مجتمعغير مصنف

مدارس الفتيات بمصر هدف للمتحرشين

مجتمع

يرتاح المصريون  الى إرسال بناتهم إلى مدارس تعليم خاصة بالبنات، ظنا منهم أنهم بإقصاء الذكور عن حياتهن في المدرسة  يحفظنهن من التحرش و المواعدات الغرامية و القصص العاطفية، وأنه بهذه الطريقة سيتمكن من التركيز في الدراسة بطريقة أفضل دون تشويش نفسي من الجنس الآخر الذي يساهم مجرد تواجده في التأثير على نفسية الفتيات.

و لكن ينسى الأهالي أن ما يحدث أمام هذه المدارس أفظع بكثير مما يخشونه، فالتحرش في مصر يتزايد مع العودة المدرسية و يستمر على مدار السنة.

فما أن تذهب لمدرسة بنات ترى سيارات الطامعين المصففة أمامها، وعشرات المتحرشين المتسكعين حولها ممن يدركون كل العلم أنهم يقصدون أماكن أنثوية صرفة يمكن لهم التصرف فيها كما يحلو لهم.  ووصل بهم الأمر إلى حد القفز من فوق سور هذه المدارس وإحداث الشغب و ترويع الفتيات.

 

 فصل الإناث عن الذكور 

يميل  المجتمع المصري إلى  فصل الإناث عن الذكور كآلية لإتقاء ما يراه شرورا اجتماعية، لكن النتائج تبين أن هذا المقصد لم يتحقق بالضرورة.

اذ تشير  رئيسة منظمة الأم، سعاد الخفاجي، الى أن فصل الذكور عن الإناث في وقت مبكر قد يولد مفاهيم خاطئة لدى الجانبين عن الجنس الآخر، وهو ما يقود العديد منهم إلى ارتكاب أخطاء أخلاقية في حياتهم الخاصة، و في مراحل الجامعة الأولى.

و ترى البروفسورة ليز أليوت، وهي مختصة في علم الأعصاب، أن “مشكلة المدارس غير المختلطة هي خلق بيئة اصطناعية. فالعالم ليس  مكونا من جنس واحد. اننا بحاجة إلى تعلم التفاعل مع الآخرين، بحاجة الى أفراد من ثقافات اخرى ومن مختلف الأديان، والى أفراد من الجنس المقابل”.

مشاهد تدمي القلب

أسلحة بيضاء وشد للثياب ومحاولات لانتزاع الحجاب.. هذا بعض ما تعرضت له فتيات في عمر الزهور لم يعفهن زيهن المحتشم من التعرض لهذه المواقف البشعة من قبل شباب يلتصق بجدران هذه المدارس ليمارس طقوسه المريضة في استهلاك المخدرات و التحرش بالطالبات..

مشاهد من شأنها أن تثير التساؤل لم يحدث هذا أمام مدارس الفتيات بالذات و هل كان الأمر اختلف لو كانت المدرسة مختلطة ؟

تتفق معظم إجابات الطالبات أن الأمر أقل بكثير و لكنه يبقى موجودا، فمصر تعاني من أزمة التحرش بشكل كبير، ولكننها تتزايد في ظروف معينة تنقسم لنوعين : زمنية ومكانية.

الأولى تكون خلال الأعياد أو مباريات كرة القدم أو المناسبات الوطنية و السياسية فيرتفع التحرش، لاغتنام المتحرشين التجمعات البشرية الكبيرة للنفاذ اليها واستغلال الاكتظاظ لإطلاق العنان للتحرش بالموجودات..

اما الثانية المكانية فتتيحها معرفة المتحرشين بوجود تجمعات أنثوية بحتة، مثل هذه المدراس، وغياب الذكور، ولذا تثير اهتمامه وتشكل هدفا سهلا له، خاصة حين يتعلق الامر بطالبات صغيرات، لا حيلة لهن ازاء السلوك التسلطي المريض للمتحرش. هذا ما يدفع بعض الأهالي للاعتكاف امام أبواب المدارس قبل موعد خروج بناتهن لحمايتهن من المضايقات.

 

و بالرغم من تناول وسائل الإعلام المصرية لهذه الظاهرة و إثارتها كقضية رأي عام، فإن رأي الشعب المصري قد ترواح بين ترديد مقولات مبتذلة تلتمس عذرا للمترشحين، من قبيل كون عدم تزويج الشباب هو السبب في اتجاهه لهذه السلوكات المنحرفة، أو ان الامر يعود للبطالة او تعاطي المخدرات، دون الغوص في الظاهرة ومحاولة تفكيكها، في مجتمع بات يتعايش معها، ودون  طرح حلول للحد من تفشيها.

المستبطن في هذه التفسيرات هو تبرير سلوك المتحرش، والحال ان المتحرش ليس بالضرورة متعاطي مخدرات او عاطلا عن العمل، بل ان بعضهم ينتظر الفتيات في السيارات على قارعة الطريق وقد يكون متزوجا وابا لأسرة.

الاجدر هو مواجهة الثقافة التي تنظر للمرأة كموضوع لإشباع غرائز الرجل، يفرغ فيها شحنته الجنسية كيفما كان، برضاها او عنوة عنها. المراة هنا فريسة يتربص بها الرجل، كما لو كانت متاعا او مالا يخشى سلبه اذا ترك بدون حماية، مكشوفا، فإذا عنت له فرصة لاقتناصه سارع اليها. وهو ما يفسر حوادث التحرش الصادمة التي شاهدها العالم حيث يتجمع المتحرشون في مجموعات ويسعى كل منهم الى نيل ما يتاح من المراة فيحاول ورفاقه ملامستها وتمزيق ثيابها، كما يلتهم فتات الطعام، غير عابيء بهلعها وصراخها، ضاحكا متفاخرا.

نحن في الحقيقة ازاء مشكل اجتماعي اسبابه ثقافية بدرجة كبيرة: ثقافة اغتراب الجنسين عن بعضهما البعض، والتوجس بينهما، ومحاولة استغلال احدهما للاخر، يرى الذكر الأنثى موضوعا اصم يقضي به حاجته ويشبع عبره رغباته ويفرغ نزواته، لا إنسانا كاملا يفكر ويشعر ويقرر، وتحترم حدود جسده وحقوقه.

 

التحرش المدرسي في أرقام

تصدر الإدارة المركزية للأمن بوزارة التربية والتعليم المصرية تقريراً دورياً عن حالات التحرش والاغتصاب التي يتم تسجيلها خلال العام الدارسي داخل المدارس.

تقرير الإدارة الأخير أفاد بوجود 6 حالات اغتصاب، و132 حالة تحرش داخل المدارس الحكومية منذ بداية العام الدراسي الحالي.

كما تم رصد بلاغات ضد الطلاب المتحرشين لفظياً منذ انطلاق الدروس هذا العام، وعددها 21 بلاغا بمحافظة كفر الشيخ، وفي بورسعيد رصد 30 بلاغا لحلالات التحرش في نطاق مدارس الفتيات و183 قضية آداب عامة، من بين التعرض لأنثى والتحريض على الفسق.

ورغم كثرة عدد البلاغات، إلا أن مسؤولي التربية والتعليم يتنصلون من المسؤولية في حماية هؤلاء الطلاب والمعلمين، طالما وقعت الجرائم خارج أسوار المدارس.

هل من ثائر ؟

في حوراها ل”دوت مصر”، مديرة مدرسة “رقي المعارف الصناعية”،  فاطمة تبارك تحكي  قصتها في مكافحة التحرش بالطالبات خارج المدرسة، بعد أول اتصال بقسم الشرطة.

رغم وجود مدرستها في منطقة “شبرا” الشعبية، اتخذت  السيدة تبارك قراراً، باستدعاء الشرطة، دفاعاً عن طالبتها التي استغاثت لإنقاذها من محاولة اعتداء خارج سور المدرسة.

تؤكد الاستاذة تبارك أن الحادثة كانت نقطة التحول التي أوقفت الشباب الذين اعتادوا التجمع أمام المدرسة للتحرش بالطالبات عند حدهم، مؤكدة أن الشرطة استجابت لطلبها فور الاتصال، وأرسلت دورية لمدة يومين تحرس المدرسة، بل أنها ترسل كل يوم في موعد انصراف الطالبات رجل أمن يسير في محيط المدرسة.

وتتابع المديرة “تلك الخطوة أخافت الشباب لدرجة أن طالب أحد المدارس المجاورة قال لي، “كدا يا ميس تطلبيلنا البوليس؟!”، مطالبة  البنات بالجرأة في مواجهة المضايقات والتوجه بالشكوى للمدرسة والشرطة.

واستنكرت تبارك بشدة موقف وزارة التربية والتعليم المتخاذل تجاة الطالبات قائلة “طلبت حماية للطالبات من الإدارة التعليمية، ولا حياة لمن تنادي”، مستبعدة إمكانية محادثة مديري مدارس البنين المجاورين لمدارس البنات بالتصدي لطلابهم قائلة “هيخاف ويقول مش مسؤوليتي الطالب خارج المدرسة”.

في الحقيقة، تبدأ معالجة افة التحرش بالتوقف عن البحث عن مبررات لسلوك التحرش، بالحديث عن لباس الفتاة وزينتها، وما اذا كانت محجبة او منقبة او مكشوفة الرأس، وأي لون من الملابس ترتدي واي شكل، فضفاضا أم ضيقا، او التركيز على سلوكها في الفضاء العام، فالكل بات عرضة للتحرش حتى المنتقبات، بل بتنا نسمع عن حالات تحرش بأطفال و عجائز وحتى ذكور.. يبدو اننا ازاء ثقافة تسلط تؤدّي  الى محاولة البعض إثبات الذات عبر قهر الآخرين والتعرض لهم وإخضاعهم، بغية الشعور بالقيمة والانتشاء والتلذذ.

نحن أيضا ازاء ثقافة تشيية لجسد الأنثى  ينظر  اليه كموضوع فعل للذكر، موضوعا مباحا مستباحا ما دام متروكا في العراء دون أصحابه (كما لو كان الامر متعلقا باي متاع اخر، حقيبة او ساعة، الخ او مالا)..

ان الاوان ان نواجه جوهر المشكل، بدل الاستغراق في البحث عن مبررات لسلوكات تسلطية مريضة.

رحاب الخترشي 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.