مدونات

في ذكرى إعدام ريحانة الجباري

بقلم : هزار الفرشيشي

“في تلك الليلة المشؤومة كان يجب أن أكون أنا القتيلة، جسدي كان سيلقى في زاوية في المدينة، وبعد أيام من القلق ستستدعيك الشرطة إلى الطبيب الشرعي للتعرف علي، وستدركين أنه تم اغتصابي، لم يكن أحد ليتوصل إلى هوية القاتل لأننا لا نملك أموالهم ونفوذهم. عندئذ ستكملين بقية حياتك في معاناة وفي عار…”

في الخامس والعشرين من أكتوبر 2014،

هزار الفرشيشي

رحلت ريحانة الجباري، تاركة هذه الكلمات الموجعة لأمها شعلة، فأشعلت بها الضمائر الحية وهيجت بها الأبواق التي انطلقت تطعن في شرفها وتزيف الأحداث.

أعدمت ريحانة شنقا وهي التي دافعت عن عرضها وتصدت لرجل الاستخبارات الإيراني السابق، مرتضى عبد العلي سربندي، عندما حاول اغتصابها، بطعنه طعنة خلصتها من براثنه وألقت بها في براثن السلطة الجائرة.

 

في أول يوم لي في مركز الشرطة عنفني ضابط كبير السن أعزب بسبب أظافري، عرفت يومها أن الجمال ليس من سمات هذا العصر. جمال المظهر، الأفكار والرغبات، جمال الخط، جمال العين والرؤية ولا حتى جمال الصوت

وقفت الجباري وهي ذات التسعة عشر ربيعا أمام القضاء مطمئنة البال لثقتها في عدله، لكنها وجدت نفسها تقضي ربيع عمرها في السجن تتلقى كل أنواع التعذيب والتنكيل، لتنتهي رحلتها بعد سبع سنوات جثة تتدلى على حبل المشنقة.

” كم كان متفائلا من ينتظر العدالة من القضاة، لم يلتفت القاضي إلى نعومة يدي، لا توحي بأني كنت رياضية أو ملاكمة بالتحديد. البلد التي زرعت في قلبي حبها لفظتني، ولم يساعدني أحد وأنا تحت ضربات المحقق وأسمع أحط درجات السباب. وبعد أن تخلصت من باقي علامات الجمال الباقية في جسدي أعطوني مكافئة 11 يوما في الحبس الانفرادي.

عزيزتي شعلة، لا تبكي على ما تسمعينه مني الآن، في أول يوم لي في مركز الشرطة عنفني ضابط كبير السن أعزب بسبب أظافري، عرفت يومها أن الجمال ليس من سمات هذا العصر. جمال المظهر، الأفكار والرغبات، جمال الخط، جمال العين والرؤية ولا حتى جمال الصوت”

رحلت ريحانة جسدا لكنها ستبقى لعنة تطارد النظام الإيراني الذي صم أذنيه عن كل النداءات الدولية والأصوات الحقوقية التي نادت بالعفو عنها أو بمحاكمتها محاكمة عادلة.

إذ يذكر أنه قد تم تأجيل حكم الإعدام قبل نحو ست أشهر من تنفيذه، وذلك بعد إطلاق منظمة الأمم المتحدة لعريضة تلتمس العفو عن ريحانة لتحصد مائتي ألف توقيع، ليهتز الرأي العام الدولي صبيحة ذلك اليوم بخبر إعدام ريحانة.

وتشير تقارير حقوقية إلى تصدر إيران، إلى جانب السعودية والصين والعراق، سلم الدول التي تنفذ أحكام الإعدام في العالم.

 

وقد ذكر الكاتب الانجليزي ماثيو كامبيل في مقال يحمل عنوان “إيران تتحدى العالم لشنق امرأة”، نشره على صحيفة “سنداي تايمز”، أنه، وبالرغم من كل النداء ات الدولية والحقوقية، فقد تم تنفيذ حكم الإعدام على مهندسة الديكور البالغة من العمر 26 عاما.

وأكد كامبيل أن ريحانة كانت ستكون الضحية إن لم يمت رجل الاستخبارات الذي تذرع بالاستعانة بها في تصميم ديكورات مكتبه ليعتدي عليها جنسيا قبل أن تطعنه بسكين في ظهره.

وقد استندت الرواية الرسمية للمؤسسة القضائية في الحكم على الجباري على غياب ما يثبت تعرضها للاغتصاب حسب تقرير الطبيب الشرعي، وهو ما ذكرته ريحانة، إذ قالت أنه حاول اغتصابها ولم تقل أن الفعل قد تم.

كما تنص نفس الرواية على أن عملية الاغتيال لم تتم حال محاولة الاغتصاب، إنما عادت ريحانة مرة أخرى إلى بيت سربندي لتقوم بطعنه ما يعتبر قتلا مع سبق الإصرار والترصد، الشيء الذي فندته ريحانة وعائلتها.

وتشير تقارير حقوقية إلى تصدر إيران، إلى جانب السعودية والصين والعراق، سلم الدول التي تنفذ أحكام الإعدام في العالم.

وقد صرح الأمين العام للأمم المتحدة،أنطونيو غوتيريش، خلال كلمة ألقاها بمناسبة اليوم العالمي لرفض عقوبة الإعدام والموافق للعاشر من أكتوبر 2017، إن “4 دول فقط تنفذ 87 بالمائة من كافة أحكام الإعدام المسجلة”.

وأشار إلى أن هذه الدول هي العراق وإيران والصين والسعودية، حسب معطيات المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. مضيفا “أرجوكم أوقفوا عمليات الإعدام.

لا مكان لعقوبة الإعدام في القرن الحادي والعشرين. اليوم، في اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، أؤكد من جديد معارضتي لعقوبة الإعدام في جميع الظروف. وأدعو جميع الدول التي ألغت عقوبة الإعدام إلى دعم دعوتنا للقادة الذين يبقون عليها، إلى إقرار تعليق رسمي لعقوبة الإعدام بهدف إلغائها في أقرب وقت ممكن.”

وفي هذا الإطار، نظمت المعارضة الإيرانية، بالتعاون مع جهات حقوقية واجتماعية، مظاهرات في مختلف الدول الأوروبية، للمطالبة بإيقاف عقوبة الإعدام في إيران.

وقالت زعيمة المقاومة الإيرانية، مريم رجوي، “إن المقاومة الإيرانية تدافع عن إلغاء حكم الإعدام في إيران، وإننا مستمرون في ذلك حتى بعد إسقاط نظام الملالي”، مضيفة “نرفض تماما جرائم النظام الإيراني المرتكبة باسم الإسلام، والتي هي ضد شريعة الإسلام السمحاء.”

واليوم، بعد ما يقارب سبعين عاما على إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص في مادته الثالثة على أنه “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”، لازالت إيران تنفذ أحكام الإعدام ضاربة عرض الحائط كل المساعي الدولية والحقوقية لتراجعها عنه.

فلئن كانت ريحانة الجباري قد رحلت رحيلا صاخبا، وصل صداه إلى كل العالم، فإنّ عشرات غيرها، أو ربما مئات لقوا وسيلقون نفس المصير في صمت، ولا بواكي لهم.

الوسوم

هزار الفرشيشي

عضو فريق ميم التحريري وناشطة حقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.