مجتمعبيت وأسرة

20 عاما والGTA تتحكم في عقول ابنائنا

مجتمع

اكتسحت لعبة  ” GTA  “Grand Theft Auto الأسواق العالمية، وأسرت قلوب الشباب، وحازت اهتمام الملايين في العالم أجمع. وتعتبر هذه اللعبة من أقدم وأشهر ألعاب الفيديو منذ أن تم احداثها سنة 1997، ولم تنتظر اللعبة المعجزة الكثير من الوقت حتى انتشرت كالنار في الهشيم وملأت  شاشات الحواسيب والهواتف المحمولة، وبدأت مبيعاتها ترتفع شيئا فشيئا حتى نالت اللقب الذهبي و دخلت كتاب غينيس، وحققت أكثر المبيعات.

وفي الوقت الذي تحصد فيه الشركة الأم لهذه الألعاب الاف الدولارات وتبيع ملايين النسخ ، أطلق عدد من الأخصائيين صيحة فزع بضرورة التصدي لها ، نظرا لما تخلفه من آثار سلبية على نفسية الشباب وخاصة المراهقين.

لعبة GTA

كما أسلفنا القول، فإن لعبة Grand Theft Auto” تم احداثها سنة 1997، وتحتوي على ستة سلاسل نالت لقب أحسن ألعاب الفيديو  عبر التاريخ  منذ اطلاقها إلى غاية سنة 2013.

وقد اختارت الشركة الأم  Take-Two ثلاث مدن تدور في رحابها مغامرات جميع الاجزاء وهم  نيويورك ، ميامي ولوس انجلس وفي أوقات زمنية مختلفة..

وتصنف هذه اللعبة ضمن ألعاب العالم المفتوح ، باعتبارها تتيح لصاحبها الفرصة بأن يسافر في المدن ويكتشفها بكل حرية ودون أية قيود.

من حرية الاختيار … إلى تعلم  الإجرام

لا تقتصر  هذه اللعبة على كونها لعبة ترفيهية فقط وإنما تتيح لك الفرصة ان تختار  الموسيقى سواء من محطات الراديو الموجود في كل جزء من اللعبة أو اختيارها من “الساوند تراك” الخاص بها.

وقد فسر  “كريج كونور” المخرج الموسيقي  لشركة “روك ستار” لمدة 20 سنة كيفية اختيار الموسيقى في هذه اللعبة قائلا:” في البداية يتم تحديد ستايل لكل محطة راديو ،ثم نختار مجموعة من الاغاني كأساس لبناء بقية المحطة، دائما نحترم كل أنواع الموسيقى ونبحث في كل منها باحترام كبير جدا لذلك نتعاون مع المتخصصين في كل نوع.”

اللعبة أثارت جدلا كبيرا ، نظرا  لاحتوائها  على مشاهد عنف ، وتتناول مواضيع تشجع على نشر الجريمة ، حيث يقوم بطل اللعبة بارتكاب مختلف الأفعال للوصول إلى مبتغاه.

اجزاء من اللعبة، وخاصة الجزء الخامس، تمكن بطل اللعبة أن يقوم بجميع الممنوعات من مخدرات وسرقة واعتداءات وعلاقات جنسية وعنف، وسطو مسلح، فأحد  أهم شعاراتها هو “عليك أن تفعل ما شئت فأنت حر والأمر يجب أن تطبقه في الواقع”.

اللعبة في ظاهرها تقدم المتعة والإثارة للمراهقين والأطفال، والهدف منها هو تربيتهم على حب المغامرة والتحدي والتسلية، إلا  أن في باطنها سموم تبث في عقول الصغار وتربيهم على حب القوة مع مع تعودهم على مشاهد العنف والتسلط والسعي لتحقيق الرغبات الخاصة مهما كان الثمن وعلى حساب الغير وتأثرهم اللاواعي بها  وانتقالها الى سلوكهم شيئا فشيئا.  

لعبة في كتاب غينيس

بعد اصدار جزئها الخامس حققت شركة “روك ستار للألعاب”  نجاحات كبيرة أدخلتها كتاب غينيس من بابه الواسع ، حيث أعلنت في تقريرها المالي أن مبيعات سلسلة Grand Theft Auto” ناهزت 245 مليون نسخة مباعة حول العالم.  ولم تتخط سلسلة الأجزاء الأربعة حاجز ال200 مليون نسخة ، الا بإطلاق الجزء الخامس حيث تمكنت في أقل من 3 سنوات من بيع 80 مليون نسخة في كامل أنحاء العالم لتصبح بذلك أضخم عائدات في تاريخ  أجهزة الجيل الحالي.

 وباعت الشركة في أول يوم صدرت فيه الجزء الخامس “5 Grand Theft Auto”  حوالي 11 مليون نسخة في الـ 24 ساعة الأولى ، في حين قُدرت الأرباح في أول يوم لها ب 800 مليون دولار .

وتركز البيع على نسخ الأقراص التي وصلت إلى 75 بالمائة من المبيعات الكلية في حين بلغت نسبة مبيعات النسخة الرقمية GTA OnLine بنحو 25 بالمائة  ، وقد أدرت هذه اللعبة آلاف المليارات على أصحابها الذين لازالوا يدعمونها الى حد الان.

اللعب بالنار … مخاطر الGTA

من يسمع بهذه اللعبة يظن أنها عادية كمثيلاتها التي اعتاد الأطفال والمراهقون والشباب اللعب بها على شاشات الحواسيب أو الهواتف المحمولة ، إلا أن المتمعن في هذه اللعبة التي تطورت بشكل كبير وانتشرت بشكل سريع خلال 20 سنة يدرك مدى خطورتها.

في الجزء الخامس  تأخذ اللعبة منعرجا مثيرا للقلق اكثر مما سبقها.  تقول أهم الشخصيات الرئيسة في الجزء الأخير ” هذا ليس الا  بعضا من المرح”  وهي عبارة يرددها في ملهى ليلي أين توجد المخدرات والسرقة والعنف والعلاقات الجنسية، فكل المحظورات مباحة ومتاحة دون قيود ولا موانع.

من السموم التي تبثها اللعبة هي إقناع الأطفال  أن المرضى والمعقدين والمهزومين هم فقط من يعتبرون كل أفعال ال GTA محظورة  وغير أخلاقية ، فالمدمن على هذه اللعبة مسموح له أن يصبح بطلا من أبطال اللعبة حيث يخالط النساء ويستبدلهن في أي وقت شاء.  يفرض  رأيه بالقوة، بلا قيد ولا شرط ولا حد ولا اعتبار لقانون او قواعد تعامل واخلاقيات. يفعل ما يشاء وفق ما تمليه عليه غرائزه ورغباته.

طبعا نعلم تركيبة الاطفال، وخاصة المراهقين الذين يبدون في سن يقبلون كل ما يردُ عليهم من أفكار، دون غربلتها ومعرفة الصواب من الخطأ، فأدمغتهم كالإسفنجة تمتص  كل ما يرد عليها. 

كما أن فترة المراهقة تُعتبر فترة حساسة للإنسان  تبرز فيها اهم معالم شخصيته، ويسعى خلالها لإثبات ذاته وحضوره في محيطه، وتصاحبه تقلبات هرمونية وانفعالات نفسية. كل هذه الاعتبارات تُشعرنا بالقلق من تأثير الادمان على الألعاب من نوع GTA على تفكيره ونظرته لنفسه ولمن حوله وانعكاساتها بعيدة المدى على سلوكياته وأخلاقه.

الكثير من الأولياء يعتقدون أن أبناءهم ماداموا جالسين وراء حواسيبهم في المنزل، بمنأى عن كل المخاطر والعادات السلبية المنتشرة في الشوارع، في حين تُعتبر هذه الوسائل المتقدمة من ألعاب ومواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت أشد وطأ، بقدرتها الفائقة على جلب اهتمام الناشئة وخلب ألبابهم وشد انتباههم لساعات متواصلة.

هكذا  يستغرقون فيها حتى تغيب الفواصل بين الواقع المعيش والافتراضي على الشاشة ويبتلعون قيمه المحورية  وأخلاقياته، في مرحلة تأسيسية من حياة الطفل والشاب، يفترض فيه ان يتعلم خلالها حدود المسموح وغير المسموح، ومعاني الخير والشر، ويربى على مفاهيم احترام الآخرين، ومساعدة الغير والانتباه لحاجياتهم والتعاون معهم من اجل المصلحة العامة، وعدم الركون الى النفس ورغباتها ونزواتها، وهي اللبنات التي تنبني عليها الشخصية السوية والمجتمع الصالح. 

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد