الرئيسيثقافة

المرأة ناقة أم ظبي؟!

صورة المرأة في الشعر الجاهلي

هي تارة ناقة ضخمة و طورا بقرة  أو ظبي هارب تلك هي الصورة المهيمنة للمرأة في الشعر الجاهلي ولا سيما في المعلقات السبع، صورة يطغى عليها الطابع الإستهلاكي للمرأة و التركيز على  الجانب الأنثوي فيها فقط، ولانعني بهذا أن الجانب الأنثوي للمرأة هو جانب لا يجب التطرق إليه أو مدعاة للعار.

ولكن هذا الإسراف في تصوير الجوانب الحسية و الجسدية لدى المرأة العربية من قبل الشعراء و التغني بالفحولة و النظر إليها كوسيلة متعة لا كإنسان، يجعلنا نتساءل عن وضعية المرأة في تلك المجتمعات، فالفن والشعر بلا شك يعكسان ولو وجها من وجوه الثقافة التي ينبع منها وما يحمسنا أكثر للبحث في صورة المرأة في الشعر الجاهلي هو صورتها المتذبذبة في الشعر الحديث التي تتراوح بين الدعوة إلى الثورة و الحرية و الخنوع إلى السلطة الأبوية.

و لن يسعنا المجال في هذا البحث لاستعراض كل الصور  التي وقع تداولها عن المرأة، ولكننا سنحاول تقفي أهم ما عرف عنها، انطلاقا من الشعر الجاهلي في هذا المقال، لنمر في مقالات لاحقة لصورتها في شعر فجر الإسلام وصولا  الى الشعر الحديث.

الشعر الجاهلي

 

عندما نقول أنثى في الشعر فإننا في الأغلب نتحدث عنها في غرض الغزل، فالمرأة الحبيبة هي الأكثر حضورا في الشعر  الجاهلي، و نادرا ما نجد صدى لصورة المرأة الأم أو الفارسة و الأخت. ومن هذه النقطة تحديدا يبدو اهتمام الشعراء الجاهليين بالمرأة هو اهتمام بالجنس الآخر أي الآخر النوعي و ما يمكن أن يقدمه لهم.

صبّ الشعراء الجاهليون في تصوير المرأة جلّ اهتمامهم على جمالية التكوين الهندسي الخارجي لجسدها وتجسيد انفعالاتهم الجمالية بمكوناته الحسية، وكأن الجمال الجسدي في أشعارهم «ينحصر في الجمع المنسجم بين الأجزاء التي تمكن الإحاطة بها بنظرة واحدة».

و كان التركيز على الوصف الجسدي للمرأة مستلهما من البيئة و الطبيعة و كذلك متأتيا من وضعية الرجل القوية و المهمة في مجتمعه، ولعل أبرز الصور التي تتحدث عن المرأة الجسد  هي الآتية :

المرأة كسولة البدينة

سيكون غريبا جدا لو تغنى شاعر في عصرنا الحالي بامرأة قائلا :

غَـرَّاءُ فَـرْعَـاءُ مَـصـْقُـولٌ عَـوَارِضُـهَا     
تَمشِي الهُوَينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ
كَـأَنَّ مِـشْـيَــتَـهَا مِـنْ بَـيْـتِ جَــارَتِـــهَـا
مَـرُّ الـسَّـحَـابَـةِ ،لاَ رَيْـثٌ وَلاَ عَــجَــلُ

و قبل التعليق على هذه الأبيات، يجب الإشارة الى أن  الشعر الجاهلي يعرف  بأنه شعر وصفي حسي، اهتم بوصف المكان ومظاهر البيئة وكل ما يتراءى أمام الشاعر وما يعايشه من أحداث.

ومن الأماكن التي تعتبر مولدات شعورية لدى الشاعر الجاهلي ديار الحبيبة.  كما اهتم بدربها الذي تسلكه لتصل إلى مورد الماء لسقيا أغنامها وجِمالها، موقع السمر مع صويحباتها، وحتى مكان مبيتها داخل دارها.

و الأعشى هنا يرى في بدانة حبيبته و مشيتها المتراخية جمالية مطلقة، جسدها هو جوهر الشعر الغزلي. وهو في هذا لم يخرج عما كان سائدا عند شعراء الجاهلية الذين كانوا يَرَوْن الجمال حسيا أساسا، يقوم على عظم الأرداف واكتناز الجسم والطول الفارع.

ولعل من أهم أسباب هذا الاهتمام المبالغ بالجسد و التدقيق في وصف ثناياه هو ندرة لقاء الشاعر بحبيبته و التعرف على أبعادها الشخصية المتعددة التي تحصر نظرته لها في البعد الجسدي المباشر.

 

المرأة الممتعة التي  تشبه الظبي

 

لعل امرَأَ القيس  هو سيّد الشّعراء في وصف جمال المرأة، والتّفنّن في نعْت مَفاتنها وتفصيل ذلك في معلّقته.

ونجد ذلك متجسّداً بقوّة في الجزء المخصَّص لوصف جمال المرأة بما هي كائن أنثويّ فيقول:

وجِيدٍ كجيدِ الرِّئْمِ ليسَ بفاحشٍ

إذا هي نصَّتْهُ، ولا بِمُعَطَّـــلِ

وفرْعٍ يزينُ المتْنَ أسودَ فاحِـمٍ

أتيثٍ كَقِنْوِ النّخلةِ الْمُتَعَثْكِــلِ 

غدائرُهُ مسْتَشْزِراتٌ إلى العُلا

تَضِلُّ العِقَاصُ في مُثنّىً ومُرْسَـلِ 

 

و يواصل في بقية القصيدة

وساقٍ كأُنْبوبِ السَّقِيِّ المذلَّـلِ

وتُضحِي فَتِيتُ الْمِسْكِ فوقَ فِراشِها

نَؤُومُ الضُّحَى لمْ تَنْتَطِقْ عنْ تفَضُّـلِ

وتَعْطُو بِرَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنّه

أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أو مَسَاوِيكُ إِسْحِلِ

و يلاحظ الناقد عبد الملك مرتاض أن هذه المرأة كانت ذات كشحٍ نحيف، وساقين مملوءتين. وهي صفات جسدية تجعل من هذه المرأة مجرد أنثى للاستمتاع. و يبدو أن هذا  هذا الوصف يولَع به شعراء القصائد العشر، حتى كأنّهم قلّدوا امرَأَ القيس. أمّا جِيد هذه المرأة فكان يشبه في طوله  ورقّته جِيدَ الظّبية البيضاء، وهي الرّئْم، كما كان هذا الجيد مثقَلاً بالْحُليّ. وسنلاحظ أن عنترة هو أيضاً يشبّه حبيبته بالغزال.

تبدو بعض النعوت التي نُسِجتْ وصْفاً لجمال المرأة الحِسّيّ رقيقة ورفيعة الذوق. ولو تابعنا كلّ ما قاله امرؤ القيس في جسم المرأة ونظرته إليها من حيث هي أنثى لطال الحديث، ولكان ذلك سيكون على حساب الشعراء الآخرين.  فقد بالغ في وصفه جسدَ المرأة حتى كأنه لا يوجد في الحياة شيء غيرها عنده. ويدل ذلك على أن المرأة استطاعت أن تملأ عليه وجوده بالفعل.

المرأة الضخمة مثل الناقة

يقول عمور ابن كلثوم عن المرأة

ذِراعَيْ عَيطَلٍ، أدْمَاءَ، بِكْـرٍ

تربّعتِ الأجارِعَ والْمُتونـا

وثَدْياً مثلَ حُقِّ العاج رَخْصاً

حَصَاناً من أَكُفِّ اللاّمِسينا

ومتني لدنةٍ سَمَقتْ وطالتْ

روادِفُها تنُوءُ بْمَا ولِينــا

ومأْكَمَةً يضيق البابُ عنهـا

وكشْحاً قد جُنِنْتُ به جُنونا

وساريتيْ بِلَنْطٍ أو رخــامٍ

يَرِنُّ خشاشُ حَلْيِهِما رَنِينـا

إنّ المرأة التي يتحدث عنها عَمْرو بن كلثوم ضخمة كالناقة، وسامقة كالنخلة، ساقاها كالساريتين، إذا أرادت أن تدخل من باب لم تستطع…

ولقارئ أن يلاحظ الفرْق البعيد، من الناحية الذوقية، بين وصف امرئ القيس للساقين: “رَيّا الْمُخَلْخَل”، ووصف ابن كلثوم: “وساريتَيْ بِلَنْطٍ أو رُخام”. لكنهما يجمتعان في شئ واحد  هو الوصف الخارجي و ليس الداخلي النفسي.

وحسب الأستاذ عبد الملك مرتاض، أغلب الذي عرَضوا لوصف جمال المرأة الجسديّ، ممن ذكرناهم من شعراء المعلقات، يشبّهون المرأة بالحيوان: بالناقة، في الغِلَظ والضخامة، وببقر الوحش في كبر العيون (امرؤ القيس)، وبالغزال في طول العنق.

ويبرّر سلوكَ هؤلاء الشعراء انتماؤُهم إلى مجتمع بدويٍّ لم يستطع الخلاص من تأثير المحيط الحيواني القاسي، فالناقة هي التي كان الشاعر يسافر عليها، ويأكل من لحمها، ويلبس من وبرها، فكانت تسيطر على خياله الشعري الذي لم يتجاوز بالمرأة صورة ناقته.

كذلك الأمر حين يتصل بالغزال الذي كان يصطاده في البراري والقفار، أو يشاهده وهو يثِب ويركض في طريق أسفاره، فكان يُعجبه عنقُه وعيناه، فيستلهم منه صورة المرأة الجميلة ويشببها به. أقصى درجات الجمال الأنثوي عند الشاعر الجاهلي إذن هو أن تكون المرأةُ في في مستوى الحيوان!

ليس من العدل ذم الشعر الجاهلي كله 

إلا أن الناقدة منى عبد الفتاح ترى أنه ليس من العدل أخذ الشعر الجاهلي كله بمذمة بسبب أن جزءا منه تعرض لجسد المرأة، ببساطة لأن ذاك النوع من الشعر هو ابن بيئته، فلم يكن مطلوبا منه في ذلك الوقت أكثر مما جاء به.

إنما الخطأ الفادح هو أخذ شعر ذلك الزمان وإسقاطه على صورة النساء في زماننا المعاصر. فالشعر الجاهلي كنص عكس الواقع الذي عاشه الشاعر في زمانه، من خلال استعانته بأدواته الشعرية، وكانت المرأة من ضمن تلك الأدوات، لذا لم ينجح من ذلك النوع إلا ما نبع من وجدان الشاعر، معبرا عن تصديه لما هو غير واقعي من التصورات.

وبالرغم من اعترافنا بحقيقة أن الخيال في الشعر يخدم هذا الواقع في كثير من الأحيان، إلا أنه ليس لدرجة أن نسترجع نماذج من خزانة الشعر الجاهلي ونعالجها شعرا أو نثرا لتصبح صالحة لزمننا المعاصر.

فلم يخل الشعر الجاهلي من استحسان أدب المرأة وعفافها، ولم يقتصر هذا الاستحسان على الشعراء من القبائل العريقة، إنما حتى الشعراء «الصعاليك»، وهم الذين كانوا يغزون ويسلبون القبائل الغنية ليوزعوا غنائمهم على المنبوذين والفقراء مثل الشنفرى الذي أعجبه حسن أدب المرأة وقال فيها:«

لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها إذا ذكرت ولا بذات تلفت

كأن لها في الأرض نسيا تقصه على أمها وإن تكلمك تبلت

المرأة في الشعر الجاهلي  موضوع جمال يتم وصفها دون مشاركة و دون مراعاة لنفسيتها و ماتطلبه ككائن إنساني، فهل اختلف الأمر في شعر فجر الإسلام و الشعر الحديث ؟

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.