صحة وجمال

ما هي أسباب عدم نوم الطفل ليلا؟

يعتبر استيقاظ الطفل ليلا أمرا مزعجا ومثيرا للقلق بالنسبة للأولياء. وفي هذا الصدد، يعتبر موضوع النوم الصحي مهما جدا لنمو الأطفال ولصحتهم النفسية والجسدية. وفي حين يوجد بعض الأولياء الذين ينامون بهدوء حتى الصباح، يعتبر هذا الأمر حلما بالنسبة لآخرين. فلماذا أصبح موضوع أرق الأطفال من المواضيع الشائعة؟

منذ عدة سنوات ونحن نقرأ كتبا ومجلات تبرز الصورة النمطية التي تميز علاقة الآباء والأطفال بالنوم. ومؤخرا، بدأت هذه الفكرة تختفي خاصة بوجود معلومات جديدة تبين كيف ومتى يجب أن ينام الأطفال؟

 بعض الحقائق المثبتة علميا

وفقا لما ذكره أستاذ طب الأطفال في جامعة بريستول بيتر فليمينغ في أوائل القرن العشرين، تعطي الطبيعة الأطفال الحق في النوم أو الاستيقاظ ليلا. خلافا للاعتقادات الشائعة ومتطلبات المجتمع، التي تنص على أن الأطفال يجب أن يقضوا الليل مثل البالغين ولا يستيقظون حتى الصباح،

أثبتت الدراسات أن هذه المعتقدات لا تستند إلى أي دليل علمي.

وعموما، يعد النوم ظاهرة طبيعية لا يمكن تحديد وقتها بصفة دقيقة أو السيطرة عليها، خاصة بالنسبة للرضع. في هذا الشأن، يرى العلماء المختصين أن للأطفال الحق في النوم أو الاستيقاظ متى أرادوا ذلك، ويعزى ذلك إلى عدم وجود أدلة تثبت علاقة النوم بالصحة الجيدة لدى الأطفال. وفي هذا الإطار يحتاج الآباء إلى دراسة هذه المسألة بشكل جيد، وإعادة تكييف تفكيرهم تدريجيا وتغيير مواقفهم حيال مسألة نوم الرضع.

حتى البالغين يستيقظون بشكل دوري في الليل

تؤكد دارسيا نارفيز، أستاذة علم النفس في جامعة نوتردام، التي عكفت تدرس هذه الظاهرة لمدة سنوات، أنه لا يوجد شخص ينام لثماني ساعات متتالية خلال الليل. ولكن، تقتضي الطبيعة أن الدماغ البشري يتعمد عدم تخزين أي معلومات بعد النوم. وبمجرد تأمل الماضي والنظر إلى طرق عيش أسلافنا، مثل عملهم ونومهم قبل قدوم الحضارة، سنرى أن النوم يتم بطريقة عفوية ومن غير الضروري أخذ ثماني ساعات من النوم. فعلى سبيل المثال، يمكن للناس العمل بالليل والنوم بالنهار. وبالتالي، فإن كمية وكيفية ومكان النوم يعتمد على الظروف الأمنية التي يتواجد بها الشخص.

كل ما يحتاجه الأطفال هو الاتصال المباشر مع أمهاتهم

أثبتت نارفيز أنه بالمقارنة مع الثدييات الأخرى، تبدأ صغار الحيوانات المشي وتناول الطعام بشكل مستقل في سن مبكرة، بينما يحتاج الرضع البشريون، منذ فترة الولادة، الرعاية والاهتمام الكامل من جانب الأم والأب لفترة طويلة. ويعزى ذلك إلى أن دماغ الأطفال حديثي الولادة لا يكون مكتملا مما يجعل الطفل غير قادر على التصرف بوعي. والجدير بالذكر أن جميع الأمور الصادرة عن الطفل مثل الصراخ، والبكاء، وغرابة الأطوار، تحدث بالفطرة.

في الواقع، إن الأطفال الذين يخلطون بين الليل والنهار ويميلون إلى النشاط عادة ما يتمتعون بدرجة ذكاء عالية وشخصية قوية. في المقابل، أفادت بعض البحوث أن الأشخاص غير الهادئين يتميزون في مرحلة الطفولة بارتفاع معدل الذكاء في مرحلة البلوغ.

ومن جهتها، أكدت دارسيا أن الطفل الذي يحظى بمزيد من الرعاية والاهتمام من الوالدين خاصة أثناء الليل، سيتمتع في مرحلة النضج بالاستقرار النفسي. كما سيتميز أمثال هؤلاء بالتعاطف، واللطف، فضلا عن المسؤولية والانضباط. كما يتسمون بسرعة البداهة والإدراك، بالإضافة إلى عدم الاكتئاب.

اختلاف دورات النوم عند الأطفال والبالغين

تقدر دورة النوم بالنسبة للبالغين بحوالي 90 دقيقة، وتنقسم دورات النوم إلى النوم السريع والنوم العميق، وهذا يتكرر كل ساعة ونصف
تقريبا. ولكن، تختلف دورات النوم عند الأطفال، حيث يمكن أن تتجاوز دورة النوم الواحدة 60 دقيقة ولا يعد هذا أمرا مقلق.

في الحقيقة، إن صرخات الأطفال حتى تلك التي بالكاد تسمع، تتطلب ردا فوريا من جانب الآباء والأمهات. وفي هذا الإطار، بينت دراسة أجريت سنة 2011 أن السلوك الصحيح للأم والأب أثناء صرخة الطفل له تأثير مباشر على النمو العقلي والبدني للطفل. في المقابل، يعد تجاهل الأب والأم لصرخات الطفل ومحاولة تعليمه عدم البكاء عاملا من عوامل الضغط النفسي لدى الطفل.

. أثناء البكاء والهستيريا يتراكم في جسم الطفل هرمون الإجهاد أو الكورتيزول، الذي يؤثر سلبا على صحة الإنسان، وخاصة بالنسبة للأطفال. وفي هذا الصدد يجب أن تكون الأم بجوار ابنها لكي يشعر بالراحة بلمساتها.

وفي هذه الحالة، إن لم يكن بجوار الطفل أي أحد فإن الجهاز العصبي للطفل سيرسل إشارات إلى المخ بأن هناك خطرا وأن هناك معركة يتعين القيام بها. وفي هذه المرحلة، يستجيب الطفل لأوامر دماغه عن طريق الصراخ والبكاء بصوت عال. ومع صراخ الطفل ينمو الشعور بالإجهاد إلى درجة أنه في مرحلة ما يمكن أن يؤدي إلى الموت.

وعموما، عند دخول الطفل في نوبات الصراخ يمكن أن تحول لون وجهه إلى اللون الأزرق، ويعتبر ذلك أقصى درجات ردة فعل الجسم الدفاعية. تحدث هذه المرحلة على المستوى الجسدي ولكي يحمي الطفل نفسه يبدأ في جمع وحفظ طاقته الخاصة، وخفض درجة حرارة الجسم مما يؤدي إلى تحول لونه إلى الأزرق.

التحقق من وجود الأم في الليل من الأسباب التي تجعل الطفل يستيقظ ليلا

يشارك الأستاذ فليمنغ آراء نارفيز حول فرضية أن الأطفال يفضلون الاستيقاظ عندما تكون كل اهتمامات الآباء موجهة نحوهم. وعادة ما يحدث ذلك في المساء أو الليل. في المقابل، ينام الطفل بعمق ولفترات طويلة في غضون النهار. فضلا عن ذلك، تكون غرائز الطفل طبيعية عندما يشعر بالاهتمام والرعاية من طرف والديه اللذين يراهما بمثابة المعيلين والمدافعين عنه. ونتيجة لذلك يتولد لدى الطفل شعور غريزي ألا وهو حب البقاء على قيد الحياة. يمكن أن تسمى هذه العملية بالبرمجة الطبيعية التي تحدث عند المساء والليل. وبما أنه لا يمكن مجادلة قوانين الطبيعة يمكن أن يتكيف الآباء مع رغبات أطفالهم.

 وضع الطفل في غرفة منفصلة عنك عادة خاطئة

عاد الأستاذ في جامعة بريستول، بيتر فليمينغ، إلى بداية التطور حيث كان هناك علاقة لا تتجزأ بين الإنسان والطبيعة، ولفت انتباهنا إلى حقيقة نوم الأطفال في العصور القديمة في الكهوف بين آبائهم وعدم مغادرتهم لحضن أمهاتهم. وخلال ذلك، زار فليمينغ العديد من البلدان، مثل إفريقيا، حيث يعيش الناس بعيدا عن الحضارة ولهم علاقة وثيقة بالطبيعة، فرأى أنه لا زالت هناك أمهات تحملن أطفالهن على أكتافهن، بينما في ذات الوقت يمكنها أن تقوم بواجباتها وطفلها على ظهرها نائم أو بصدد الرضاعة.

وعموما يعتبر ذلك أنسب الطرق وأكثرها فعالية لنمو الطفل وتنميته. في سياق متصل، يعطي الباحث هنا دليلا آخر حول متلازمة موت الرضع الفجائي التي غالبا ما تحدث عندما يكون الطفل نائم بعيدا عن أمه.

 في جميع بلدان العالم، ينام الأطفال إلى جانب أمه في السنوات الأولى من الولادة

في الحقيقة، يجب أن يشعر الطفل دائما بوجود والديه من خلال لمساتهما، ورائحتهما، وسماع صوتيهما. لملايين السنين، كان أشبال البشرية ينامون بجوار ذويهم. وفي هذا السياق، يرى الخبراء الحداثيون أن نوم الأطفال والآباء بشكل منفصل هراء وخطأ كبير. بالطبع لا يمكن للآباء البقاء بجوار الأطفال طوال الوقت ولكن يجب محاولة قضاء أطول وقت معه عند المستطاع.

 

إن الالتزام بكل ما سبق ذكره، يزيد من درجة ذكاء الطفل واعتماده على نفسه ويساعده على التكيف بسرعة مع جميع الوضعيات التي يمكن أن تعترضه في الحياة.

قد لا تتماشى هذه الحقيقة مع معتقدات الكثير من الناس وقد تكون مخيبة للآمال بعض الشيء، إلا أن الطبيعة وضعت ذلك بطريقة تجعل هذه المخلوقات الصغيرة تريد التأكد من الحصول على الرعاية والاهتمام بشكل كامل في أي وقت من النهار أو الليل بناء على طلبهم. وفي هذا الإطار، لا بد للأمهات من التحلي بالقليل من الصبر والتفهم حيال هذه المسألة الحساسة.

وباختصار لاحظ فليمينغ أن النموذج البيولوجي للبشر القدماء، الذي اعتمد عليه والذي ربى عليه أطفاله، أكثر فسيولوجية وعطاء وفاعلية من الأساليب الحديثة المعتمدة في التربية والرعاية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المجتمعات تتغير وتتطور بسرعة على عكس المسار البيولوجي الذي لا يتغير. وبالتالي، لا يمكن لحركة التطور، أو التقدم العلمي والتقني أن تؤثر على البرنامج الذي وضعته الطبيعة.

كذلك، يجب أن نتذكر جيدا أنه لا يمكن للشخص أن يصبح سعيدا، إلا عندما يحصل منذ الطفولة على أقصى قدر من دفء الوالدين، والاهتمام، والرعاية، والحب.

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.