مجتمع

لسنا مجتمعا متجانسا: الطبقيّة في تونس

مجتمع

يستندُ مؤشر العيش الكريم إلى معايير محدّدة في تصنيف الدول كجودة التعليم العالي، والولوج إلى سوق الشغل، وظروف الخدمات الصحية والاجتماعية، وشروط العيش والرفاهية، وقدرة البلد على ضمان التوزيع العادل للثروات وتحقيق التوازن بين مختلف فئات مجتمعه، إضافة إلى دخل الفرد الشهري.

وفي سياقٍ ذي صلة، تعاني تونس من اختلال في هذه المقاييس والمؤشرات خاصة مع تزايد الفجوة بين الجهات، والطبقات الاجتماعية، بسبب الأزمة الاقتصادية وغياب منوال تنمية حقيقي.

بعد 7 سنوات من ثورة 14 يناير 2011، التي قامت أساساً على التشغيل والكرامة والحرية، لم تحقّق الإجراءات والقوانين إلى حد الآن توازناً منطقياً بين مختلف جهات البلاد وفئات المجتمع، بل تعمقت الأزمة وازدادت سوءً في ظل تدهور أغلب المؤشرات، كتراجع احتياطي النقد الأجنبي، والتضخم، وعجز الميزان التجاري.

ورغم تحسن نفقات التنمية في ميزانية الدولة للسنوات الأخيرة، إلاّ أنّ الوضع لم يتغير في المجمل، ويرجع المراقبون الأزمة الاقتصادية وتراجع مستوى العيش في تونس إلى عوامل عدّة منها، غياب استراتيجية لهيكلة المؤسسات، وخلل المنوال التنموي، الذي يحتاج إلى مراجعة جذرية لتحقيق معدلات نمو تفوق 5 في المائة على الأقل سنوياً، في حين أنّها تراوح بين 2 و3 في المائة منذ ست سنوات.

فوارق بين المدن

تعاني تونس من إشكالية حقيقية أثارت جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة، تمثّلت أساساً في ما وُصف ب ( تهميش الداخل) ويقصد به مناطق الشمال الغربي والجنوب، من خلال السياسة التنموية المختلة التي انتهجتها البلاد منذ الاستقلال وتواصلت على عقود، وبلغت ذروتها بعد الثورة.

ويرى المراقبون، أنّ اقتصار برامج الدولة التنموية على مناطق الساحل، أثّر على مستوى العيش لدى نظرائهم في المناطق الأخرى، وتسبّب في هجرات متتالية إلى العاصمة، ما أفرز بدوره اختلال جديد بين المناطق المهيأة والمجهزة معدة للسكن وأحياء عشوائية تغيب فيها ضروريات الحياة، وتنتشر فيها البيوت “القصديرية”.

وبحسب الخبراء يمكن أن تكون هذه المراكز حواضن جديدة لمظاهر الجريمة والعنف، نظراً لأنّها تحوي معدلات مرتفعة في البطالة والانقطاع المدرسي، إضافة إلى غياب المرافق الترفيهية والرياضية والثقافية.

كما ان هناك فوارق أيضاً داخل الولاية (المحافظة) ذاتها، خذ مثلا صفاقس التي تمثل الأقل فقراً في تونس، لكن مناطق الأرياف فيها تعاني من غياب التنمية، والمؤسسات الإدارية، ونقص واضح في عدد المدارس، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة.

المناطق الأشد فقراً

إلى ذلك، تصنف 10 معتمديات من ضمن 264، كأكثر المناطق فقراً منذ ما يزيد عن العشرين عاماً، حيث تصنّف معتمدية “حاسي الفريد” بولاية القصرين (الوسط الغربي) من المناطق الأشد فقرا. وتوجد هذه المعتمديات العشر في كل من محافظات القصرين (حاسي الفريد، العيون، جدليان، القصرين الجنوبية)، وسليانة (الروحية)، جندوبة (فرنانة)، بنزرت (جومين)، زغوان (الناظور) القيروان (العلا)، وسيدي بوزيد (منزل بوزيان) .

كما تشهد هذه المناطق أضعف معدلات الربط بشبكة الماء الصالح للشراب، وأقل نسبة تعليم، مع ارتفاع معدلات الأمية، والبطالة، وغياب النقل، والطرقات.

منطقة منزل بوزيان، مهد الثورة التونسية، سجّلت نسبة أمية تجاوزت 34 في المائة ونسبة بطالة بأكثر من 27 في المائة، كما لا يتمتع سوى 4.5 في المائة من سكانها بالربط بشبكات التطهير، إضافة إلى 55 في المائة من السكان محرمون من الماء الصالح للشرب.

وحسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء (مؤسسة حكومية)، فإنّ معدّل الفقر في تونس سنة 2016 بلغ 15.2 في المائة، فيما تبلغ نسبة الفقر المدقع 2.9 في المائة.

تراجع معدلات الفقر إلى هذا المستوى، بعد أن كان في حدود 26 في المائة سنة 2010، لا ينطبق على كل المناطق، ففي محافظة القيروان  بالوسط الغربي للبلاد، لا تزال نسبة الفقر في حدود 35 في المائة، كما يعيش 10 في المائة من سكان هذه المنطقة، ضمن خط الفقر المدقع، وذات الحال في القصرين (32 %)، الكاف (34.2 %)، باجة (32 %)، سليانة (27%).

خارطة البطالة

بلغ عدد العاطلين عن العمل 625 ألف عاطل مع نهاية الثلاثي الثاني من سنة 2017، وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أنّ نسبة البطالة في حدود 15 في المائة كمعدّل وطني، ويحتل إقليم الجنوب الغربي (قفصة، توزر، وقبلي) أعلى معدلات البطالة بـ 25.6 في المائة، يليه إقليم الجنوب الشرقي (قابس، تطاوين، ومدنين) بـ24.3 في المائة، فيما سجّلت “تطاوين” أعلى معدل بطالة في تونس بنسبة 32.4 في المائة.

عدد العاطلين عن العمل لا يختلف فقط من منطقة إلى أخرى في تونس، بل يختلف أيضاً حسب الجنس، إذا تبلغ نسبة الفتيات العاطلات عن العمل 22.7 في المائة في حين لا تتجاوز هذه النسبة في صفوف الذكور 12 في المائة، و يتعمّق الفارق لدى العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا، إذ تبلغ النسبة 41 في المائة لدى الإناث و 19 في المائة لدى الذكور حسب الإحصائيات الرسمية.

عدم المساواة في تقديم الخدمات

ساهمت الثورة التونسية في رفع الستار عن واقع مزر تعيشه المستشفيات في تونس خاصة في المناطق الداخلية، التي تعاني من نقص في الكوادر الطبية والشبه الطبية، إضافة إلى غياب المعدات والأجهزة.

وأوردت تقارير إعلامية في وقت سابق، صوراً لعدد من المستشفيات العمومية في المناطق الداخلية، تشكو من نقص حاد في طب الاختصاص (توليد)، الأمر الذي تسبّب في حالات وفاة سواء للأم أو للجنين.

وفي جانب آخر، فإنّ التعليم يعدّ مؤشرا ثان من مقاييس العيش الكريم بعد الصحة. وقد تتالت الدعوات في تونس بعد الثورة مطالبة بالاعتناء بالمدارس الابتدائية والثانوية خاصة في المناطق الداخلية والأرياف.

وتناقلت صفحات التواصل الاجتماعي بدورها صوراً لقاعات تدريس انهارت بفعل الأمطار، وأخرى غير مهيأة لاستقبال الأطفال، وتغيب فيها أهم مقوّمات الصحة  والنظافة، التي تسببّت في ظهور حالات إصابة بفيروس التهاب الكبد الفيروسي صنف أ ، أدّت إلى وفاة عدد من التلاميذ.

في دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، فإنّ 57 في المائة من المدارس الريفية في ولاية القيروان، أشد الولايات فقراً، غير مزودة بالماء الصالح للشراب عبر شبكة التوزيع الرسمية، وتعد الولاية 259 مدرسة ريفية، وترتفع النسبة إلى 80 بالمائة في بعض مناطق الولاية.

من جهة أخرى يتجلى التفاوت الطبقي بين الجهات التونسية، في مستوى معدل إنفاق كل فرد سنوياً، إذ تشير دراسة صادرة عن المعهد الوطني للاستهلاك، إلى أنّ معدّل الإنفاق الفردي في 9 ولايات تونسية لا يتعدى 3 ألاف دينار سنوياً، أيّ بمعدل 250 دينار شهرياً و8 دينار يومياً (قرابة 3 دولارات)، وتتمركز هذه الفئات في ولايات الشمال والوسط الغربي، وتزيد هذه النسبة عن 5 آلاف دينار لكل فرد سنوياً في 5 ولايات ساحلية، بمعدّل 420 دينار شهرياً أيّ 14 دينار يومياً.

’’ورد في الفصل 12 من دستور تونس لسنة 2014 ، تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات، استناداً إلى مؤشرات التنمية، واعتماداً على مبدأ التمييز الإيجابي، كما تعمل على الاستغلال الرشيد للثروات الوطنية’’.

يبقى تطبيق القوانين والإجراءات على أرض الواقع بعيد المنال نوعاً ما، نظراً لاقتران تفعيلها مع الإرادة السياسية وصراع الأحزاب، ولكن الأمر قائم ووارد، فالشعب الذي أطاح بالدكتاتورية، قادر على الإطاحة بالقوانين الجائرة واستبدالها بأخرى أكثر عدلاً، شريطة توجيه رسائل للحكومة التي قالت إنّها دشنّت مرحلة جديدة في تاريخ تونس قوامها محاربة الفساد، وإقامة عدالة اجتماعية، مفادها إنّا عيونٌ عليكم.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.