سياسة

حين يلتقي أسير فلسطيني ابنه المصاب بالسرطان بعد 17 عاما

تعودنا نحن البشر في مجملنا، حين نتلفظ بكلمة زيارة سرعان ما يتبادر إلى أذهاننا، البروتوكولات والرسميات والاعدادات والتحضيرات من أجل الزيارات. ولكن هذه المرة وهذه الزيارة، ستكون مختلفة عن كل سابقاتها وستحمل قراء ميم الى مستشفى هداسا بالقدس، أين كانت الصورة مؤلمة وموجعة تخدش حياء من نسوا القضية الفلسطينية ورموا بها عرض الحائط.

 

وأخيرا، تمكن الوالد الأسير، رجب الطحان، من زيارة ابنه مجد المريض، بعد غياب دام 17 عام. لقاء، في الخامسة فجرا، تحت جناح الظلام  و تحت المراقبة الأمنية المشددة لسلطات الاحتلال.

لقاء امتزج بمرارة الفراق والأسر، فكانت أشد ألما من الألم ذاته. بعيون باكية وكلمات موجعة، يروي محامي الأسرى الفلسطيني أمجد أبو عصب، حرارة اللقاء الأليم.

 المحامي، أمجد أبو عصب، يروي قصة اللقاء

بحدود الساعة الخامسة فجرا و دون أن يدري بهم أحد، تسللت مجموعة من إدارة سجون الإحتلال إلى مستشفى هداسا عين كارم ومعهم الأسير المقدسي رجب الطحان.

أحضروه من سجن نفحة الصحراوي لزيارة إبنه المريض مجد.

أحضروه مقيدا في ظل إجراءات أمنية مشددة.

أدخلوا رجب إلى غرفة مجد وكان لقاء الأب الأسير الصامد مع إبنه المريض الصامد.

للوهلة الأولى لم يتعرف رجب على إبنه مجد، بسبب التغير الكبير الذي أحدثه العلاج الكيماوي في ملامحه.

رجب المكلوم، أخذ يسأل الشاب المريض عن إسمه و أسماء إخوانه و أقاربه،  فإذا به يحدث مجد، يحدث ابنه، فلذة كبده !!!

لم يسمح السجان لرجب بفك وثاقه بحجة القانون و التعليمات و الإجراءات الأمنية..

فاحتضن رجب إبنه العليل و هو مقيد، و أخذ الإثنان يشد كل منهما أزر الآخر…

إستمر اللقاء قرابة نصف ساعة، أبدى فيها مجد رباطة جأش، بينما حبس رجب دموعه وأوصى إبنه بأن يكون مع الله  و أن يحافظ على الصلاة وعلى الدعاء .

إنتهت الزيارة! و إختطف رجب من جديد، ليعود إلى زنزانته الظالمة في أقاصي الصحراء، وليبدأ رجب إستعادة المشهد من جديد، مشهد ابنه المريض مستذكرا كل اللحظات، مطلقا لدموعه العنان، موجها أكفه نحو السماء، مخاطبا رب السماء، بأن يمن على مجد بالشفاء.

نسأل الله العلي العظيم، رب العرش الكريم، بأن يمن على مجد بالشفاء التام، و أن يمن على رجب و كل الأحبة بفرج قريب.”

 

رواية المحامي، أمجد أبو عصب، وصفت عمق المآسي التي يعاني منها الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم المكلومة، ليواصل شقيق الأسير رواية تفاصيل اللقاء والتحضير له.

تفاصيل اللقاء كما يرويها شقيق الأسير

“وضعت المحكمة المركزية في بئرالسبع شروطها لتنفيذ قرارها بالسماح للأسير رجب بزيارة ابنه المريض في المستشفى، بعدم اعلامنا بموعد الزيارة وعدم تواجد أي من أقرباء المريض مجد في غرفته أو القسم الذي يعالج فيه، لحظة احضار حراس مصلحة السجون للاسير للمستشفى وشددت في قرارها بإلغاء الزيارة في حالة رؤيتها لاي من افراد عائلة مجد في المكان لحظة احضار الأسير علما بأن مجد يحتاج لمرافق على مدار الساعة مما شكل تهديدا للعائلة بصعوبة تنفيذ القرار.

ومع ذلك فقد قمنا بالإجراءات المناسبة لتأمين الزيارة مع عدم ترك مجد وقتا كبيرا اثناء ذلك وقد شاء الله أن يحضر حراس السجن الوالد الأسير لحظة ترك المرافق لغرفة مجد لتتم الزيارة كما اريد لها ان تكون.

الساعه ٤:٤٠ دقيقه فجرا لحظات اللقاء الاولى بين الوالد المكبل بالسلاسل من يديه لقدميه كانت صعبة للغاية حيث فوجئ الأب بهيئة ابنه المريض ورفض عقله وقلبه تقبلها.. وللوهلة الاولى اعتقد انها حيلة من المخابرات للعب بعواطفه عن طريق احضار مريض آخر بدلا من ابنه..

وبدأ بالصراخ في وجه حراسه (هذا ليس ابني) واختلط صراخه بنداءات ابنه مجد (انا ابنك يابا والله ابنك مجد)، التفت إليه الوالد وسأله عدة أسئلة تتعلق بأسماء اعمامه واخواله وأجداده.. وبعد أن أجاب عليها ابنه اندفع إليه بكل قوته وهو يصرخ ابني ابني هذا فعلا ابني..

حبس الوالد دموعه لكن ابت بضع قطرات منها إلا الاندفاع رغما عنه على وجنتيه وهو يقرأ على رأسه آيات من القرآن الكريم والادعيه وسارع كل من الاب وابنه بتهدئة الاخر ورفع معنوياته.. ليسمع الحراس طنينها بأبلغ معنى ل (ذاك الشبل من ذاك الاسد)

استمر اللقاء 10 دقائق وعاد الأب الصابر المكلوم إلى سجنه محتسبا، ودبت في جسد مجد قوة لم نرها في مثل الحالات القاسية التي مرت عليه، وخرج من غرفته ممتشقا ابتسامته وهو يصيح “عمي شفت ابوي شفت ابوي”

خرت ركبتاي على الأرض شاكرا الله عز وجل لتحقيق أولى امنيات ذاك الأب الأسير وابنه المريض وداعيا المولى أن يكرمنا بشفاء مجد وتحرير ابوه ليلتئم الشمل من جديد بلا قضبان ولا سرطان.”

 

هذه التفاصيل المؤلمة، تختزل معاناة الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم مع الاحتلال الاسرائيلي الذي لا يتوانى عن ممارسة شتى صنوف القمع لكسر ارادة المقاومين ومحاولة تدميرهم معنويا.

يذكر أن الأسير رجب الطحان، قد أعيد اعتقاله في سنة 2014، بعد عملية، أسر ثلاث مستوطنين، في مدينة الخليل. ثم أعيد حكمه بالمؤبد، بعد أن تم الافراج عنه سنة 2011، خلال صفقة تبادل الأسرى، المعروفة بصفقة شاليط.

وقد منع قسريا من زيارة ابنه مجد، أصغر أبنائه، الذي أصيب فجأة بمرض السرطان ويرقد حاليا بمستشفى هداسا بالقدس. مجد الذي لم ينعم سوى بسنتين و ثماني أشهر بحضن والده، تحقق حلمه، فجر أمس في معانقة والده الأسير بعد غياب دام 17 عام، لمدة نصف ساعة أو أقل..

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد