مدونات

تداعيات مجزرة الواحات

مدونات

ليست المرة الأولى من نوعها التي تتعمد فيها الأجهزة الرسمية حجب المعلومات وانعدام الشفافية في التصريحات والإعلان عن أسباب وقوع مثل هذه الحوادث وجوانب القصور لتكون المعالجة أكثر فاعلية في إطار القانون. ولكن السلطات وصلت بممارساتها إلى حد التحلل التام من أي قيد دستوري أو قانوني، فأصبحت المخالفات منهجا تنسجم مراحله المتعاقبة مع بعضها، ويستمر العصف بكل الحقوق والاستهانة بأسماها.

عقب كل اختراق أمني أو عملية ينفذها المسلحون، لا تجد السلطة مخرجا منها إلا بالإعلان عن نجاح القوات الأمنية أو العسكرية في إحباط محاولة لزعزعة الأمن أو القبض أو تصفية عدد من المواطنين بدعوى انتمائهم لجماعات مسلحة بعد اشتباكات عنيفة معهم لا ينتج عنها إلا مقتل المسلحين فقط !

إجراءات خطيرة يترتب عليها ومن خلالها سحق حق الإنسان في الحياة أو الحرية أو حقه في الوصول إلى المعلومة بشفافية حول وقائع تمس أمنه وأمن مجتمعه، ففي مثل هذه الأوقات، يمكن اصطحاب المختفين قسرياً إلى مسرح جريمة سينمائي وتطلق عليهم النار، ثم تبدأ الآلة الإعلامية بالتسويق للنصر وإبراز نجاح زائف للقوات يغطى به فشل الأجهزة الأمنية في منع وقوع العمليات المسلحة والتفجيرات.

سادت حالة من الصمت الرسمي كالمعتاد، في الوقت الذي بدأت تتوالى أخبار عن قتلى ومصابين في صفوف قوات الأمن بمنطقة الواحات بمحافظة الجيزة، والتي وقعت في حدود الساعة 16:15 بتوقيت جرينتش مساء الجمعة 20 أكتوبر 2017، وأسفرت حسب الرواية الرسمية عن مقتل 11 ضابط قوات خاصة وأمن وطني و5 عناصر شرطية أخرى، فيما ذكرت مواقع إخبارية دولية أن الضحايا 56.

… وسبق أن تم توثيق حالات تصفية جسدية نفذتها القوات المسلحة لأشخاص مقبوض عليهم والإعلان عن أنهم إرهابيون قُتلوا أثناء اشتباكات.

بعيداً عن حيثيات الواقعة التي لا يمكن سردها في هذا المقال الذي يهدف إلى تسليط الضوء على ردود الأفعال الرسمية التي تلت الواقعة والمتعارضة مع معايير العدالة الجنائية، والمتمثلة فيما يلي :

1- الثأر من تنظيم القاعدة و ضابط الصاعقة السابق هشام عشماوي بتاريخ 23 أكتوبر 2017 الساعة 15:58 بتوقيت القاهرة، نشرت الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمي للجيش المصري على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك فيديو عقبه بيان عن نجاح القوات الجوية المصرية في صد عملية اختراق للحدود قامت بها مجموعة إرهابية.

2- الثأر من داعش، بتاريخ 23 أكتوبر 2017 الساعة 17:28 بتوقيت القاهرة، نشرت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري للجيش المصري على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بيانا يفيد قيام قوات الجيش بقتل 6 عناصر (إرهابية) في سيناء بعد اشتباكات معهم.

تُظهر الصور المٌرفقة بالبيان جثثا ملقاة على الأرض عليها آثار استهداف بمنطقة الجبهة، وهذه إشارة إلى أن عملية القتل تمت قنصاً أو بالاستهداف عن قرب، لأنه ليس من المنطقي أن تكون الإصابات بهذه الدقة في الاشتباكات. وسبق أن تم توثيق حالات تصفية جسدية نفذتها القوات المسلحة لأشخاص مقبوض عليهم والإعلان عن أنهم إرهابيون قُتلوا أثناء اشتباكات.

3-الثأر من حركة حسم، بتاريخ 24 أكتوبر 2017 الساعة 2:00 بتوقيت القاهرة، نشرت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية بيانا يفيد قيام جهاز الأمن الوطني بالقبض على خلية (إرهابية) مكونة من 13 شخصا تنتمي لحركة حسم، وعلى غير عادة بيانات الداخلية التي تصحبها أسماء وصور وربما فيديوهات تصفها الوزارة بأنها اعترافات متهمين، لم يُعلن عن أية أسماء من المقبوض عليهم.

رد فعل ثلاثي أُعلن عنه تقول فيه الدولة أنه تم اتخاذ اللازم تجاه كل من يشتبه في ضلوعه بتنفيذ المجزرة، في حين أن عددا من أفراد المأمورية في قبضة المسلحين ومنهم ضابط مباحث قسم أكتوبر، محمد الحايز، ولم يستدل على مكانه حتى الآن.

واقع مؤلم تعيشه مصر في ظل وجود سلطة وصل بها الحال إلى هذا الحد من الانهيار وتجاوز أبسط مفاهيم الإدارة والدولة

لم تكتف الدولة أيضاً بهذا الحد من ممارسة الكذب والقتل، ولكنها كذبت تسجيلا صوتيا لطبيب بمستشفى الشرطة يروي تفاصيل الواقعة وفق شهادات المصابين، وأوقفت برنامج إعلامي السلطة أحمد موسى عقاباً على إذاعته التسجيل، كما أنها بدأت حملة تحريض على قتل المجندين رداً على ما حدث من قيام المسلحين باستهداف المسلحين الضباط بالقتل والاكتفاء بإصابة المجندين في مناطق غير مؤثرة تعوق حركتهم بشكل مؤقت.

استحضرت الأدوات الإعلامية مجزرة رابعة وصورتها على أنها ملحمة وطنية، واستضافت القنوات التلفزيونية جنديين تم تقديمهما على أنهما من ضمن الناجين من المجزرة، ولم يتحدثا إلا بشكل مُعد له مسبقاً، وأفاد أحدهما بأنه حمل على كتفه ضابطين مقتولين كانا قد رافقاه في فض اعتصام رابعة، في رسالة خبيثة موجهة للمسلحين بأن دماء رابعة ليست في رقاب الضباط فقط ولكنها في رقاب الجنود أيضاً، فاقتلوا ما شئتم منهم ولا تقربوا من عائلة النسر.

هذا بالإضافة إلى شعور السلطة بخطر تفكيك الكُتل الصلبة التي يعتمد عليها في صراعها مع كل الطامحين إلى دولة ديموقراطية وحقوق وحريات حقيقية. فعمليات قتل الجنود لا تُضعف من قوة السلطة لأنها طاقة مجانية ومتجددة سنوياً، كما تستفيد منها بصناعة حواجز بين القوى الثورية وأسر القتلى من الجنود عند اتهامهم بارتكاب جرائم القتل، وأيضاً إحكام السيطرة على الجنود وتطويعهم لتنفيذ عمليات البطش ثأراً لزملائهم من جهة، وحماية لأنفسهم من نفس المصير من جهة أخرى.

أما تعامل المسلحين مع الجنود بنفس أدبيات مجزرة الواحات، فإنه يُنذر بخطر إفقاد النظام القدرة، ولو جزئياً، على تفتيت المجتمع وبث روح الكراهية بينهم، وكذلك خطر تخلي الجنود عن السلاح في المواجهات الحقيقية حرصاً على حياتهم ،خصوصاً وأنهم غير مستهدفين مثل الضباط. والحقيقة أن وقائع تخلي الجنود عن سلاحهم في المواجهات ليست بجديدة، فقد حدثت في كرداسة وفي ميدان التحرير أثناء ثورة يناير، ومع واقعة الواحات من المتوقع أن تتزايد.

واقع مؤلم تعيشه مصر في ظل وجود سلطة وصل بها الحال إلى هذا الحد من الانهيار وتجاوز أبسط مفاهيم الإدارة والدولة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق