مدوناترأي التحرير

المرأة الريفية: بين جور الواقع واستغلال الساسة

رأي التحرير

لم تمر بضع سويعات على احتفال تونس مع سائر دول العالم باليوم العالمي للمرأة الريفية، حتى صعقنا بفاجعة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة من نوعها، تتمثل في نقل عاملات فلاحيات إلى المستشفى الجهوي بولاية القيروان التونسية إثر مجاوزة ممنوعة بين شاحنتين كانتا تقلانهن. وقد نتجت عنها إصابات متفاوتة الخطورة في صفوف العاملات.

الخامس عشر من أكتوبر، هو يوم تم إقراره سنة 1995 إثر المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في العاصمة الصينية بيكين من قبل منظمات

هزار الفرشيشي

غير حكومية للاحتفاء بالمرأة الريفية. ولربما كانت هذه المرأة آخر من يعلم بهذا العيد، فعيد العاملات الريفيات يتمثل في بضع دنانير يجود عليهن بها مؤجرهن نهاية يوم شاق.  فالمرأة الريفية تقوم بأشغال أكثر مشقة من تلك التي يقوم بها الرجال، في ظروف لا تراعي طبيعتها الأنثوية ولا تحترم إنسانيتها، حيث يقودها ضنك العيش إلى القناعة بالقليل في أسوأ الظروف.

أشارت دراسة لرابطة حقوق الإنسان أن 64 بالمائة من النساء الريفيات العاملات لا يتمتعن بالتغطية الاجتماعية ويعملن دون عقود، إضافة إلى عدم المساواة بينهن وبين الرجال في الأجور وفي عدد ساعات العمل. علما أن مجلة الشغل التونسية تمنع أي شكل من أشكال التمييز بين الجنسين على مستوى الأجور، على غرار اتفاقية المساواة في الأجور بتاريخ 29 جوان 1951، التي صادقت عيلها تونس دون احتراز بموجب القانون عدد 21 لسنة 1968 المؤرخ في 2 جويلية 1968، وقد دخلت حيز التنفيذ يوم 23 ماي 1953.

يمنح المشرع التونسي الأم العاملة خلال فترة الحمل وعند الولادة وبعدها حقوقا حمائية تمكنها من العناية بأطفالها، سواء كانت تعمل بالقطاع الخاص أو العام، علاوة على إقرار مجلس نواب الشعب التونسي مؤخرا لقانون مكافحة العنف ضد النساء الذي شمل الأوجه المتعددة للعنف الذي يطال المرأة سواء كان جسديا أو سياسيا أو اقتصاديا إلخ …

 

لا كرامة لوطن في غياب كرامة نسائه، ولا حقوق لمرأة تغيب عنها المرأة الريفية.

 

وإن بدت المنظومة القانونية التي تؤطر عمل المرأة في تونس متكاملة بصفة عامة من كل الأوجه، إلا أنها تفتقر إلى رؤية النور على مستوى التطبيق. فالتشريعات لا تشق طريقها نحو الفعل في ظل غياب حاضنة اجتماعية تتبناها وتحترمها. حتى وإن وجد الوعي الاجتماعي بضرورة احترام هذه القوانين وإيلائها أهمية، فإن الفقر والخصاصة يكسران كل قانون أو عرف تحت سطوة رؤوس الأموال ويجبران المرأة على الخضوع للإذلال في سبيل إعالة أسرتها ومجابهة قسوة الحياة.

ومن المفارقات أن رئيس الدولة قد دعا منذ شهرين في عيد المرأة إلى المساواة في الميراث بين النساء والرجال متناسيا أن هناك نسوة يعشن يوميا تحت وطأة العنف الاقتصادي ولا بواكي لهن، إذ أنهن لا يملكن ما يرثنه ولا يتساوين مع الرجال حتى في ما يكسبنه من كد جبينهن، وهو من بكى خلال حملته الانتخابية على مواطنة لم تأكل اللحم منذ أشهر.

ولا عجب أن العاملات الريفيات لا يحظين باهتمام رئيس الجمهورية والطبقة السياسية باختلاف مشاربها، فالمرأة الريفية لا تعد رصيدا انتخابيا يعول عليه، نظرا لضعف نسب إقبالها على الانتخابات، فضلا عن أن نسبة مرتفعة من النساء في الأرياف لا يملكن وثائق تثبت هوياتهن أو انتماءهن إلى الوطن من الأساس، ولا يتم ذكرهن أو التفطن إلى وجودهن إلا في ظل “المحافل الحقوقية”، كتعبير جلي عن الميز الاجتماعي الذي تمارسه الطبقات والنخب السياسية ضد هذه الفئة المجتمعية المنسية.

وإذ تشكل المرأة نحو 60 بالمائة من اليد العاملة في القطاع الفلاحي في تونس، بحسب إحصائيات رسمية، وهي بذلك تعتبر أبرز المسؤولين عن أمننا الغذائي، فإنها الأقل حظا في التنمية والتعليم والرعاية. فتتجاوز نسبة الأمية لدى الريفيات 30 في المائة، وتفوق نسبة المنقطعات عن التعليم في سن مبكرة 65 في المائة حسب إحصائيات رسمية، ووفق المعهد الوطني للإحصاء، فإن المرأة تساهم في تونس بنسبة 68 بالمائة من الدخل القومي الخام، وتؤمن إنتاج الخضر والغلال بنسبة 90 بالمائة.

وحسب ما أفادت به منظمة اليونسكو، فإن العائلات التي تعيش في المناطق الريفية، وخاصة تلك التي تقودها نساء، تعد أكثر فقراً وخصاصة من تلك التي تعيش في المناطق الحضرية، ونحو 60 في المائة من النساء الريفيات يواجهن الجوع وسوء التغذية، إضافة إلى أن 80 في المائة من الإناث لا يحصلن على فرص التعليم كقريناتهن.

لإن كانت المرأة التونسية مضرب الأمثال في الريادة والتمتع بتشريعات تحفظ كرامتها وتبوئها مكانة راقية على مستوى عربي، فإن الواقع يعكس لنا صورة قاتمة مغيبة في الإعلام وفي “التناول النخبوي” للقضايا النسوية. فلا كرامة لوطن في غياب كرامة نسائه، ولا حقوق لمرأة تغيب عنها المرأة الريفية.

هزار الفرشيشي

عن هيئة التحرير

الوسوم

هزار الفرشيشي

عضو فريق ميم التحريري وناشطة حقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق