دين وحياةغير مصنف

للاّ بهية الفيلالي الفقيه المغربية الجليلة

عالمات وداعيات

“يامنة القطبي”، أو للاّ بهية بنت الهاشمي الفيلالي، كما تعرف في بلاد المغرب الأقصى، هي عالمة وفقيهة وحافظة للقراءات ومسندة مغربية،  كرست حياتها التي تجاوزت القرن من الزمن، في حفظ وخدمة كتاب الله.

كانت اول مغربية تحصل على شهادة الأهلية من جامعة الزيتونة العريقة، لتعود بعدها إلى المغرب وتنطلق رحلتها في النشاط النسوي لمحاربة مخلفات الاستعمار الغاشم والجهل ونقل العلم وتدريس وشرح ما حفظته في الجامع الكبير بمكناس.

رحلة عمر تفوق مائة عام، للعالمة المغربية، لم تكرم خلالها إلا في أواخر سنوات عمرها، حين فقدت حاسة البصر والقدرة على التبليغ.

اليوم تواصل ميم البحث في الفقيهات العربيات اللاتي لم يكتب عنهن التاريخ حرفا ولم يذكرن، رغم أنهن كن رائدات التعليم النسوي في العالم العربي و المغاربي.

نشأتها

نشأت السيدة بهية الفيلالية في مدينة مكناس  المغربية، أين ولدت سنة 1326هـ، الموافق للعاشر من شهر أغسطس 1908 ميلادي. كانت من رائدات حفظ كتاب الله في سن مبكر، رغم أنها لم تنحدر من عائلة علمية.

الفتاة الوحيدة في الجامع الكبير

التحقت السيدة بهية بالجامع الكبير بمكناس، لنهل العلم وحفظ كتاب الله. وكانت الوحيدة بين مجموعة الطلبة الذكور، باعتبار أن التعليم الديني في المغرب الأقصى كان حكرا على عنصر الذكور.

وقد أتمت التلميذة الفيلالية، حفظ القرآن الكريم في سن ال 14، واجتازت امتحان تلاوة القرآن الكريم على يد القاضي محمد بن أحمد الإسماعيلي العلوي، الذي عرف في بداية القرن التاسع عشر بالخطابة والوعظ والقضاء في مدينة مكناسة الزيتون المغربية.

درست بمعهد التعليم الأهلي بمكناس، أين حصدت شهادة الأهلية الابتدائية، ثم التحقت بجامعة القرويين بمدينة فاس حتى سنة 1948.

الاجتهاد في طلب العلم

رغم صغر سنها، فقد استطاعت بهية الفيلالية، أن تنهل من العلوم العربية والشرعية وتتميز في ذلك وهي لم تتجاوز بعد ال16. حيث درست علوم النحو أو الآجرومية وتلقت القراءات السبع. كما أخذت الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم ودرست الفقه في رسالة ابن زيد القيرواني ، على يد نخبة من العلماء المغربيين، أمثال الشيخ محمد السوسي والشيخ بن عيسى الخلطي وأحمد بن الصديق.

حج بيت الله في سن ال 18

كانت بهية الفيلالية، متشبثة بدين الله وعاشقة له وقد راودتها الرغبة في الحج وزيارة بيت الله حين بلغت من العمر الـ 18 عام. ولم تكن الطرق المؤدية إلى الحج في تلك الفترة من الزمن، متيسرة كما هو الحال اليوم، بل كانت تعرف بـ وعورة المسالك التي تشقها القوافل البرية للحج، إضافة إلى صعوبته ومشقته. كل ذلك لم يمنع الشابة المسلمة وطالبة العلم المتفقهة للخروج لأداء فريضة الركن الخامس للإسلام.

الرحلة إلى جامع الزيتونة

سنة 1955 ميلادي، 1374 هجري، شدت الطالبة المغربية الرحال نحو البلاد التونسية، لتواصل نهل العلم والتفقه في مجال العلوم

العلامة محمد الطاهر بن عاشور

الشرعية وأصول القرآن الكريم، في جامع الزيتونة، ضمن بعثة طلابية، كانت المرأة الوحيدة ضمنها.  

عرف جامع الزيتونة، في القرن التاسع عشر بأنه اول منبر ديني، يفتح أبوابه لتدريس المرأة وتخرجت منه العديد من الطالبات والفقيهات التي كن رائدات التعليم النسوي في العالم العربي.

على خطى هؤلاء النسوة، سارت الطالبة المغربية، لتتلمذ وتطلب العلم و تدرس علوم البلاغة والتفسير وعلوم الحديث وتاريخ الاسلام، على يد نخبة من العلماء الزيتونيين مثل العلامة الطاهر بن عاشور والفاضل بن عاشور والطاهر بن خوجة، اضافة الى العلامة محمد جعيط.

أول امرأة مغربية تحصل على الشهادة العالمية

قضت الطالبة المغربية مدة 5 سنوات في نهل العلوم الشرعية والفقهية والعربية في رحاب جامعة الزيتونة التونسية، أين تحصلت على الشهادة العالمية من جامعة الزيتونة. وتصبح بذلك أول امرأة مغربية تحصل على الشهادة العالمية.

بعد نيلها لشهادة العالمية عادت العالمة المغربية إلى بلاد المغرب الأقصى لتواصل رسالتها في حفظ أصول الدين الاسلامي.

الانخراط في الحركة الوطنية النسائية

بعد عودتها الى موطنها، انخرطت السيدة بهية الفيلالي في الحركة الوطنية النسائية المغربية، وقد اتسمت آنذاك بالبراعة في الخطابة
والحديث وعمدت إلى مواجهة الآثار التي تركها المستعمر الفرنسي على المرأة المغربية.

تدريس العلوم الشرعية بالمغرب

الى جانب نشاطها النسوي، سعت العالمة المغربية الى نقل الفقه والعلوم الشرعية الى الطلبة المغاربة، حيث درّست لسنين طويلة  بمدرسة ورش والمعهد الديني والمسجد الكبير. كما أحيت مجالس سرد البخاري في شهر رجب وشعبان ورمضان، التي انتشرت ودرجت آنذاك في مدينة مكناس وفي الجامع الكبير.

فضلا على أنها اشتهرت بحفظها عن ظهر قلب للموطأ وصحيح البخاري ورواية الحديث بلفظه كما عرفت بحفظها للقرآن الكريم  والجزرية وعلم النحو ومتن ابن عاشر و السلم وألفية ابن مالك.

عالمة ومسندة ومربية أجيال رغم أنها “كفيفة

 

قضت العالمة المغربية، حياتها في حفظ  كتاب الله وفي نقل ماتعلمته ودرسته من علوم شرعية وأحاديث الى نساء المغرب ورجالها الذين كانوا يتلقون العلم على يديها في الجامع الكبير، كما أجازت الشيخ المغربي الشيخ يحيى الغوثاني في الموطأ وغيره من الشيوخ من بلاد المشرق والمغرب.

تربت على يديها وتفقهت أجيال من طالبة العلم والمعرفة، وكرمت في عديد المناسبات في سنوات عمرها الأخيرة، حيث ظهرت بصورة المرأة الكفيفة، غير أنه لم يذكر هل أنها ولدت فاقدة للبصر أم أنها فقدته بمر السنين خاصة أنها قد بلغت من العمر عتيا.

وفاة العالمة المغربية عن سن يناهز 108 عام

في الـ24 من شهر مايو 2016، توفيت العالمة والفقيهة المغربية، بهية الفيلالي، عن عمر يناهز 108 عام، قضتها في طلب العلم والمعرفة
وتدريس أصول الفقه والحديث والشرح.

توفيت دون أن تترك ولو مجلدا واحدا يحفظ لها ما حفظته وتلقته على يد شيوخ و علماء مغاربة. عالمة ومسندة لم يفقدها المغرب فحسب بل العالم الاسلامي ككل. 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.