مجتمعغير مصنف

أغاني الهجرة، بين الترغيب والتنفير

ثقافة: الهجرة السرية

مفاهيم الحرية و الوطن و الكرامة تتردد كثيرا في عصرنا هذا، وفي التقاطعات الموجودة بينها نجد مفهوم الهجرة و الاغتراب الذي يكتسي دائما صبغة قسرية، فلا أحد يختار أن يغادر وطنه و أهله دون سبب وجيه و الكل يحن إلى مسقط رأسه ومرتع صباه.

وتساهم أغاني الهجرة و الغربة في تنمية هذا الشعور بالحنين إلى الوطن.

في المقابل، ظهرت أغاني أخرى في هذا السياق تشجّع على الهجرة بصفة عامة و الهجرة غير الشرعية بصفة خاصة. وتتميز بالحديث عن البوس والاضطهاد الذي تصور الخلاص الوحيد منهما في الهجرة أو “الحرقة”، كما يسميها سكان المغرب العربي.

ونلاحظ تصاعد نمط هذه الأغاني في الآونة الأخيرة، خاصة مع أغاني الراب و الراي. وبالرغم من التراجيديا التي تسبطنها هذه الأغاني، توجد بعض الأغاني الأخرى التي تذكر بقيمة الوطن والانتماء اليه وترفض فكرة الهجرة السرية كمخرج من المشاكل والازمات.

في الفترة الأخيرة،  شاعت أخبار عن غرق مهاجريين غير شرعيين تونسيين، حاولوا الهروب من “جحيم الوطن ” إلى الجنة المنشودة في بلاد الغرب. و توازيا مع هذا التوجه،  بات ملحوظا إقبال الشباب على الإستماع إلى أغاني الحرقة و ترك البلد.  وكما نعلم فإن للموسيقى و الشعر تأثيرا كبيرا على نفسية الإنسان عموما، دون الحديث عن للمراهق ذي النفسية الهشة.

فيما يلي، سأتحدث عن مفهوم الغربة من وجهة نظر فنية وليست سياسية، وأقوم باستعراض بعض الأعمال الفنية التي تناولت أزمة الهجرة من البلاد العربية إلى البلاد الأوروبية وماهي الرسائل التي تقدمها للمستمع.

أغاني الغربة تشيد  بقيمة الوطن 

الجزائر 

الشاب خالد من أنجح مطربي الجزائر وأكثر المطربين العرب شهرة على المستوى العالمي. وعلى الرغم من ان خالد عاش أغلب فترات حياته في فرنسا وحقق فيها نجاحًا باهرًا على المستوى الفني، لكنه يتغنى دائماً  بالوطن وجماله والحنين اليه، ناهيك عن مشاكله وأزماته، و ينصح مستمعيه بالابتعاد عن فكرة الغربة والهجرة.

ومن أبرز هذه الأغاني، أغنيته الشهيرة التي صدرت في آخر ألبوماته بعنوان “Harraga”، وفي هذه الأغنية، يجسد خالد شخصية أب لولدين هما “رضا” و “هادي” اللذين فقدا الأمل في العيش داخل الوطن، وقررا خوض تجربة الهجرة غير الشرعية عبر الزوارق غير الآمنة.

وتحكي الأغنية عن معاناة الأب وحديثه مع ولديه الذين يردان بان الأفق مسدود في الوطن  والمستقبل مفقود، وان الموت في بطن الحوت أفضل من الموت البطيء بلا أمل.

 

واستكمالا لتجربة المطربين الجزائريين في الحديث عن مرارة الغربة، ولكن هذه المرة مع الفنان رشيد طه، وإعادة إحيائه لأغنية الفنان دحمان الحراشي “يا الرايح”، هذه الأغنية التي من خلالها استطاع رشيد أن يحقق شعبية واسعة في مختلف بلدان العالم.

وعلى الرغم من كون رشيد لا يمتلك إمكاينات صوتية كبيرة لكن إحساسه بهذه الأغنية جعلها تصل إلى كل من يستمع لها. و الأغنية تحكي عن معاناة المهاجر في ديار الغربة من التهميش والإقصاء والشوق للعودة للوطن، وفيها نصيحة للمهاجر بدعوته للعودة إلى الوطن الأم باعتبار الهجرة إلى ديار  الغربةلا تعتبر حلا صحيا ولا طبيعيا للمهاجرين العرب.

اشتهرت في العالم بأسره بعدما أعاد غناءهم فنانون عدة كاللبناني علاء الزلزلي والكثير من المغنين الأمريكيين والبرازليين، حيث حققت مبيعات عالية في البرازيل.

 

ومن يبحث في السيرة الذاتية لرشيد طه سيجده عمل في مطاعم فرنسا، أين كان مغتربًا، وعانى كثيرًا من الاضطهاد والعنصرية  ضد العرب الجزائريين، وكأن رشيد يريد أن يقول بهذه الأغنية، “لا تغادروا أوطانكم فالواقع عكس ما تتخيلون!”

 

 

 

تونس 

اصدر مغني الراب الشاب التونسي البلطي اغنيته  الجديدة “وليدي”، وهي واحدة من أغاني البلطي التي يحملها ألبومه الجديد ” حكايات “.

وتقول كلمات الاغنية :
لميمة محروقة عليك إن شاء الله ما خذاتكشي مني الموت
وصلني جوابك عندو مدة قراهولي خوك
عيني مرضت مل بكا قلبي من داخل شوك
كلي حسرة و شوق نحب نسمع صوتك
إن شاء الله يا وليدي حي نتمنى موتي تجي قبل موتك
حتى تليفون يطمني عليك
قتلك ما تحرقشي يا وليدي إن شاء الله ربي يهديك

 

الاغنية تواصل التعمق في مشاكل وهموم الشباب، لتلتصق باحلامهم و معاناتهم من خلال تناولها لموضوع “الحرقة “، لكن هذه المرة اتت لتصور لنا حرقة الام التي فقدت ولدها ولا تعرف هل هو علي قيد الحياة ام لا.

مصر

وفي ذاكرة الغناء المصري، نجد عددا من الأغاني التي تتحدث عن شعور المصري بالغربة، أشهرها أغنية “سالمة يا سلامة”.  الأغنية من كلمات بديع خيري، ولحنها درويش لمسرحية “قولوله” التي قدمتها فرقة نجيب الريحاني عام 1919. وكما يبدو من العنوان، يمكن ان نقول بأنها أغنية للعودة والرجوع الى حضن الوطن، بعد رحلة البحث عن الرزق في بلاد الله الواسعة.

تعكس الأغنية رؤية المصريين لمصر، على انها أفضل من أمريكا وأوروبا، بل أفضل من أي بلد أخر، وهذا ما يجعلها المحطة الأخيرة لرحلة المصري، فالعودة إليها أمر محتوم.

كذلك أغنية “اقرا الخبر” لفريق مسار إجباري، الأغنية التي غناها الفريق قبل قيام ثورة يناير، تتحدث الأغنية عن العجز الذي أصاب المصريين، خاصة الشباب، عجز في تحقيق أي شيء، عجز أفضى إلى الهروب، فالحل يكمن في جواز السفر، حتى ولو كان السفر من مصر يؤدي إلى غسل الصحون في الغربة.

 

أغاني تشجع على الهجرة  السرية 

“وداعًا عنّابة” من الأغاني المتداولة بشكل كبير على موقعي يوتوب و فيسبوك، إلى جانب فيديوهات لـ”حراقة” نجحوا في بلوغ الشاطئ الآخر، أو لمجموعة من “الحراقة” وهم يودّعون رفاقهم بالوطن الأم..أغنية باللهجة الجزائرية بعنوان “حكاية مهموم” تؤدّيها فرقة هاوية تسمى “هيبو” تقول فيها: “في وسط لبحر بين الأمواج والرمل غير ربّي لي عالم وين راني، جيت اليوم نحكي حكاية محكوم، كنت ناوي الخير شوفو واش صرالي” (وسط البحر بين الأمواج، لا يعلم بحالي إلا الله تعالى، جئت اليوم لأحكي قصّة مهموم، نويت الخير لكن أنظروا ما حدث لي)

تبدأ الأغنية بمطلع يذكّر بالثورة الجزائرية وبالشهداء الذين ضحوا من أجل هذه البلاد، في إشارة إلى أن المسؤولين اليوم لم يحفظوا هذه الأمانة، فكانت النتائج وخيمة على الشباب.  إذ تقول الأغنية: “بلادي ضحّى عليها الرجال، مليون ونصف المليون شهيد، حاربوا وحققوا لنا الاستقلال، واليوم نعيش في فراغ”.

الهروب لمن استطاع..أمّي ما تبكيش

وجاء في أغنية أخرى تحمل الأمل وتشجع على الحرقة في آن، لفرقة تسمّي نفسها “ليبرتا” عنوانها:”gawria mi amoré” (الأوروبية حبيبتي.. الهرب لمن استطاع):

“حبيبتي الأوربية نارها في قلبي قوية..في بلادي أنا آسف، المستقبل سيكون من خلال الأجنبية، انتظريني أنا قادم..أمضيت صغري معك (عبر النت) تذكريني..في مرسيليا أو باريس السهرة رائعة، أنسى همومي وأعمل وأبني مستقبلي، أتزوّج وأنجب أطفالًا وأعود إلى وطني الجزائر، يا والدي يا أعزاء أرضوا عني فقط، أعيش الغربة في بلد غريب، في بلدي عشت مريضا…”

ويوجه أحد الحراقة رسالة إلى أمّه في أغنية يقول فيها حزينا:

“أمي سامحيني، أنا ذاهب إلى الغربة ولا أدري إن أعود أم لا، فقط أرجو دعاءك لأصل إلى هناك، في وطني أنا ضائع منذ فتحت عيني وأنا أعيش الهم والغمّ و”الحقرة” في بلادي صبح مساء..”.

للكلمة و الأغنية جانب مهم في تكوين وعي الشباب العربي و الإحاطة النفسية بهم.  ولكن لا يغفل عنا أن من يغنون هذه الأغاني الداعية إلى الهجرة هم أيضا شباب يعيشون نفس الأوضاع الإجتماعية لا يمكن أن نطلب منهم وعيا فنيا متعاليا عن واقعهم.. وهذا لا يعني طبعا غياب الاغاني الشبابية التي تركز على قيمة الوطن و قيمته.

رحاب الخترشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.