مدوناتسياسة

المصالحة الفلسطينية.. الحقيقة والوهم

بقلم: زياد العالول

فاجأت سرعة اتفاق المصالحة الفلسطينية في القاهرة  الكثير من المتابعين، فقد طوى هذا التفاهم، الذي لا تزال فصوله غير معلومة للجميع، أكثر من عشر سنوات من الانقسام جرت بين جناحي الوطن، وأعاد ما كان منقطعا بين حركتي حماس وفتح. وقد يعزى سبب فشل كل المحاولات السابقة إلى عدم وجود إرادة دولية لهذا الاتفاق، أو ظن البعض أن اتفاق المصالحة سوف يقوي حركة حماس المطلوب إبعادها عن المشهد السياسي الفلسطيني.

 

إن اتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات أمنية واقتصادية هي من أسس لهذا الانقسام البغيض والذي تسبب في ملاحقة

زياد العالول
زياد العالول

المقاومين الفلسطينيين وتجريمهم. و انقسم الناس إلى فريقين، فريق يؤمن بالمقاومة المسلحة ويراها الطريق الوحيد للتحرير، وفريق يؤمن بالمفاوضات و الجلوس مع الاحتلال على طاولة واحدة حتى لو تسبب ذلك في إعطاء تنازلات لإرضاء الجانب الآخر.

استمرت المفاوضات أكثر من عشرين عاما تسببت في مضاعفة الاستيطان في الضفة والقدس وتعطيل الحياة الديمقراطية بعدم انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ما يزيد عن ربع قرن.

وتم تعطيل المجلس التشريعي بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2006. علاوة على ذلك، أقام الاحتلال عددا من الحواجز الأمنية والتي أدت إلى تقطيع أوصال الوطن.

على المستوى السياسي الداخلي فشلت محاولة فتح للتفرد بإدارة الضفة الغربية مثما فشلت مساعي حماس للتفرد بإدارة قطاع غزة، واندفع الطرفان مجبرين للبحث عن شراكة والاتفاق على صيغة لإدارة مؤسسات السلطة الفلسطينية.

 

لقد حاولت اسرائيل في السنوات القليلة الماضية تدمير قوة حماس العسكرية المتنامية في غزة من خلال ثلاث حروب مدمرة شنتها على القطاع، فاستهدفت كل شيء فوق اليابسة، وفرضت حصارا قاسيا برا وبحرا وجوا. وتجاوزت ذلك إلى تقليص الوقود المزود لمحطة الكهرباء، ومنعت الغذاء والدواء في كثير من الأحيان، إلا أن ذلك لم يفتر من عزيمة أهل غزة ولا من صمودهم بل على العكس، فقد أصبحت القوة العسكرية للمقاومة تمثل الهاجس الأول للاحتلال.

أن تمارس قوى الاحتلال الحرب والحصار على غزة فهذا شيء مفهوم ومتوقع فهي عدو، ولكن أن تقوم السلطة الفلسطينية ممثلة بالرئيس محمود عباس بمضاعفة آلام الشعب الفلسطيني من خلال استخدام ورقة الحصار ومن خلال فرض اجراءات عقابية ظاهرها محاولة تركيع حماس، وجوهرها إلحاق الأذى بالشرائح الشعبية الأوسع في غزة فهذا غير معقول.

 

لقد حقق اتفاق المصالحة بين حماس وفتح مصالح لمختلف الأطراف، فمصر أرادت أن تستعيد الورقة الفلسطينية كإحدى عناصر القوة والنفوذ لها وتحقق الأمن المفقود في سيناء عبر ضبط الحدود مع غزة، أما السعودية والإمارات فإن في تشجيعهما لهذا الاتفاق محاولة لتخليص حماس من حلفائها التقليديين مثل قطر وتركيا وإيران

 

إذا أضفنا إلى هذا الوضع المعيشي الكارثي في غزة، وشراسة الهجمة الاستيطانية في القدس وحول الأقصى والضفة الغربية المتزامنة مع تنامي جرائم الاحتلال وانتهاكاته بحق الفلسطينيين، وانسداد آفاق الحل السياسي إلا من بعض الجهود السياسية المظلمة.

 

إن حالة التردي التي تعيشها المنطقة العربية المنشغلة أقطارها بإدارة حروب أهلية لم تتبين مآلاتها بعد قد زادت  الوضع خطورة  وأضافت المخاوف من اتفاق سياسي يتم فرضه على الفلسطينيين كأمر واقع.

كل ما سبق يمثل التربة السياسية والأمنية والاقتصادية التي جاء فيها اتفاق المصالحة الأخير، برعاية مصرية خاصة وبترحيب إقليمي ودولي حذر، هدفه الظاهرهو إنهاء معاناة الفلسطينيين، لكن المغزى السياسي هو التوصل لمخرج سياسي يحول دون انفجار غزة.

أما  حماس، فقد أرادت من هذا الاتفاق أن تكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وأن تتخلص من عبء كلفة إدارة القطاع والحفاظ على قوتها العسكرية

لقد حقق اتفاق المصالحة بين حماس وفتح مصالح لمختلف الأطراف، فمصر أرادت أن تستعيد الورقة الفلسطينية كإحدى عناصر القوة والنفوذ لها وتحقق الأمن المفقود في سيناء عبر ضبط الحدود مع غزة، أما السعودية والإمارات فإن في تشجيعهما لهذا الاتفاق محاولة لتخليص حماس من حلفائها التقليديين مثل قطر وتركيا وإيران، في حين أن الرئيس عباس يسعى لبسط نفوذه على قطاع غزة واستعادة السيطرة عليها استعدادا للتسوية القادمة وسد الطريق على محاولات خصمه السياسي محمد دحلان الذي حاول الدخول الى الساحة الفلسطينية من بوابة غزة وعبر التقارب مع حماس وبمساعدة مصر.

أما  حماس، فقد أرادت من هذا الاتفاق أن تكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وأن تتخلص من عبء كلفة إدارة القطاع والحفاظ على قوتها العسكرية. وممثلو الأمم المتحدة والاتحاد الاوربي ساهموا في الوصول إلى هذا الاتفاق لأن أي انفجار في المنطقة سوف يؤثر على الاحتلال ويؤدي الى عدم الاستقرار.

إن إحدى أهم مقومات استمرار المصالحة الفلسطينية هي الشراكة في القرار الفلسطيني  وإدارة الصراع مع الاحتلال. وهذا يتطلب مشاركة كل أطياف الشعب الفلسطيني بما فيهم فلسطينيو الخارج والذين يمثلون اكثر من 50% من تعداد الشعب الفلسطيني، وضم حركة الجهاد وحماس إلى منظمة التحرير. وهذا لا يحدث إلا بتمثيل ديمقراطي للفلسطينين عبر الدعوة لانتخابات رئاسية و تشريعية تمثل الداخل الفلسطيني و انتخاب مجلس وطني جديد يمثل فلسطينيي الخارج. فإن حدث هذا يتم انتخاب لجنة تنفيذية حقيقية تضع رؤية مستقبيلة لإدارة الصراع مع المحتل.      

ومع أن المعلن من الاتفاق حتى الآن، هو بسط نفوذ وسيطرة حكومة الوفاق على قطاع غزة وإدارتها بالكامل تمهيدا لرفع الحصار المفروض على قطاع غزة، وإلغاء الاجراءات العقابية من طرف السلطة وحل مشكلة رواتب الموظفين ودمج موظفي حماس مع موظفي السلطة، إلا أن التحديات الماثلة أكبر من هذه الاجراءات التي تبدو شكلية مقارنة بما تبقى من القضايا، وعلى رأسها سلاح المقاومة، والبرنامج السياسي، وإعادة هيكلة منظمة التحرير والانتخابات في جميع مستوياتها.

لا شك أن دوافع الأطراف جميعا الى إنجاح جهود المصالحة تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى أكثر قربا من الواقع، ولعل هذا وحده ما يقوي من التفاؤل بنجاح هذه المحاولة، لكن من غير المقبول عقلا ولا سياسية أن يتم الترويج لأوهام تتجاهل التباينات التي تصل حد التناقض، خصوصا إذا تعلق الامر ليس بالمقاومة وأشكالها، ولكن بسؤال الاعتراف بالاحتلال كيانا شرعيا له الحق في إقامة دولته على أرض فلسطينية احتلها بالقوة.

زياد العالول

كاتب فلسطيني

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد