بيت وأسرةثقافة

هل يمكن للنساء أن يجمعن بين النجاح الأسري والمهني؟

بين العمل والأسرة.. تجارب نسائية جديدة

 

هل يمكن للنساء أن يجمعن بين النجاح الأسري والمهني؟ سؤال عادة ما يثير جدلا لا ينتهي.

كتاب “نساء على القمة: كيف تجمع المرأة بين العمل والأسرة؟” يطرح -كما يقول- رؤية جديدة تظهر أن ذلك ممكن، من خلال مقابلات شخصية مع 62 امرأة لديهن أسر ويشغلن مناصب قيادية في قطاعات مختلفة سياسية واقتصادية وأمنية وأكاديمية وغيرها، في كل من الولايات المتحدة والصين وهونج كونج، تتراوح أعمارهن بين منتصف الأربعينيات وأوائل الثمانينيات، والأغلبية في الخمسينيات والستينيات.

 

الكتاب من تأليف ديانا إف هالبيرن، وفاني إم شوينج، وقد صدرت منه طبعة مترجمة للعربية عن المركز القومي للترجمة في القاهرة عام 2010 بترجمة مصطفى محمود، وكانت طبعته الأولى الإنجليزية قد صدرت عام 2008. ويهدف إلى نقل خبرات هؤلاء النسوة القائدات حول إدارة الصراع المفترض بين متطلبات الأسرة السعيدة والتفوق المهني، والاستراتيجيات التي قمن بتبنيها لمعالجة هاتين القوتين المتنافستين (العمل والأسرة) بعيدا عن الحكمة المبتذلة التي تقول “لا أحد يستطيع أن يكسب كل شيء”. وجميع هؤلاء النسوة متزوجات وفي معظم الحالات أمهات، وفي حالات قليلة كن ملتزمات برعاية أخ أو أخت معوقين أو والدين مريضين. وقد مثلت الأسرة والأطفال أولوية لهن إلا أن ذلك لم يعق نجاحهن المهني.

 

 

“إن أسرتي تأتي في المرتبة الأولى في الأولوية. فلا بد أن يكون لدي أسرة سعيدة إلى حد معقول قبل أن أستطيع أن أخدم العامة. فالأسرة دائما هي المرفأ الامن بالنسبة لي، خصوصا حينما أواجه الكثير من الضغوط بالخارج، فأسرتي هي المكان الذي أعود إليه لأستريح بعد عناء البحر العاصف. فإذا كانت أسرتي تعاني من أية مشاكل، فلسوف أسقط أي شيء في سبيل أن أكون مع أسرتي”.

وتتيح سياسات العمل الصديقة للأسرة، التي تطبق في الدول الإسكندنافية مثلا، المزيد من المرونة والتحكم لتستطيع الأمهات العاملات تلبية المطالب الثنائية للأسرة والعمل، حيث تتضمن مثلا تقليل عدد أيام العمل أو المرونة في المواعيد، أو العمل من المنزل عبر الحاسب. ولكن بعض النساء يرين لهذه السياسات تأثيرات سلبية على المسار المهني كتقليل الدخل وفرص الترقي مستقبلا، ولذلك أصرت هؤلاء النسوة القائدات على تحقيق المعادلة الصعبة والانتصار على المعتقدات النمطية التي يمكن أن تؤثر بصورة غير واعية في سلوكنا وتصوراتنا للأدوار التي يمكن أن نؤديها، وعلى كسر الأدوار التقليدية للجنسين (الرجال يكسبون العيش والنساء يخبزنه).

“أنا أنظر إلى مهنتي وحياتي الشخصية على أنهما شيء واحد ولا أراهما منفصلين أبدا. إنها دائرة واحدة تشكل كينونتي. تقول النساء الأخريات (أنا الان سوف أعطل مهنتي من أجل أن تكون لي أسرة، وبمجرد أن أضعها على الطريق سوف أعود لمهنتي). إنني لم أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة أبدا، إنني أريد الاثنين في الوقت نفسه”

كيف تملكين وقتك؟

يتصدر الفصل الثالث المعنون “توفير الوقت واستهلاكه” مثل قديم يشير إلى أن عمل الرجل قد يستمر طويلا، لكن عمل المرأة لا ينتهي أبدا، فالشكوى من عدم كفاية الوقت متكررة حتى من جانب الأمهات غير الموظفات. ولمواجهة ذلك وظفت هؤلاء النسوة القائدات استراتيجيات خاصة على رأسها استراتيجية أساسية هي “الجدولة والتخطيط”: أن تحتفظي بجدول يشمل كل شيء تخططين لفعله، سواء كان ذلك في مذكرة يومية أو على جهاز رقمي، مع تخصيص وقت لكل مهمة، وتحديد الأولويات، والمرونة إزاء تطور الأشياء وتغيرها، مع الأخذ في الاعتبار أن ثمة حالات استثنائية أو أحداثا طارئة تجبرنا على تغيير أولوياتنا ويكون من اللازم إيقاف مؤقت للعمل كما في حالات المرض مثلا.

 

 

وإذا كان من الممكن تصوير الوقت كمساحة والأعمال كصناديق فإن ضيق المساحة يضطرنا إلى جعل بعض الصناديق أصغر واستبعاد أخرى، أي أن نقول “لا” لبعض الأنشطة والطلبات، كذلك علينا أن ننفق بعض النقود لتوفير الوقت، كالاستعانة بخادمة أو مساعدة لأداء بعض المهام المنزلية الروتينية كتجهيز الوجبات وتنظيف المنزل ورتق الملابس، وهذا بالطبع يتوقف على توفر المال، كما تختلف النظرة إليه من ثقافة لأخرى.

الحضور المؤثر

وقد عبرت بعض النسوة عن الشعور بالذنب لأنهن يقضين وقتا بعيدا عن أطفالهن، ولكنهن يحرصن على تعويضهم بتفريغ يوم كامل للأسرة في نهاية الأسبوع مثلا وإعداد الوجبة المفضلة لهم فيه وغير ذلك من أفكار مبتكرة تركز على الحضور المؤثر بدلا من الحضور الدائم.

 

 

وثمة استراتيجية أخرى معروفة باسم “الترتيب التتابعي” وفيها تركز المرأة على مهنتها في السنوات الأولى من عملها، ثم تأخذ وقت راحة أو وقتا مستقطعا من العمل لرعاية أسرتها، وحينما يصير الأولاد أكبر تعود لعملها.

وإذا كانت هذه استراتيجية مجدية لدى كثيرات فإن أخريات يرينها استراتيجية ذات تأثيرات سلبية فيما يتعلق بالأجور والترقيات مما

يؤخر مسيرتهن المهنية مقارنة بمن لم يتركن العمل.

ووجهة النظر الأخيرة هي التي يدعمها الكتاب، فاستراتيجية التتابع هذه تفترض أن هناك شريكا سوف يشاركك مكسبه من وقت عمله في مقابل الوقت الذي تنفقينه في رعاية الأطفال، وهذا غير متوفر في أحيان كثيرة، فهناك من ينتهي زواجها بالطلاق أو من تجد نفسها العائل المالي الأساسي للأسرة لأسباب أخرى كالموت المبكر أو عجز الزوج.

أما استراتيجية المهام المتعددة فتناسب الأنشطة الروتينية مثل غسل الأطباق، إذ أظهرت أبحاث علم النفس الإدراكي أنه حينما تكون المهام روتينية أو محفوظة جيدا فهي تتطلب مجهودا أقل في الانتباه والإدراك مقارنة بالمهام الصعبة، ومن ثم فهي استراتيجية تصلح لمهام دون أخرى، ومن المهم أن تعرفي متى يمكن استخدامها ومتى تركزين كل اهتمامك على مهمة واحدة.

وقد أشارت المبحوثات إلى أنهن كن يقتطعن من وقت النوم والراحة والهوايات الشخصية لينجزن العمل كله. وعلى أية حال فإن التقليل من عدد الساعات المنقضية في العمل المنزلي لا يعني التقصير، فالبيوت مهمة لكن الأعمال المنزلية ليست كذلك، ومن المهم مشاركة الزوج أو أحد أعضاء الأسرة الممتدة كالأم أو والدة الزوج، أو حتى الصديقات والجيران، أو إيجاد مساعدة منزلية أو مربية ثقة. وإذا كان عمل الزوجين يتطلب سفرا فإن التنسيق مهم بحيث يبقى أحدهما في حالة سفر الاخر.

وقد أجمعت النساء القائدات على أهمية دعم أزواجهن لهن، حيث كانوا يشاركونهن في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، ولم يتبنوا النظرة التقليدية لأدوار الرجال أو النساء، فهم لم يريدوا الارتباط بامرأة جميلة أومجيدة للأعمال المنزلية بل بحثوا عن شخص متوافق معهم فكريا. وكان هؤلاء الأزواج يدعمونهن عاطفيا ويشجعهونهن على تحقيق طموحن المهني، وهن بالمثل يدعمنهم. فأسعد زوجين هما اللذان يدعم كل طرف منهما الاخر.

حساسية الزوج

وإذا كان من المعتاد أن يفضل النساء الزواج من “إلى أعلى” أي من رجال أطول وأكبر وأفضل تعليما وأكثر كسبا منهن، والرجال
يفضلون الزواج “إلى أسفل”، فإن حساسية الزوج تعد مشكلة تواجه النساء في المناصب القيادية اللائي يكن غالبا مشهورات وفي بؤرة الاهتمام. وقد أشارت بعضهن إلى أن تقدمهن المهني كان من العوامل التي ساهمت في انهيار زواجهن الأول أو حدوث صراعات، لذلك من المهم الاختيار الصحيح منذ البداية لرجل لا يشعر بالتهديد أو الانزعاج من طموح المرأة ونجاحها، ومتفتح وناضج وواثق وهادئ ومرن ومؤيد للمساواة، لا يشعر أنه يفقد كرامته حينما تنجح زوجته بل يحتضن إنجازاتها بفخر.

 

 

وتتطلب حساسية مشاعر الزوج تجاه النجاح الاستثنائي لزوجته معالجة متأنية من قبل الزوجة، وغالبا ما يأتي الضغط من التفاعلات الاجتماعية الخارجية، لذلك أكدت النساء القائدات أنهن يحرصن على مراعاة مشاعر أزواجهن خصوصا أمام الناس، من الناحيتين السلوكية والشفهية، حتى لا يشعروا بأنهم أقل، وغالبا ما يمتدحنهم أمام الاخرين، كما يحرصن على الفصل بين شخصياتهن في العمل وفي البيت، كذلك عدم اعتبار نجاحهن يخصهن بمفردهن بل هو ثمرة جهد الأسرة كلها ودعم الزوج.

“ربما لدي وضع مادي وسياسي افضل من زوجي، لكنني أعطي كل مرتبي ومكافاتي له ليدير المنزل لأني أثق فيه بالكامل”

الأم الصالحة

ويتحدث الفصل الخامس المعنون “الأطفال الأعزاء” عن عدم التسليم للفكرة السائدة بأن الأمهات حين يعملن لا بد أن يكون لعملهن أثر سلبي على أطفالهن، وإعادة تعريف الأم الصالحة بأنها المندمجة بدرجة عالية مع أطفالها ولكن هذا لا يعني بالضرورة توافرها بصورة دائمة. ومن المهم أن تحرص الأم على توصيل الحب لأطفالها من خلال أفعالها لكن بعض الأنشطة الأقل أهمية في تنمية الأطفال يمكن إسنادها لآخرين.

ولا بد من الحرص على الوجود مع أطفالك في الأحداث الهامة والمؤثرة التي تتضمن مثلا تغطية الصغار في الفراش مساء أو تناول

الوجبة الأساسية معهم وهي فرصة لتبادل الحديث، وحضور الحفلات المدرسية أو الأنشطة الرياضية التي يشاركون فيها، أو في حالات المرض والامتحانات. كذلك قالت بعض المبحوثات إنهن يحرصن على تخصيص خطوط تليفونية لأطفالهن أو لأعضاء أسرهن للوصول إليهن في أي وقت، أو التواصل تكنولوجيّا.

وتفرغ الأمهات للمنزل له سلبيات أيضا، فالمهام المنزلية مملة وضاغطة نفسيا، وقد أشارت إحدى النساء إلى أن إرضاء طموحها الخاص من الأهمية بمكان بحيث إنها إن لم تحقق ذلك ستصبح نافدة الصبر وسيكون ذلك مدمرا لأطفالها. وقد توصلت بعض الدراسات إلى أن هناك نتائج إيجابية لعمل الأمهات على الأبناء كزيادة الإنجاز التعليمي وقلة المشاكل السلوكية.

 

 

كذلك يكون الأطفال أكثر اعتمادا على أنفسهم ويكتسبون خبرات جديدة ويفخرون بإنجازات أمهاتهم وينظرون إليهن كمثل أعلى وشخص يستطيع إسداء النصح والتوجيه.

كما أن عمل الأم يدر المزيد من المال الذي يمكن أن يوفر للأبناء فرصا أفضل. كذلك الخبرات والمهارات التي تكتسبها الأم في أحد المجالين يمكن أن تعزز المشاركة في المجال الاخر. ولا ينبغي النظر لعمل الأمهات كأمر مستحدث، فالنساء تاريخيا كن يعملن دائما، فكانت جداتنا يعتنين بالأطفال ويعملن في المزرعة يدا بيد مع الرجال، رغم قسوة الحياة آنذاك وكبر حجم الأسر وتعدد المسئوليات.

ورغم أن بعض المبحوثات ذكرن ردود فعل إيجابية من جانب أبنائهن عندما كبروا على عملهن، فإنه لم يجر استطلاع رأي موسع للأبناء حول نظرتهم لعمل أمهاتهم وكيف أثر ذلك فيهم.

ومن الأمور المهمة ما يسمى ب”الفعالية الذاتية” وهو مصطلح سيكولوجي، أي توقع أن جهودك ستؤدي إلى النجاح، فاعتقادك بأنك
سوف تنجحين هو الذي سيشحذ طاقاتك ويجعلك تداومين على العمل الجاد. أما إذا كان لديك فعالية ذاتية منخفضة ولا تعتقدين بأن مجهوداتك ستسفر عن شيء فإنك ربما تحجمين تماما عن مجرد المحاولة لتحقيق شيء سام ونبيل مثل مهنة رائعة.

تشكل تجارب هؤلاء النسوة خبرات مفيدة لغيرهن، ولا شك أن الأولويات والتفاصيل تختلف حسب ثقافة المجتمع وظروف كل امرأة، فالاستعانة بخادمة أو مربية مثلا يتطلب وضعا ماديا معينا لا يتوفر للجميع، كما أن إرسال الأطفال للحضانة في سن مبكرة أو تعيين مربيات للرضّع ستكون له اثار سلبية. وقد تحدثت بعض المبحوثات بالفعل عن تأثرهن النفسي حين وجدن أطفالهن متعلقين بالمربية أكثر، كما أن الرضاعة علاقة خاصة جدا وعميقة بين الأم وطفلها لها مردودها النفسي على الطرفين وتحتاج للتفرغ.

على أية حال، من المهم توفير سياسات عمل داعمة للأمهات وكذلك دعم أسري، وأن يكون هناك حرية اختيار لكل امرأة كي تصنع تجربتها الخاصة وتتحمل مسئوليات اختيارها لتستطيع أداء الدورين بصورة مرضية لها ولأسرتها.

الوسوم

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

مقالات ذات صلة

اترك رد