دين وحياة

هل ميز الله الذكر عن الأنثى؟

دين وحياة

الرغبة في إنجاب الذكر، هوسٌ، تُصاب به النساء في المجتمعات العربية، وأمرٌ لم تفطر المرأة عليه، بل وليد أفكارٍ اجتماعية متوارثة جيلاً بعد جيل، فبعض الأمهات والآباء، يُصيبهم من الإحباط والغيظ، كلما بُشّروا بأنثى.  وقد صوّر القرآن الكريم، هذه المشاهد المتكرّرة، في محكم تنزيله على سيد الخلق “محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم” في 25 من شهر رمضان، سنة 610 ميلادي، “وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ”. (النحل 58)

هذه التقاليد البالية، والأفكار المغلوطة السائدة، تجعلنا نتساءل، هل فضّل الله عز وجل الذكر عن الأنثى؟

ليس الذكر كالأنثى

نذرت امرأة عمران، “حنّة ابنة فاقوذ بن قتيل” عليها السلام، ما في بطنها خالصاً لله عز وجل” إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي
نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)، وكانت تظن في قرارتها، أنّها تحمل ذكراً، نظراً لما كان للذكر من قوّة وسلطة، ونفوذ بين قوم بني إسرائيل، إلاّ أنّ القدرة الإلهية تشاء أن يكون المولود أنثى، وهي المباركة “مريم”، عليها السلام.

فلما وضعت قالت، إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى، وذلك يدّل على أنّ المرأة في قوم بني إسرائيل، تُعامل بنظرة دونية فيها احتقار، ما دفع زوج عمران، إلى قولها، أنّ الذكر ليس كالأنثى، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 35-37].

وقد شاء الله تعالى، أن يكون مولود زوجة عمران، أنثى، التي اصطفاها على نساء العالمين، واستعملها بأن جعلها أم نبي الله “عيسى” عليه السلام، والاستعمال بمعنى وفقها لطاعة الله وخدمة دينه، “إذا أحبَّ الله عبداً استعمله”، قالوا: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: “يوفقه لعمل صالح قبل الموت”.

الذكر والأنثى ثنائي اجتماعي متكامل

الذكر والأنثى، الثنائي، البارز في مختلف معترك الحياة، كلاهما يحقّقان التركيبة الكاملة اجتماعياً، فالذكر نصف المجتمع بينما الأنثى هي النصف الآخر، إلاّ أنّ هذا التكامل، لا يزال يعرف تجاذبات عقيمة، من أصحاب النفوس الضعيفة، التي تأخذ بظاهر الآية الكريمة من سورة آل عمران “ليس الذكر كالأنثى”، لتميّز الذكر عن الأنثى، على جميع الأصعدة والمستويات، وتجعل الأنثى في مراتب دنيا ومتخلفة، ولا تعاملها معاملة الذكر، وفي بعض المجتمعات تُحرم من أدنى حقوقها، التي ضمنها الشرع “الإسلام” ومن بعده القوانين الانسانية.

التمايز بين الذكر والأنثى

الفصل بين الذكر والأنثى في القرآن الكريم، لم يكن بغاية تفضيل الخالق عز وجل الذكر عن الأنثى، فكلاهما عبداً لله، خلقا لغايةٍ واحدة وهي إعمار الأرض وعبادة الله، وكلاهما وُعدا بالجنة وتوعّدا بالنار وسيحاسبان سواءً يوم الحساب، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”

وإنّما فصل، لبيان الفروقات الجسدية، بين كلا الجنسين، فالذكر ليس كالأنثى من ناحية التركيبة الجسدية والفيزيولوجية والنفسية، غير أنّ التمايز قد غرسته الأحكام والعقليات البشرية، التي تفضّل عنصر الذكر على المرأة.

التميز الجسدي والنفسي

يبرزُ الفرق جلياً بين الذكر والأنثى، من الناحية الجسدية، فالمولى عز وجل قد اختصّ الرجل ببنية جسدية اقترنت بالقوة والخشونة، فيما كان للمرأة خصائص فيزيولوجية محدّدة، تختص بها وتؤهلها للزواج والحمل والولادة، علاوةً على أنّها ميالة بطبعها إلى حب الزينة والتزين.

الفرق بين الجنسين، لا يبرز فقط من الناحية الفيزيولوجية والتركيبة الهرمونية، وإنّما تتبين كذلك من الناحية النفسية، فالمرأة على العموم عاطفية نسبيا قياسا بالرجل، وهذه العاطفة ارتبطت بالحنان، الذي تفيضه على عيالها وبعلها والأقربين، ومن هم بحاجة ماسة إلى الرعاية والحنان، والكلمة الطيبة.

الفرق الجسدي والنفسي بين المرأة والرجل، ليس بغاية الانتقاص من شأن المرأة ودورها، بقدر ما هو إشارة إلى أنّ للرجل وظيفته في الحياة وللمرأة دورها الخاص بها، هاتان الوظيفتان، لو جمعنا بينهما يخلقان تكاملاً و توازياً، من أجل تحقيق الغاية السامية وهي خلافة الله في الأرض، وطاعته سبحانه وتعالى: “”إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ” (الأحزاب / 72)

خطاب إلاهي للجنسين

لم يفرّق القرآن الكريم في خطابه للإنسان، بين الرجل والمرأة، ولم يبجل الرجل ويستثنه بالذكر، ويختصه بالحكم والمواعظ، ويهمل المرأة، ولكن خطاب الإلاهي من خلال القرآن الكريم، كان عادلاً، كلاهما يخاطبان بنفس الأسلوب وذات البلاغة.

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”، (الحجرات
13)

ويقول الله تعالى في الآية 195، من سورة آل عمران “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى”.

المساواة في التشريف والتكليف لم يفرّق المولى عز وجل بين الأنثى والذكر، في تبليغ دينه الحنيف والدعوة إليه، فهما متساويان أمام الله سبحانه وتعالى في التشريف والتكليف، المرأة مكلّفة شأنها شأن الرجل بكل التكاليف الشرعية، “انَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً”. (سورة الأحزاب 35)

ساوى الله عز وجل بين الذكر والأنثى، وعدل بينهما في الخلق والأدوار الدينية والدنيوية، هذه المساواة اضمحلت بمفعول الزمن والسنين واستبدلت بتمييز عنصر الذكر عن الأنثى. لذلك يُميّز الأخ عن أخته ويغرس من موله في ذهنه أنه أفضل منها، ويُبجّل ويقدَّم، فيما تُجعل (هي) بمثابة خادمة مجانية طائعة له، والويل كل الويل، لو رفضت تنفيذ أوامره، وقد يُوكل له أمرها فتطال يديه لضربها، ساعة الغضب، أو تصبح جارية لزوج تُعيله وعياله ليلاً ونهاراً.

هذا التميز والاختلاف، كان وليد أفكار ارتبطت بالجهل المقيم في عقول جامدة، يصوّر الأنثى في وضعٍ دوني، يهمّش ويقلص من فكرها ودورها ويحصرها في وظيفة جنسية بحتة، ويتعلّل بأنهّن ناقصات عقل ودين، وأنّ النساء هن أكثر أهل جهنم والعياذ بالله، ولو كن يتفوقن عليه علماً ومعرفةً، وحرصاًً على أداء الفرائض والواجبات.

وفاء الحكيري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.