ثقافةرائدات

“ست الحُسن في ليلتها الأخيرة”، من فلسطين الى الشام

حوار مع الروائية الفلسطينية المبدعة سلوى البنّا بمناسبة صدور روايتها الاخيرة

كما عودتنا الروائية العربية الفلسطينية سلوى البنا التي شدت قراءها بثلة من الروايات كـ”حذاء صاحب السعادة”،” إمرأة خارج الزمن”، عشاق نجمة”، وهي روايات تحتفي بالقضية الفلسطينية وتدين الصمت العربي تجاهها، تُطل علينا اليوم برواية جديدة انتقلت فيها صاحبتها من فلسطين التي كانت لها وفية في جميع كتاباتها الى بلاد الشام ،اخر نكبات العرب وأوجاعهم، سمتها “ست الحسن في ليلتها الأخيرة”، وتقع في 240 صفحة وهي صادرة عن دار الفرابي ببيروت.

قال عنها  الناقد عبيدو باشا: “تقف سلوى عند المفارق لكي تروي تلك المشاهد غير السوية المتراقصة داخل إطار النماذج السائدة، فكل مشهد في الرواية يستدعي المشهد الآخر، وكل بلد يستدعي البلد الآخر، تروي الفلسطينية المقيمة في بيروت ما جن بالشام، وتمر عبر بطاقات التصوير الضوئي إلى اليمن، كراس الكيمياء مفتوح على البلدان العربية”..

كي نعرف المزيد عن نظرة الروائية الفلسطينية للواقع العربية والعلاقة بين النص الأدبي وهذا الواقع الذي نعيشه، ناهيك عن رؤيتها للقضية الفلسطينية التي تسكن أعمالها،ولقضايا المراة العربية، كان لمجلة ميم هذا الحوار الشيق مع سلوى البنّا

لو تحدثيننا عن اخر كتاباتك ؟


“ست الحُسْن في ليلتها الأخيرة” هي عملي الروائي الجديد الذي تمّ توقيعه مؤخرا في دار الندوة في بيروت والصادر عن دار الفارابي. واعتبره نقطة فاصلة في حياتي الأدبية، انتقلت معها من فلسطين كقضيّة محورية في رواياتي إلى بلاد الشام وأعني بها سوريا الكبرى وفِي القلب منها فلسطين.

ولعلّ الحرب التي استهدفت بلادنا، تدميرا وتجزئة وتشظ، هي التي فرضت هذه النقلة..  القضية الأساس باتت وطنا عربيا مستهدفا مهددا بالاغتيال..  فإذا ما كان وطننا بخير، فحتما فلسطين ستكون بخير.

في الحقيقة ستّ الحُسْن هي مزاوجة للواقع والخيال معا. برموز وأبطال ومسرح يُحاكي هذا الواقع بشاعرية مرهفة تلامس الخيال بجماله مرة، وتصفعنا بقسوة الواقع وبشاعته مرة اخرى. تنقلنا برشاقة من محطة الى أخرى عبر مدن وأزمان وتواريخ وأحداث ، تحاكي جمال ستّ الحُسْن .

وهي حين تقدم لنا هذه اللوحة ، بكل ألوانها لا تعتمد المباشرة، ولا الخطابة، تترك القارئ يتماهى مع الأبطال، ويتشارك معهم الحدث. هي رواية الخيال الذي ينضح بالواقع. وبفنيّة وشفافية لم ينل من جماليتها الحدث.

لست مع مفهوم “المجتمع الذكوري”  الذي استولد مئات ما يسمى بحركات التحرر النسائية والمؤسسات والهيئات التي تتناطح اليوم لرفع شعارات الخلاص والمساواة والتي باتت أغلفة وعناوين وشعارات تُخْفِي وراءها واقعا مغايرا، ربما كرّس عبوديتها بشكل آخر حين جعل منها نموذجا لإعلان تجاري للترويج لبضائع مستهلكة.

 

تعتمدين في كتاباتك على الترميز  في الوقت الذي تتحدثين فيه عن حقائق وقضية عربية واقعية؟

المباشرة تقتل النص الأدبي وتحيله إلى خطاب سياسي جافّ.

وأنا كفلسطينية ملتزمة، حريصة دائما أن تكون قضيتي حاضرة في كتاباتي. والواقع الذي نعيشه مكثّف وغنيٌّ بالحدث، رموزا وأبطالاً ومشاهدَ، ولكن يبقى كيف نقدِّم هذا الواقع بأسلوب أدبي يستدرج القارىء للحدث دون أن نمليه عليه.

الأدب صنعة خيال، وكلما كان هذا الخيال مترفا ومشبّعاً بالجمال كلما ترك أثرا أعمق وأبعد في القارئ.

 

 

كتاباتك مرتبطة بالقضية الفلسطينية ، هل تعتبر القضية الفلسطينية هي سبب أزمات العرب ؟ أم أن للعرب قضايا أخرى ساهمت في تراكم مشاكلهم؟

أعتقد أننا يجب أن نفصل هنا مابين العرب كأنظمة وبينهم كشعوب. لم تكن فلسطين يوما قضية مركزية لهذه الأنظمة بقدر ما كانت عبئاً عليها، وبالتالي كان همّها كيفية التحرر من هذا العبء لا كيفية التحرير، باستثناء حالات شذّت عن هذه القاعدة ودفعت الثمن كالرئيس الراحل الكبير جمال عبد الناصر.


من هنا، ندرك كيف انتهى بِنَا الحال إلى هذه الخريطة المفككة والمدمّرة للوطن العربي. والتي غيّبت فلسطين كقضية أساسية وهدف، وحرفت البوصلة باتجاه بَعضنا البعض لا باتجاه فلسطين كما يجب أن تكون.

باعتقادي أن المواطن العربي،لا يحتاج إلى تحليلات  وتنظيرات سياسية بقدر ما يحتاج إلى استراحة تعيد له القدرة على إعادة التموضع وتصحيح البوصلة.

المرأة العربية في مجتمعنا قادرة تماما على الوصول وهناك نماذج نسائية مشرّفة حققت إنجازات كثيرة وعلى مختلف الاصعدة بقيمتها الفكرية واستقلاليتها، لا من خلال النموذج الذي يُراد تعميمه للمرأة واختزالها به.


ماذا عن القضية الفلسطينية في الكتابات والإبداعات العربية؟ هل القضية
الفلسطينية من أولويات مبدعي العرب.


لم يعد مفهوم الالتزام بالشموليته واردا في النص الأدبي، خاصة في الرواية بعد أن أصبح نصا مفتوحا متحررا من الهيكلية أو البنية
التقليدية التي عرفناها.  

في رأيي ، الالتزام يستوجب الإيمان بقضيّة أخلاقية إنسانية وقيمة فكرية تخاطب وجدان الناس وضمائرهم، وتترجم قضاياهم، وتتحدث لغتهم.  وهذا اليوم نادر جدا، ولم يعد من أولويات المبدعين العرب، ولا حتى الفلسطينيين منهم، إلا ما ندر.


أعتقد أن هذا التراجع مرتبط إلى حدّ كبير بتعمد تغييب قيمنا ومفاهيمنا، وتكريس مفاهيم جديدة لخلق واقع مختلف وجديد. والأدب في حقيقته مرآة للواقع.، وواقعنا اليوم خريطة سوريالية برموز مبهمة ومسطحة وصادمة.

ماهو رأيك في مكانة المرأة العربية عامة والفلسطينية خاصة في المجتمع العربي الذكوري؟ والتحديات التي تواجهها؟


تستوقفني عبارة”مجتمع ذكوري” والتي توظّف أحيانا في غير مكانها الصحيح. فمجتمعنا ذكوري فعلا بالقدر الذي تسمح به المرأة،
كونها هي الأساس في تشكيل البنية الثقافية للرجل. فهي التي تحتضنه جنينا في رحمها وتمنحه نبضها ودمها وتشكّله منذ نعومة أظفاره، إلى أن يصبح كيانا مستقلا.


لست مع هذا المفهوم الذي استولد مئات ما يسمى بحركات التحرر النسائية والمؤسسات والهيئات التي تتناطح اليوم لرفع شعارات الخلاص والمساواة  والتي باتت أغلفة وعناوين وشعارات تُخْفِي وراءها واقعا مغايرا، ربما كرّس عبوديتها بشكل آخر حين  جعل منها نموذجا لإعلان تجاري  للترويج لبضائع مستهلكة.


المرأة العربية في مجتمعنا قادرة تماما على الوصول وهناك نماذج نسائية مشرّفة حققت إنجازات كثيرة وعلى مختلف الاصعدة بقيمتها الفكرية واستقلاليتها، لا من خلال النموذج الذي يُراد تعميمه للمرأة واختزالها به.


أعتقد أن المرأة الفلسطينية على قدم المساواة مع الرجل إذ وحَّدتهما فلسطين كقضية وهدف فحين يكون الوطن هو القضية المشتركة حكما تلتقي المرأة والرجل في خندق واحد وتلتغي المسافات.

المرأة الفلسطينية على قدم المساواة مع الرجل إذ وحَّدتهما فلسطين كقضية وهدف فحين يكون الوطن هو القضية المشتركة حكما تلتقي المرأة والرجل في خندق واحد وتلتغي المسافات.

حوار في الختام نشكرك على هذا الحوار الممتع، و كلمتك الأخيرة لمجلة المرأة العربية”ميم”.

وأخيرا  لا بد من التنويه والتقدير لمجلة “ميم” لحرصها على الارتقاء بالكلمة فكرا ومضامين ومن واقع الإحساس بالكلمة المسؤولة والملتزمة شكرا ميم لتصحيح البوصلة.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.