مجتمع

لا بد من قانون يجرم العنصرية في تونس

"وصفني بالاسود واعتدى علي لفضيا"

 

“آلمتني كثيرا تلك الألفاظ النابية التي وصفني بها نائب مجلس النواب وليد جلاد وهي عبارات عنصرية”..

بنبرة ملؤها الحزن والعتاب حدثنا الحكم الدولي أسامة رزق الله عما تعرض له من إهانة وما وُجه لم من كلام بذيء وعنصري اثر تحكيمه لمباراة كرة قدم.

 

تهجم لفظي …واعتداء عنصري

أسامة رزق الله شاب تونسي، عُرف في مسقط رأسه قابس الواقعة جنوب شرق البلاد التونسية  بدماثة أخلاقه وطيبة قلبه وهو محبوب من كل من حوله.

يحدثنا رزق الله عن أطوار الحادثة التي تعرض لها بعد نهاية مباراة كرة قدم قائلا  “أطلقت صافرتي  معلنا عن  انتهاء توقيت المباراة، التي جمعت الملعب الصفاقسي وضيفه مستقبل سليمان لحساب الجولة الثانية ذهابا من بطولة الرابطة المحترفة الثانية لكرة القدم بملعب المحرس والتي انتهت لفائدة المحليين بنتيجة هدف مقابل هدف وذلك يوم 22 سبتمبر 2017.”

يواصل رزق الله حديثه لمجلة ميم بنبرة خافته وصوت منكسر،

قال لي كلاما بذيئا ووصفني ب”الوصيف” و “الكحلوش”.. آلمتني عباراته كثيرا، فمن المفروض أنه نائب عن الشعب ورسالته الدفاع عنا وعن القوانين التي تحمينا، لا أن ينتهك كل القوانين والأخلاق والمبادئ ويهينني أمام الجميع ويتفوه بكلام بذئ ويصفني بالاسود.”

 

قال لي كلاما بذيئا ووصفني ب”الوصيف” و” الكحلوش”، آلمتني عباراته كثيرا فمن المفروض أنه نائب عن الشعب ، ورسالته الدفاع عنا وعن القوانين التي تحمينا ، لا أن ينتهك كل القوانين والأخلاق والمبادئ ويهينني أمام الجميع ويتفوه بكلام بذئ ويصفني بالأسود.

مرض التفرقة بين الابيض والاسود

يقول أسامة ” أحسست من كلام النائب جلاد، والصفات التي تفوه بها بأنها لم تكن مجرد ردة فعل عفوية.. هي عبارات متجذرة بداخله، كلامه لم يكن ناتجا عن  حالة الغضب التي انتابته بعد خسارة فريقه في تلك المباراة، بل كان مقصودا يعبر عن إصابته بداء العنصرية. رغم كونه مثقفا وسياسيا ورياضيا إلا أنه يعاني من هذا المرض المتمثل في التفرقة بين الابيض والاسود.” 

هل العنصرية موجودة في تونس؟

“نعم العنصرية موجودة في تونس منذ القدم ، وهي القضية القديمة الجديدة ، والحالات متعددة ومختلفة” عن هذا السؤال اجابتنا الصحفية هندة رزق أصيلة ولاية قابس.

“هي آفة يعاني منها ذوو البشرة السوداء  في تونس.. ومن حسن الحظ أنه ما  بعد الثورة التونسية  سنة 2011 ، أصبح لنا هامش كبير من الحرية في الحديث عن هذا الإشكال والتطرق إليه، إلا أنه في كثير من الأحيان يتم إخراج القضايا من سياقها ويتم الاكتفاء بفتح تحقيق في الغرض وعدم محاسبة المُعتدي..”

يوجد في تونس حوالي مليون مواطن أسود البشرة يشتغلون في جميع القطاعات، وهم يمثلون نسبة 7 بالمائة من التونسيين، وقد تعرض العديد منهم لممارسات مبنية على التفرقة العنصرية.

وتضيف محدثتنا “ما حدث لا يقتصر على اسامة فقط، فهناك العديد من الحالات في تونس  ممن تعرضوا للعنصرية، ومن الضروري معاملتهم وفق ما ينص عليه القانون.”

 

 

 

وتشير الأستاذة هند رزق الى وجود عدة أشكال للعنصرية في تونس، وأنها لا تتعلق  بلون البشرة فحسب “هناك عنصرية على أساس اللهجة، على أساس التفرقة بين أبناء الريف وأبناء المدن، وعلى  أساس المستوى المعيشي بين الفقير والغني”.

وقد أتت هند على ذكر جملة من الحوادث التي عاشت على وقعها تونس “أتذكر حادثة وقعت في إحدى القرى التونسية حيث رفض متساكنوها  أن يؤمهم إمام أسود البشرة،  فاضطر أن ينتقل من تلك المدينة نحو أخرى  والتي لا تبعد عن الأولى إلا بضع كيلومترات فقط..”

“كذلك هناك رفض تام في بعض العائلات التونسية أن تتزوج فتاة بيضاء من رجل أسود أو العكس، وتوجد عائلات ترفض هذه المسألة تماما.. رغم ما تربطهم من علاقات قرابة أو صداقة إلا أن هذه العلاقات تنتهي بمجرد تفكير الأبناء في الارتباط.”

 

 

أنا أسجل أنني لم أسمع قبل هذه الحادثة أن يهين نائب شعب ويتوجه بعبارات عنصرية متخلفة لمواطن، خاصة وهو يقوم بأداء واجبه المهني. هذه تعتبر سابقة خطيرة ونقطة مظلمة لا تغتفر

النائبة جميلة الكسيكسي

 

المطلوب قانون يجرم العنصرية

يطالب المناهضون لمظاهر التمييز على أساس اللون بسن قانون يجرم العنصرية في تونس، وفي هذا الصدد، يقول أسامة “وجدت مساندة كبيرة من قبل التونسيين، لكنها بقيت مساندة معنوية فقط، لذلك أنا أطالب بقانون مفعل يجرم  هذه الأفعال والأقوال، حتى لا تبقى معالجة القضية تقتصر على التنديد والوقفات الاحتجاجية.” 

ويواصل محدثنا كلامه باستغراب وقلق حول عدم التعامل مع القضية بجدية رغم مرور شهر كامل عن الحادثة، “رغم التقرير المفصل حول المظلمة التي تعرضت لها التي تم إيداعها في الآجال القانونية لدى الرابطة المحترفة لكرة القدم، واحالتها بدورها على الجامعة، باعتبار أن القضية تتعلق برئيس الجمعية، إلا أنه لم يتم صدور أي قرار بخصوص النائب ورئيس الجمعية وليد جلاد”. 

 

 

مشروع قانون في رفوف مجلس نواب الشعب

وكانت وزارة العلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان قد عرضت في السابق مشروع قانون أساسي يتعلق بمناهضة التمييز العنصري والمساواة التامة بين المواطنين في جميع الحقوق، ويهدف هذا المشروع إلى تحديد كل التدابير والآليات التي من شأنها أن تحد من التمييز العنصري وحماية ضحاياه وزجر مرتكبيه.

وقدم  المشروع الذي يتكون من 11 فصلا موزعا على أربعة أبواب تعريفا شاملا للتمييز العنصري، وهو تعريف يتلاءم مع المادة الأولى من الاتفاقيات الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري.

ويعتبر المنتدى للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الشبكة الأورومتوسطية واللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان  أول من بادر بطرح مقترح مشروع قانون تجريم التمييز العنصري في تونس، وقد تم عرضه على جميع الكتل في مجلس نواب الشعب في جوان 2016.

ويضمن قانون تجريم التمييز العنصري الحق في الإحاطة النفسية والاجتماعية والحماية القانونية، بالإضافة للحصول على التعويض القضائي المناسب حين التعرض للتفرقة على اساس اللون، أو لاعتداء عنصري لفظي أو جسدي. 

أسامة وغيره من ذوي البشرة السمراء مطلبهم الوحيد هو أن يصادق مجلس نواب الشعب على مشروع قانون تجريم التمييز العنصري في أقرب الآجال، حتى تتم معاقبة المعتدين وفق هذا القانون. ولكن لسائل أن يسأل: ماهو مصير هذا القانون إذا كان المعتدي بألفاظ تقطر عنصرية هو في حد ذاته نائبا في مجلس الشعب الذي يفترض أن يضع حدا لممارسات التفرقة والتمييز البغيضة..

“تصرف لا انساني … وعلى وليد الجلاد الاعتذار لأسامة رزق الله”

من جهتها أكدت النائبة بمجلس نواب الشعب  جميلة كسيكسي في حديثنا معها على تسارع وتيرة الاعتداءات العنصرية في تونس، سواء على ذوي البشرة السوداء من التونسيين أو الأفارقة المقيمين في تونس. وقد حدثت اعتداءات مختلفة تداولتها وسائل الإعلام وصلت إلى حد محاولة القتل.

 

 

وتضيف الكسيكسي أن الحكومة التونسية تفاعلت في البداية بعد حادثة الاعتداء على الطلبة الكونغوليين، وقدم السيد رئيس الحكومة خطابا وعد فيه بالتسريع بإصدار الإطار التشريعي المناسب لتجريم الاعتداءات العنصرية، وكذلك فعل رئيس مجلس النواب الذي وعد بإعطاء الأولوية في النظر للمبادرة التي تقدم بها مجموعة من النواب.

ولكن للأسف لم يف أي من الرؤساء بوعوده وبقي الحال على ما هو عليه ولم تكن تلك الوعود نابعة عن إرادة حقيقية للتصدي لتلك الظاهرة المخجلة وإنما هي مجرد مسكنات وخطاب للاستهلاك فقط.

وانتقدت محدثتنا الحكومة والبرلمان لاستخفافهما وتقصيرهما في القيام بواجب حماية ضحايا الاعتداءات والتصدي لمجرمي التمييز العنصري ووضع الآليات القانونية والسياسات اللازمة طبقا لتعهدات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان، قائلة

“اعتبر أن هذا التمشي مع الوقت سوف يهدد السلم الاجتماعي والتعايش بين التونسيين وسوف يعمق الكراهية بين أبناء الوطن الواحد”.

وفي تعليق لها على ما تعرض له الحكم الدولي أسامة رزق الله من اعتداء من قبل النائب وليد جلاد وصفت النائبة هذه الحادثة “بالفضيحة والعار على مجلس نواب الشعب الذي من المفترض أن يكون ضامنا وحام لحقوق الإنسان ومدافعا عن قيم الكرامة للشعب الذي يمثله”.

وأكدت الكسيكسي أن إهانة وليد جلاد للحكم الدولي “تصرف  ينم عن تدني الحس الإنساني لدى النائب” مضيفة  “أنا أسجل أنني لم أسمع قبل هذه الحادثة أن يهين نائب شعب ويتوجه بعبارات عنصرية متخلفة لمواطن، خاصة وهو يقوم بأداء واجبه المهني. هذه تعتبر سابقة خطيرة ونقطة مظلمة في تاريخ هذا النائب لا تغتفر”.

ودعت النائبة جميلة كسيكسي النائب وليد جلاد إلى الاعتذار للسيد أسامة ومن وراءه من  ذوي البشرة السوداء الذين يشكلون أحد أهم لبنات النسيج المجتمعي في تونس وهم من رحم هذه البلاد العزيزة وليسوا مواطنين من درجة ثانية كما زعم ذاك النائب.

وأضافت  “ما عليه إلا الاطلاع على تاريخ تونس وإثراء ثقافته من هم السود في تونس ولكي يعرف أن تونس من أول البلدان التي قطعت مع العبودية منذ 171 سنة وان تونس صادقت على الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري بعد سنة فقط من المصادقة عليها من قبل الأمم المتحدة سنة 1965 لتكون من أول الدول التي بادرت بالمصادقة وذلك يحسب لتونس ولتوجهها نحو وحدة وتماسك الشعب التونسي العريق المتسم بالتعايش والانفتاح.”

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.