الرئيسيثقافةغير مصنف

كليوباترا: ملكة الإغواء والفتك

مثّل الطابع الرومنسي الجمالي الشائع الذي صُوّر عن شخصية كليوباترا،
حقلاً بحثياً للعلماء الذين حاولوا الكشف عن غموض يعتري حياة أسطورة
فرعونية لم يعرف التاريخ مثلها على الإطلاق.

لُقبت بملكة النيل العظيمة وأسطورة جميع العصور، يُحيل اسمها على القوّة
والجمال والسلطة، وهي الأشهرُ بين الملكات في سلالتها والأذكى في سياستها
والأقدر على الحكم، فكانت السابعة ترتيباً والآخرة حكماً.

عُرفت بجمالها الفتان إلى جانب شخصيتها القوية ودهائها، فأغوت أقوى

الملوك على غرار عظيم الروم “يوليوس قيصر” و”ماركوس أنطونيوس”، لها
جاذبية جعلتها تتربع على العرش حوالي 20 سنة فكانت إحدى أشهر الحكام في
التاريخ القديم.

وُلدت عام 69 قبل الميلاد وكانت الابنة البكر لسلالة من فراعنة مصر
النافذين، دُعيت ست ملكات قبلها باسم “كليوبترا” من سلالة البطالمة نسبة
لمؤسسها بطليموس الأول، الذي تولى الحكم بعد موت الإسكندر الأكبر (أمير
الحرب المقدوني) في 323 قبل الميلاد وضمّها إلى روما في 30 قبل الميلاد
حيث كانت مصر مصدرها الرئيسي للقمح.

وكليوبترا السابعة هي ابنة الملك بطليموس الثاني عشر “أوليتيس” الذي
نابته في سن ال14 وتوّلت الحكم بعد وفاته في سن ال18 مع شقيقها بطليموس
الثالث عشر الذي تكبره بعشرة أعوام، حيث أطلقت على نفسها لقب “ايزيس
الجديدة” نسبة للآلهة (ايزيس).

وقد تزوجت من أخيها وفق التقليد الفرعوني “للحفاظ على الدم الإلاهي “داخل
العائلة المالكة ولكن سرعان ما تدهورت العلاقة بينهما.

اشتهرت عائلتها بالقتل من أجل الحكم، حيث قامت أختها بقتل أمها وزوجها
خلال تمردها من أجل العرش، فقام والدها بالاستعانة بالرومان وحكم عليها
بالإعدام.

كان بقاء كليوباترا في الحكم وفق ما شهدته عائلتها محفوفاً بالمخاطر فقد
حرّض مستشارو أخيها على الخلاف بينهما، ممّا أدى إلى طردها فهربت الى
المنفى محاولة العودة إلى مصر عن طريق قيصر الروم الذي ثبتها ملكة على
العرش فيما بعد.

فكيف أغوت الرجل الأعظم للروم يوليوس قيصر؟

المرأة الأغنى التي أسرت الدكتاتور الأعظم

“حتى ولو كانت أجمل امرأة على الإطلاق لا بد من وجود أكثر من الانجذاب الجسدي”

ذكر المؤرخون، أنها عمدت إلى الظهور فجأة أمام قيصر وكانت ملفوفة في
سجاد، وحُملت في قارب إلى قصر الإسكندرية وصولاً إلى غرفته فاستطاعت
التوّسل إليه لمساعدتها في تحقيق غايتها باستعادة الحكم ووصف بأنه
“اللقاء الذي عرضت فيه كليوباترا نفسها” فأسرته بمفاتنها وقدرتها على
الاقناع، باعتبارها الأفضل حكماً من شقيقها فساعدها قيصر على التغلب على
بطليموس الثالث عشر الذي أغرق في المعركة.

وقام العلماء باختبار ذلك باستخدام عارضة أزياء وضعوها في سجاد في محاولة
لإعادة إحياء الأحداث بنفس التفاصيل القديمة، وأدركوا أنّ الرواية ليست
بتلك الرومانسية الموصوفة بل هي أشبه بالمغامرة التي كادت تودي بحياتها، فالعارضة لم تتحمّل أكثر من 20 دقيقة وسط السجاد في درجة حرارة بلغت أشدها وكادت تخنقها.

فكانت المحاولة أشبه بالفرصة الوحيدة لكليوباترا التي يجب أن تجذب فيها
قيصر، فإمّا الجنس حينها أو الموت، وقد نجحت في استمالته كما أكدت “غيل غيبسون” خبيرة الحضارة المصرية مستخدمة في ذلك ايحاءات جنسية عالية الدقة لتأسر قلبه.

يُشهد لها أنّها كانت ذكية جداً، تتكلم اليونانية كما تعلّمت اللغة
المصرية لتكون الوحيدة في أسرتها التي قامت بذلك، وأتقنت لغات أخرى
أيضاً، عُرفت بأنّها عالمة وفيلسوفة قادرة على المناقشة والاقناع، كما
كانت بارعة في الكيمياء والرياضيات، ولقبت بالمرأة الأغنى في العالم
القديم التي أسرت الديكتاتور الأعظم.

تعتمد على الحساب في امتهان السياسة، وكانت دقيقة وصاحبة دم بارد، صنفتها
المصادر الرومانية كباغية شرقية وملكة فاجرة، استخدمت الجنس والسلطة
لتحقيق مطالبها فكان يوليوس قيصر بمثابة آلية للوصول إلى السلطة وحليفاً
مهماً.

رافقته إلى روما ووضعها في قصر كما بنى لها تمثالاً في المدينة التي لا
يحبذ أغلب سكانها كليوباترا، معتبرين أنّ “الشر يأتي من الإسكندرية” وبعد
سنة أنجبت له طفلاً وهو بطليموس الخامس عشر (قيصرون) لتحقّق بذلك
انتصاراً لم تحقّقه سابقاتها، فقيصر الروم في سريرها ووريثه في حضنها
بالرغم من كونه لم يعترف به رسمياً.

ولم يكن بذلك جمالها الأخاذ التي تناولته الأساطير، سبباً في وقوعه في
حبها بقدر حنكتها ودهائها.

 

كليوباترا: الوجه البشع

عكس ما روّجت له الأعمال السينمائية في هوليود والرسومات الفنية
والمسلسلات الدرامية عن جمال كليوباترا الأسطوري، فقد كشفت عملات معدنية
من الفضة من فترة حكمها منقوش عليه وجهها، أنّها أقرب للبشاعة منه إلى
الجمال فقد كانت ذات شعر مجعد وذقن مدبب وأنف طويل وشفتين رفيعتين، حتى
أنّها شبهت برئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة “جوالدا مائير”.

كما ذكرت صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية استناداً الى تماثيل موجودة في
أحد المعارض البريطانية سنة 2001، أنّ كليوباترا بدينة وقصيرة وأنّ
جمالها المزعوم “أسطورة لا تستند إلى شيء” على حدّ عبارة المسؤولة عن
المعرض آنذاك.

ورد رئيس دائرة آثار الجيزة على ذلك، قائلا: ” نعم لم تكن خارقة الجمال
لكنها كانت جميلة وجذابة.”

ويتفق العلماء أنّ فكرها الجذاب وشخصيتها وقدرتها على التحدث بلغات
عديدة، عكس سحرها ومع ذلك كانت تهتم بنفسها اذ أنفقت على جمالها 50 في
المائة من عائدات الإنتاج الذي تحقّقه مصر وقتها، حتى أنّها تستحم في حوض
من الحليب للحفاظ على نظارة بشرتها.

 

إغواء أنطوني من قبل فاتنة الشرق الشريرة

بعد اغتيال قيصر أصبح الخطر يهدّد مكانها على عرش مصر، وانقسمت روما بين
“أكتافيوس” وهو ابن القيصر بالتبني في الغرب و”ماركوس أنطونيوس” أحد أهم
القادة والمحاربين في الشرق والذي أراد السيطرة على الإمبراطورية
الرومانية، وللحفاظ على علاقتها مع روما أقدمت على إغواء أنطونيوس أو
“مارك أنطوني”.

أوّل لقاء بينهما كان في سفينة مغطاة بالذهب مجاذيفها من فضة، ورائحة
العطور التي تنبعث منها تغطي الأجواء، وكأنها “آلهة الحب” ويُحكى أنّها
أنفقت أموالاً طائلة على المآدب التي أقامتها على ظهر سفينتها، حتى أنّها
أذابت أحد أقراطها وكان من اللآلئ الأكبر حجماً في كأس من النبيذ… ووفق
التجارب العلمية تمّ تأكيد أنّها استعملت لؤلؤة مزيفة لتسحر ضحيتها، فلا
يمكن أن تنصهر في شكلها الحقيقي، حيلة استطاعت من خلالها الإيقاع بأنطوني
في شراكها والتأثير عليه.

وتمكنا سوياً من صد “أكتافيوس” والتحكم في منطقة الشرق فأطلق على
علاقتهما الممزوجة بين السلطة والجنس لقب “علاقة الشهوة للنفوذ”

منع أنطونيوس على الرومان الزواج بغير رومانية، فظهر إشكال ارتباطه بملكة
النيل، وشبه بالعبد الذي وقع في شرك الملكة الشريرة واحتدم الصراع بينه
وبين أكتافيوس، الذي تحوّل إلى حرب خسرها أنطونيوس وكليوباترا، وانتهت
بانتحاره أولاً ثم لحقت به ليسدل الستار على حياة الأسطورة فرعونية بشكل
مأساوي.

 

كليوبترا والوجه المظلم في حياتها

تعدّ كليوباترا خارجة عن المألوف ومختلفة، لها جانب مظلم في حياتها تجسّد
من خلاله الوجه المخيف والغامض للتاريخ السياسي المصري القديم.

وصفت بكونها “الوحش الفتاك” الذي تربع على عرش الحكم على ظهر أخوتها، بعد
أن سمّمت أخاها وطلبت من أنطونيو قتل أختها الأصغر منها في المعبد،
وغيرها من الجرائم التي اقترفتها بدم بارد حتى أنّ نهايتها منتحرة بلدغة
أفعى سامة، يكشف طابعها المخيف رغم التشكيك في طريقة موتها.

يبقى للمرأة مهما كانت درجة جمالها سحر خاص يتمثّل في ذكاءها وقدرتها على
التلاعب بأعظم الرجال، مهما علا صيتهم واشتدت قوتهم، فكانت كليوباترا
المثال الأبرز على ذلك لتحقّق شهرة ملأت الافاق وامتدت لقرون بعيدة.

 

عايشة الغربي

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.