مجتمع

العالقات بمعبر رفح: حياة زوجية معلّقة

مجتمع

غزة/ابتسام مهدي/مجلة ميم

” في كُل صبّاح يٌحادثَني زوْجي ويَتساءل عن سَبب عدمَ سفري وعن سبب إقفالْ معبر رفح ومتي سيفتح”، بهذه الكلمات بدأَت المُواطنه رشا زعرب من مدِينة رفح جنوبْ قطاع غزة سرد معاناتها في السفرَ خارج فلسطين.

فمنذْ أَكثر من عشرِ شهور تنتظرُ زعرب، الحاملة لإقامة رقم “24940” ( وهو رقمها في سجلات السفر الذي سجلت به عندما تقدمت بطلبها)، وتقول :”عُدت إلى غزةَ لأمر خاص وضروري لم أكن أعلم أن دخولي لغزة سيستغرقُ كل هذه الفترة حتى أعودْ، فزوجي الذي يعمل في احدى دولِ الخليج ينتظَرني وهوَ غير مُتفهم لوضع المعبرْ”.

في اخر فتح لمعبرِ رفح بتاريخ 27/8/2017م كان رقمها متواجدا بالسجلات في الحافلة الأولى، ولكنها تفاجأت بِحذفِ اسمها من الكُشوفاتِ وعندما راجعت أبو خضرة (المكان الذي يتم التسجيل فيه للسفر وهو بمدينة غزة وسط القطاع) تم إخبارها أن حالات طارئة اُستبدلتَ بها مع وعدها بأن تكونَ ضمن الكُشوفات في الأيامِ المقبلة.

وعن هذه الكُشوفات قالت زعرب: “الواسطة والمحسوبية في الكُشوفات تسبّبت بعدمِ سفري عند فتح المعبر في المرة الأخيرة والتي سبقتها أيضًا، فهناك تلاَعب واضح في هذه الكُشوفات، ولا أعلم متي سأجد اسمي حتي أعود لزوجي فأنا متخوفة من انتهاء الاقامة وأنا خارج البلد، وهذا سيتسبّب في عدمِ السّماح لي بالعودة لزوجي ومنها التفرقة بييننا، وستتدمّر حياتي الزّوجية”.

حياة زوجية مهددة

زعرب ليس الحالةَ الوحيدةَ في القطاع، فهناك عدد من السّيدات المعرضَات لتَدمير حياتَهن الزوجيةُ بسبب الحصار المفروضُ على قطاعِ غزة وعدمَ فتح معبر رفح البري إلا لأيام قليلةٌ وهو المعبر الواصل ما بين قطاع غزةَ ودولةَ مصر، ليطلق عليهن مسمي ” العالقات “.

لتتعدّد المآسي لهؤلاء السيدات ولتكون معاناتهنّ بعيدةً عن أذهان الكثيرينّ منّا، وبشكل خاص السياسيّين والمسؤولين عن الكشوفات التي يتم الاعلان عنها في كلِ قرار لفتح معبر رفح البري.

فالعالقات في المعبر هجرهنّ أزواجهنّ لأسباب قاهرة، ورغم محاولات البعض إخراج زوجاتهم من القطاع والوصول إليهن؛ إلا أنّ المعابر المغلقة حالت دون ذلك، لتتحوّل حياة العالقات إلى واقعٍ مريرٍ يدفع البعض منهنّ لطلب “التفريق للضرر” وبعضهن تم تبليغهنّ بطلاقهنّ من أزواجهنّ بسبب ذلك.

من بين العالقات “أميرة” (وهي سيدةٌ أربعينيةٌ) تحاول السفر مع أولادها الأربعة؛ للالتحاق بزوجها الذي سافر منذ خمس سنواتٍ إلى “النرويج”.

وتقول :” بحثاً عن حياةٍ كريمة ومستقبل أفضل ومستوى اقتصادي أكثر استقراراً، سافر زوجي.  ومنذ أكثر من ثلاث سنواتٍ وأنا أحاول اللحاق به مع أبنائي دون جدوى، وفي كل مرة اراجع المسؤولين عن الكشوفات ويخبروني أنه في الفتحة القادمة سيدرج رقمي واسمي وأن هناك حالات طارئة هي السّبب في تأخّرِ خروجي من القطاع”.

وتضيف “أميرة”  (التي تعمل ممرضةً في إحدى العيادات الحكوميّة في القطاع) :” منذ خمس سنوات وأنا أتحمل عبئا مضاعفا في رعاية الأولاد ومتابعة أمورهم الدراسية والحياتية؛ في ظلّ غياب شريك حياتي، كما أن زوجي يفكر بالزواج من أخرى في حالهِ عدم خروجي له، فهو لم يعد باستطاعته تحمل الحياة بدون زوجة وأولاد”.

ويستمر إغلاق المعابر في وجه المواطنين لفتراتٍ طويلةٍ، وتستمر معه أزمة أكثر من 150 امرأةً معلقةً في قطاع غزة وفق أحصائيّات معبر رفح البرّي، مع وجود أكثر من 30 ألف حالهُ تنتظر دورها.

حتي بعض حاملات الجواز المصري لم يتم إدراج أسمائهن في الكُشوفات، مثل المواطَنه صباح عبد الله النجار التي تعاني من  مرض غضروفِي وتتنظر عمليةً داخل مصر، ولم يشفع لها الجواز المصري ولا الإقامة السّعودية التي تحملها فزوجها المصرِي الجنسية يعمل في دولة السعودية من أن يدرج اسمها في الكُشوفات أيضا .

وتقول:” اضطْررت أن أدخلَ قطاع غزةَ بسبب مرضِ والدتَي، ومنذ شهور أحاول العودةَ، وزوجي المريض يحتاج من يشرفِ على متابعته ورعايته. كذلك أبنائي مازلوا صغار وأنا أموت في اليوم مئة مرة عندما أسمع صوت أبنائي وحاجتهم لي”.

الآثار النفسية

ومنْ جانبِها تُوضحَ الأخصائية الاجِتماعية فداء عمر الآثار النفسيّة لغيابِ ربِّ الأسرة عن العائلة على كلٍّ من الزوجة والأطفال “إنَّ بقاءَ الزوجةِ وحيدةً مع أبنائها ومواجهتها للمسؤوليات بمفردها يتسبب أحياناً في العديد من المشكلات، كما قد يؤدّي إلى ظهور بعض الأعراض السلبيّة على الأولاد نتيجة غياب الأب، ويزيد خطر الكآبة”.

وتضيف: “لا يقتصر الأمر على مجرد التعوّد على غياب الأب وإصابة الأسرة بالتوتّر؛ لكن أيضاً يُؤثر سلباً على سلوك الأبناء، ويترك المرأة لتواجه عدّة مشكلاتٍ أهمّها تدبير ميزانية الأسرة”.

وتشير عمر إلى أنّ “غياب الأب يُحدث تغييراً في الأدوار الاجتماعية بين الرجل والمرأة في مجال تقسيم العمل، حيث يتعاظم دور المرأة، وتتولى اتخاذ القرارات المهمّة للشؤون الداخلية والخارجية للأسرة لوحدها، فالكثير من المسؤوليات تنتقل للزوجة نتيجة غياب الزوج، بالإضافة إلى واجباتها التقليدية”.

بينما يؤُكد المحامي في أحد العيادات القانونية محمود الفرا :”أن هناك  بعض الحالات من النساء توجّهن إلى العيادة القانونية- وهي عيادات تعمل على خدمةِ النساء بالمجان- وطالبن بـ”التفريق للضرر” بسبب غياب الزوج لفتراتٍ تجاوزت السنة، إذ يُمكّن القانون المرأة من الحصول على الطلاق في حال عدم تواصل الزوج الغائب مع الزوجة وانقطاع أخباره”.

ويجيز فقهاء مذهب الإمام “مالك” وفقهاء مذهب الإمام “أحمد بن حنبل” للزوجة التي يهجرها زوجها طلب التفريق للضرر.

ويوضّح بشكل أكثر: “تُعاني بعض النساء من ظروفٍ اقتصاديةٍ صعبة، ويشترط لمساعدتها من قبل المؤسسات أن تُثبت أنه لا يوجد لديها مُعيل، لذلك تنعدم أمامها الخيارات فتتقدم بطلب تفريقٍ للضرر”.

وفي نفس الوقت يذكر الفرا أنه “يمكن اعتبار الحصار والانقسام سبباً أساسياً لتفكير المرأة في الانفصال بسبب عدم تمكّن الزوج من العودة أو عدم تمكّن الزوجة من اللحاق بزوجها بسبب المعابر المغلقة”، مشيرا الى أنّ “الإجراءات القانونية لإثبات الزوجة غياب زوجها والحصول على التفريق مرهقة وتستغرق وقتاً طويلا”.

وينبه الفرا الى ظاهرة تمنع الزوج خارج القطاع عن تطليق زوجته، خوفًا من دفعِ تكاليف حقوقها، فيتزوج ويترك زوجته في غزة باحثه عن فرصة للطلاق، أو التنازل عن حقوقها المادية، أو البقاء بذمته مع عدم السؤال عنها وعن احتياجاتها.

كما أن هناك فتيات أصابهن القلق من أن يفوت قطار أعمارهن فطلبن الانفصال وهن في مرحلة الخطوبة، بعد صعوبة الخروج من غزة .

مبادرةٌ للحلّ

أثارت معاناة النساء العالقات في قطاع غزة اهتمام النشطاء ومؤسسات المجتمع المدني، ومن ضمنهم الناشطة النسوية “حنان العريفي” التي أطلقت مبادرةً ذاتية لمساعدة أولئك النساء في القطاع.  فقد بدأت بجمع بياناتهنّ ومحاولة إثارة هذه المشكلة لدى الجهات المختصّة لحلِّها، وتقديم المساعدة المناسبة.

وعن المبادرة التي تحمل اسم “الزوجات العالقات” تقول العريفي “التقيت بالعديد من النساء اللواتي تجاوز عددهن الـ150 امرأةً، بالإضافة لأطفالهنّ، جميعهنّ محتجزات في القطاع بسبب إغلاق المعابر.  وانطلاقاً من شعوري بأهمية هذه القضية، بدأتُ بإعداد كشوفاتٍ تضمّ أسماء النساء ذوات العلاقة مع أسماء أطفالهنّ، وعملتُ جاهدةً على التواصل مع الجهات المعنيّة، سواء أكانت شخصياتٍ حكوميةً أو اعتباريةً -من الوجهاء أو الفصائل- لأثير المشكلة على عدّة أصعدة”.

وتذكر أنها تمكّنت من الوصول إلى الجهات المعنيّة، لكنها لم تحصل الا على وعودٍ بالتعاطي مع هذه القضية، والعمل على حلّها.  أما عن النتائج التي توصّلت لها فتضيف حنان العريفي “حتى الآن، ما تزال المشكلة قائمةً، خصوصاً مع استمرار إغلاق المعابر.  لكنني ما زلت مستمرةً بالتواصل مع الجهات المعنيّة لحلّ هذه القضية في أول فرصةٍ يتمّ فيها فتح معبر رفح البريّ”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.