح الاستقرار في المنطقة والعالم يكون بإنهاء الظلم المسلط على الفلسطينيين، ووضع حد لمظاهر الإجرام المرتكبة بحقهم.

 

لقد جرت محاولات كثيرة لتغيير الخارطة السياسية، وربما البشرية في أرض فلسطين، حيث تم استقدام مئات الآلاف من الغرباء، وتوطينهم في أرضنا.

لكن ذلك لم يغير شيئا، لا أقول في طبيعة الأرض، وإنما في تشبث الفلسطينيين بحقهم في أرضهم كاملة غير منقوصة سواء كانوا داخل الأرض المحتلة، أو في مناطق حكم السلطة، أو في القطاع، أو الشتات العربي أو الإسلامي أو الغربي.

فأنت لن تجد صوتا فلسطينيا ينكر حقه في العودة، ولا منظمة حقوقية ذات مصداقية تنكر على الفلسطينيين، حقوقهم التاريخية الثابتة.

ومنذ مطلع هذا العام، أخذ الفلسطينيون في مختلف بقاع العالم على عاتقهم، الاحتفاء بالذكرى المائوية لإصدار وعد بلفور بطريقتهم الخاصة، عبر كشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع الاستعماري، الذي يستوجب من عقلاء وحكماء المملكة المتحدة، صاحبة هذا الوعد، ليس أن تعتذر للفلسطينيين فقط، وإنما أن تعوضهم عن عقود العذاب والمعاناة التي واجهوها جراء هذا الاحتلال الغاشم.

وكما يبدو، فإن الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم السياسية اليوم، هم أكثر وحدة في موقفهم الرافض للاحتلال، المتمسك بتجريم صاحب الوعد الأول بقيام هذا الاحتلال

 

ولئن بدا أن بريطانيا، ومعها قوى دولية أخرى، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، غير عابئة بالحق الفلسطيني، ولازالت تقف عاجزة أمام اتخاذ موقف لا أقول ينحاز للحقوق الفلسطينية، وإنما حتى  للقوانين الشرعية الدولية، التي تنظر لدولة الكيان، بأنها محتلة لفلسطين، فإن ذلك لن يغير من موقف المجتمع المدني وأحرار العالم، فضلا عن الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين يقفون اليوم صفا واحدا، في إسناد الحق الفلسطيني في أرضه، ليس من باب الفضل على فلسطين، وإنما لأنهم يعرفون أن عودة فلسطين لأهلها هي المفتاح الحقيقي للاستقرار في المنطقة.

وعلى خلاف ما يسعى الصهاينة وأعوانهم من الترويج له، من خلال الحديث عن مشاريع سياسية للتسوية، ثبت بالملموس أنها لم تكن إلا مشاريع للتصفية، وأنه لا خيار أمام الفلسطينيين إلا القبول بالأمر الواقع، وخاصة بعد انشغال العرب بحروبهم الداخلية، وعجزهم عن حلها بالطرق السلمية. على خلاف ذلك، يبدو الفلسطينيون اليوم أقوى من الاحتلال، لأنهم ببساطة أصحاب حق لا ينكره إلا جاحد.

 

وكما يبدو، فإن الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم السياسية اليوم، هم أكثر وحدة في موقفهم الرافض للاحتلال، المتمسك بتجريم صاحب الوعد الأول بقيام هذا الاحتلال. وقد أطلقوا جملة من الحملات السياسية والفنية والثقافية لمطالبة بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطيني، على اعتبار أن تصريح بلفور كان مشروعا استعماريا، وأن بريطانيا لم تصدر فقط هذا التصريح، بل ساهمت بشكل كبير في تأسيس دولة الإحتلال. أو بعبارة أخرى، ساهمت في تدريب العصابات الصهيونية ونقل ملكية الأراضي وتمكين الصهاينة من السيطرة على الأرضي الفلسطينية.

 

لقد أطلق الفلسطينيون بمختلف اهتماماتهم حملة، منذ مطلع العام الجاري، تطالب بريطانيا بالاعتذار، وتحملها المسؤولية القانونية والأخلاقية لما جرى للشعب الفلسطيني، وهي حملة دولية ضخمة منتشرة في شتى بقاع العالم، ذروتها في بريطانيا. وستأخذ هذه التحركات أشكالا نضالية عدة، مثل المظاهرات والاعتصامات والتوقيع على عريضة شعبية تطالب بريطانيا بالاعتذار، وحملة إلكترونية سيتم إطلاقها ليلة المئوية في وسائل التواصل الإجتماعي لذات الغرض.

كما أن هناك فعاليات كثيرة في دول أمريكا اللاتينية، وفي الدول الأوروبية، وفي عدد من الدول العربية، مناصرة للشعب الفلسطيني تؤيد حقه في الإصرار على تحميل بريطانيا المسؤولية فيما يتعلق بهذا الوعد المشؤوم.

يبدو الفلسطينيون اليوم أقوى من الاحتلال، لأنهم ببساطة أصحاب حق لا ينكره إلا جاحد.

وخلال القرن الماضي، تم دحض الإشاعة المنتشرة بأن آرثر جيمس بلفور إنما أقدم على إصدار وعده بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين في الثاني، من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، لشعوره بالشفقة والعطف على اليهود المضطهدين والمساكين. حيث أثبتت السندات السياسية والأدلة المادية لدى المملكة المتحدة أولا، والقوى الاستعمارية ثانيا، أن الموضوع هو مشروع استعماري تم فيه استضعاف العرب والمسلمين في أواخر العهد العثماني، واستغلال وضعهم لزرع هذا الكيان الأشبه بالسرطان الذي يتغلغل في جسد الإنسان بصمت، فيحدث فسادا وخرابا يصعب إصلاحه، وإن تم اكتشافه واجتهد في استئصاله، قد يؤدي إلى فناء الجسد الذي تغلغل فيه.

 

لقد عانى الفلسطينيون من ويلات الحروب منذ ذلك اليوم المشؤوم، واستشهد منهم مئات الآلاف، وتشرد منهم الملايين، وذاقوا أصنافا من العذاب طالت الأخضر واليابس، والجماد والأحياء، والبر والبحر وحتى الطير في جو السماء.

ولكن أنى لأحد أن يستسلم رافعا الراية البيضاء، أو أن يوافق على العيش تحت براثن الاحتلال حتى وإن طالت مدة الاحتلال، فهو إلى زوال. فحتى قادة الاحتلال أنفسهم يعلمون أن كيانهم في زوال، فهو وعد الله لنا في السماء، وما ضاع حق وراءه طالب.

وهكذا تظل الرواية الفلسطينية، على الرغم من محاولات التضليل والتآمر، واضحة المعالم، موحدة الأبعاد : أننا في ليلة غاب عنها القمر، تم التآمر علينا وسلب منا وطننا، وقتل فيها أبناؤنا وانتهكت فيها أعراضنا، إلا أننا لا غنى لنا عن وطننا كاملا مهما تشتتنا أو بعدنا أو طال غيابنا فإننا عائدون، عائدون، عائدون إلى التين والزيتون وإلى شجر الحنون، إلى أرض أبائي وأجدادي، إلى أرض فلسطين.

زياد العالول 

كاتب وناشط فلسطيني 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.