سياسة

ليبيا : أزمة الرمال المتحركة

تقارير اخبارية

بات الحديث يتكاثر عن الأزمة الليبية التي أصبحت محور اهتمامات إقليمية، “المغرب العربي ومصر” “الاتحاد الأوروبي” “بعض بلدان الخليج العربي”. فهذه الأزمة التي طالت كثيرا، وطالت معها معاناة الشعب الليبي والتوجس من نتائجها على دول الجوار ودول الإقليم، تتعدد فصولها وتتشعب لتخلق حالة من انسداد الأفق.

بالرجوع إلى فصول هذه الأزمة التي كل  ما استمرت تنشطر منها أزمات جديدة، وبذلك تختنق الحلول، يمكن الحديث عن أزمات تتصارع داخل الأزمة.

أزمة الحكم 

توجد الآن في ليبيا حكومتان تصرح كل منهما أنها الشرعية وتبسط أسباب شرعيتها، فهناك بالعاصمة طرابلس في الغرب الليبي حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات، وتحظى بسند دولي استنادا إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2259 بتاريخ كانون الأول ديسمبر 2015. والحكومة الثانية بالشرق الليبي بمدينة طبرق برئاسة عبد الله الثني، والمنبثقه عن مجلس النواب.

 

أزمة الحكم تتأكد بقوة بوجود مصرفين مركزيين ومؤسستين للنفط وجيشين، إلى جانب الوزارات والإدارات. فعلى سبيل المثال، أزمة التعليم أصبحت خانقة في ليبيا، كلما بدأ الإعلان عن نتائج الامتحانات خاصة نتائج الثانوية العامة، حتى يبدأ الحديث عن أية حكومة ستعتمد هذه النتائج، خاصة مع تداخل المدن التي تسيطر عليها كلا الحكومتان.

 

تعقدت الأزمة السياسية الليبية، وتعقد معها الوصول إلى حل قريب. فالحكومتان بالغرب والشرق لا تقدمان تنازلت للوصول إلى نقطة تفاهم رغم الوسائط الدولية والإقليمية.

 

ومما يزيد من عمق الأزمة اعتماد عملات نقدية مختلفة، مثل التي طبعتها حكومة الثني بروسيا وأرسلت جزءا منها إلى الغرب الليبي، بالتحديد الى مدينة الزنتان، حيث لم تستطع هذه المدينة صرف هذه الأموال في منطقة الجبل الغربي نظرا لوجود مدن تتبع لحكومة السراج مما زاد أزمة السيولة وتدهور الدينار الليبي، ناهيك عن صرف المرتبات والميزانيات إلى جل الإدارات والبلديات. أزمة الحكم سرعان ما انعكست على الأزمة السياسية، وأصبحت تهدد الحلول الداخلية والإقليمية والأممية لوقف هذا الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية.

 

أزمة سياسية تتسارع 

تعقدت الأزمة السياسية الليبية، وتعقد معها الوصول إلى حل قريب. فالحكومتان بالغرب والشرق لا تقدمان تنازلت للوصول إلى نقطة تفاهم رغم الوسائط الدولية والإقليمية. فأزمة الحكم أطالت بدورها عمر الأزمة ككل، خاصة مع النجاحات العسكرية التي حققتها الحكومتان  في حربهما على الإرهاب.

 

حالة الجمود السياسية دفعت الإمارات إلى استقبال فائز السراج وخليفة حفتر للوصول إلى حل ممكن، والتنبيه أن طرفا ثالثا يمكن أن يطل في المشهد ويعمق الخلافات، وأن الحل ممكن بين الرجلين باعتبار أنهما من مخرجات 17 فبراير

ففي الشرق، تمكن حفتر القائد العام للجيش الليبي من السيطرة على بنغازي والهلال النفطي وطرد داعش. وفي الغرب، تمكنت قوات البنيان المرصوص، التي تتبع لحكومة الوفاق الوطني، من الانتصار على داعش في مدينة سرت التي تعد عاصمة التنظيم وإلحاق الهزائم به.

إلا أن هذه الانتصارات شرقا وغربا كانت انتصارات سياسية للحكومتين وللفرقاء بعضهم على بعض، فالانتصار العسكري للحكومتين تبعته هزيمة سياسية للحلول الممكنة.

حالة الجمود السياسية دفعت الإمارات إلى استقبال فائز السراج وخليفة حفتر للوصول إلى حل ممكن، والتنبيه أن طرفا ثالثا يمكن أن يطل في المشهد ويعمق الخلافات، وأن الحل ممكن بين الرجلين باعتبار أنهما من مخرجات 17 فبراير، وأن حالة عدم التفاهم تقوي الطرف الثالث وهو الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا (أنصار وقيادات النظام السابق). إلا أنه، وبعد هذا الاجتماع، لم تتحرك الأزمة، بل راوحت مكانها القديم إلى أن أطلت من جديد الحلول الإقليمية عبر مبادرة فرنسية لم تكن أحسن من مثيلاتها على مستوى النتائج.

ورقات جديدة  

يبدو أن فائز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي، له ورقاته التي يمكن أن يلعبها، والتي تقوي من شروطه على طاولة التفاوض. إذ أمر بتعيين وزير الدفاع السابق، أسامة جويلي، آمرا للمنطقة الغربية وبترقيته إلى رتبة لواء، وبذلك أصبح يملك ورقة قوية في وجه المشير خليفة حفتر، حيث أن اللواء أسامة جويلي لديه علاقات قوية مع دولة الإمارات المتحدة الداعمة لحفتر، إلى جانب أن الرجل محل ثقة كل من تونس والجزائر وله علاقات قوية بهما. وكذلك فهو الرجل القوي داخل مدينة الزنتان القوية عسكريا، والتي تعد من المدن التي يعول عليها حفتر، إذ عين منها آمرا للمنطقة الغربية  يتبعه وهو اللواء إدريس مادي.

لكن ما يمتاز به الجويلي عن غيره علاقته القوية مع جل المجالس العسكرية، إلى جانب أنه رجل له مكانته عند كل القوى المتصارعة، وبذلك وجه السراج رسالة قوية للداخل والخارج. فالسراج الذي يحبذه الغرب لكونه لا ينتمي إلى قبيلة ولا تسنده جهة عكس حفتر الذي تسنده قبائل عدة إلى جانب قبيلته الفرجان والعواقير وقبائل المنطقة الشرقية.

الرمال المتحركة 

مع وصول المبعوث الجديد إلى ليبيا، غسان سلامة، وانطلاقه في المشاورات وحث جميع الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لحلحلة الأزمة، وخاصة الدعوة إلى تعديل الاتفاق السياسي ومواده التي تعد عائقا أمام الوصول إلى حل، بدأت أزمة جديدة وهي أزمة صبراتة التي انطلقت فيها حرب شرسة بين غرفة عمليات محاربة داعش و مليشيات المسمى” العمو” المتهم بأنه وراء عمليات الهجرة غير الشرعية.

إلا أن هذه الحرب قد مثلت فرصة جديدة لجميع الأطراف للاستثمار فيها علها تخلق نقاط قوة جديدة، فبعد أسابيع من الكر والوفر داخل المدينة، حسم الأمر بالانتصار لغرفة عميات محاربة داعش. ومع إعلان الانتصار، تسابق الجميع لنسب هذه الغرفة لهم والادعاء أن هذا الانتصار هو ابنهم الشرعي، ليأتي  بيان الغرفة حاسما يقول أنها تتبع لحكومة الوفاق برئاسة السراج.

وبذلك قطع الطريق أمام حفتر، ولم تتم هذه الحلقة حتى أطل الرجل القوي اللواء أسامة جويلي في وسط مدينة العجيلات الاستراتجية، وبذلك خلق طوق كبير عن مدينة الزاوية و خاصة مجمع مليته للنفط والغاز الذي يعد شريان أوروبا وإيطاليا خاصة، و بذلك تتوالى الورقات القوية للسراج.

و مع بداية جلسات الحوار بين مجلس النواب ومجلس الدولة بتونس تحت رعاية الأمم المتحدة، والإعلان تارة عن اتفاق بين الفرقاء ثم الإعلان عن اختلاف جديد، يتم تسريب لقاء بين حفتر الرجل القوي في الشرق وأسامة الجويلي الرجل القوي في الغرب بوساطة الإمارات لنبقى ننتظر انعكاسات هذا اللقاء الأول بين العملاقين على مجريات الحوار بتونس.

 

الوسوم

شهاب عطاء الله

كاتب تونسي مهتم بالشأن الليبي

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.