سياسة

المساواة في الإرث بالمغرب: جدل لا يهدأ

تقارير

مجلة ميم- المغرب–  مريم تايدي

قضية المساواة في الإرث من القضايا “الشائكة” المطروحة على النقاش العام في المغرب، وهي بمثابة دعوة مفتوحة للجدال يعاد طرحها في كل مناسبة، ويخفت الحديث حولها ويطفو دون أن يحسم لصالح طرح دون أخر، ويرسو في الغالب على ضرورة تعميق النقاش والبحث عن الإنصاف دون مصادمة النص والدستور الداعي لعدم التمييز على أساس الجنس، والحاجة الى مراجعة منظومة الإرث ككل في ارتباطها بالمعيش اليومي والبحث عن حلول موازية.

فهل يجد نقاش المساواة في الإرث بالمغرب طريقا مشتركا نحو اجتهاد فقهي؟ وهل يمكن اعتبار نقاش المساواة في الإرث بمثابة “بارومتر” لقياس مدى محافظة المجتمع؟

هل المجتمع المغربي بجميع مكوناته اليوم قادر على نقاش مسؤول، يكون هدفه رفع الحيف عن النساء، بعيدا عن الانحياز الإيديولوجي؟

مجلة ميم تقدم لقرائها رأي فاعلات نسائية في الساحة المغربية، من خلال حديث مع كل من السيدة فوزية عسولية وهي رئيسة المؤسسة الأورمتوسطية للنساء والرئيسة الشرفية لفيدرالية رابطة حقوق النساء. والسيدة عزيزة البقالي رئيسة منتدى الزهراء للمرأة المغربية (ائتلاف نسائي).

فوزية العسولي: ضرورة تنزيل النصوص على متغيرات الواقع

جددت فوزية العسولي الرئيسة الشرفية لفيدرالية رابطة حقوق النساء بالمغرب دعوتها بضرورة مراجعة منظومة الإرث بما يستجيب لمقصد العدل وعدم التمييز.

وأكدت فوزية عسولي ،في تصريح لمجلة ميم، أن الفدرالية منذ 2008 توصلت الى العديد من الشكايات من أسر فيها بنات فقط ، وسجلت حالات مثيرة للاهتمام، منها حالات شاركت الفتيات فيها في بناء ثروة الأسرة، وانتهت بمأساة نتيجة إشكالية التعصيب.

العالم يجب ألا ينحاز عن مقاصد الرسالة بحيث تبقى تستجيب لجميع الأوقات وتمتد تاريخيا، وأن يجد الناس فيها العدل، وألا يصبح العالم مضرا بالإنسان وبالدين في حالة جموده.

فوزية العسولي

وترى العسولي أن الإرث لما جاء في وقته كان منصفا، وكانت العائلة الممتدة والقبيلة والعشيرة، وكانت النساء يتكلف بهن من طرف الرجال من الأب والأخ والعم . وتعتبر العسولي أن ما تحكم في الإرث هي العلاقات الممتدة، التي لم تبن على التمييز بالضرورة، موضحة أن أشكال الإرث التي تصل إلى حوالي خمس وثلاثين شكل، فيها حالات أين ترث المرأة أكثر من الرجل وتعصب عليه في حالات أخرى.

وأضافت العسولي في السياق ذاته أن المنظومة ككل كانت تستجيب للعائلة الممتدة التي لها ممتلكات عينية (أراضي ومواشي ..) على أساس استمرار الممتلكات في العائلة نفسها وبالتالي درجة القرابة الدموية محددة في النصيب.

وتدفع فوزية العسولي بكون80 بالمائة من الأسر اليوم تتزوج خارج العائلة، وأصبحت العائلة نووية ثروتها تتكون من طرف المرأة والرجل وحتى من عمل الأبناء.

و تقول العسولي ان نسبة عالية من الفتيات يشتغلن لمساعدة الأسرة ولإعالتها، وواحدة من كل ست أسر تعيلها امرأة ، وتضيف أن حوالي 7 بالمائة من هؤلاء غير متزوجات ولا أحد يتكلف بهن، مشيرة أن الأخ الذي يعتبر الأقرب لا يتكفل اليوم بأخته.

وتشدد العسولي أن هناك نوعا من الظلم والإجحاف، وأن المقصد من الرسالة هو العدل وبالتالي الطريقة التي توزع بها المواريث يجب أن تراجع في شموليتها.

واعتبرت العسولي أن النقاش يجب ان يهم كل المتخصصين على اعتبار تطور البنيات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

وقالت الفاعلة النسائية “مع الأسف هناك البعض يرهب ويمنع الفكر والنقاش”.

وطالبت العلماء بالاجتهاد واستنكرت عليهم عدم تحركهم  لمواكبة مشاكل المجتمع، معتبرة أن العالم يجب أن يكون ملما بالقضايا الراهنة ويضعها في الاعتبار حين يتعامل مع النصوص التشريعية.

وأضافت أن العالم يجب ألا يحيد عن مقاصد الرسالة بحيث تبقى تستجيب لجميع الأوقات وتمتد تاريخيا، وأن يجد الناس فيها العدل، وإلا يصبح العالم مضرا بالإنسان وبالدين في حالة جموده.

عزيزة البقالي: المشكلة ليست في منظومة الارث

من جانبها ترى عزيزة البقالي رئيسة منتدى الزهراء للمرأة المغربية (ائتلاف نسائي)، أنه حين يتعلق الأمر بنقاش تدبير الأموال تثار قضية الإرث، معتبرة أن هذا النقاش مغلوط. وتسال محدثتنا “هل منظومة الإرث هي التي تساهم في كون النساء لا تأخذن حقوقهن فيما أنتجن من ثروة؟” آم أن هناك أمور أخرى تتم في الحياة العادية في حياة الأسر والمجتمع تجعل المرأة لا تأخذ حقها؟

ودفعت البقالي بكون قضية المساواة في الإرث تصعب مناقشتها معزولة، معتبرة أنها جزء من منظومة متكاملة، فيها مجموعة من المسؤوليات والواجبات والتبعات، فيها نوع من التقسيم متكافئ في مجموعه وليس في بعض الأنصبة.

وتضيف انه غالبا ما ينصب النقاش على مناصفة عددية واقتسام ميكانيكي في حالات معينة دون غيرها.

وتقرّ البقالي بوجود تحوّلات في المجتمع و إشكالات في تدبير العلاقات، لكن تؤكد على ضرورة طرح الأمور في سياقها والحذر من التسرع والحديث عن جزء منها فقط.

وتركز الفاعلة النسائية على عدم افتراض أن الإرث يظلم المرأة منذ البداية، وعلى ضرورة فهم كيف يتم التوزيع، و الأوجه التي تم فيها التحول بعد ذلك الاجتهاد يكون لشيء ضاغط وملح.

وتشدد البقالي على انه “لا يجب الدفع بكون “الإرث يسبب إفقار المرأة” هذه خلاصة غير علمية”.

و بخصوص موضوع المساهمة الاقتصادية للمرأة وموضوع التمكين الاقتصادي ترى الفاعلة النسائية أن الحديث على مساهمة المرأة في الثروة سواء بالبيت أو الثروة الوطنية، يحتاج إلى نقاشات كبيرة لتوضيح هذا الدور وإعطائه القيمة اللائقة به، عبر تثمين عمل المرأة بالبيت، و احتسابها في الكتلة النشيطة، والاعتراف بالمجهودات التي تقوم بها داخل الأسرة وضرورة انعكاسها على وضعها بعد الطلاق أو موت الزوج.

وقالت البقالي ان منتدى الزهراء سجل أن أغلب الحالات التي تطرح إشكالات على مستوى ما يقع في الإرث ناتجة عن عدم تدبير الأموال أثناء الزواج بشكل منصف، لا يراعي مساهمة المرأة في الثروة وأن غياب تدبير عادل يؤدي إلى ضياع الحقوق.

هل منظومة الإرث هي التي تساهم في كون النساء لا تأخذن حقوقهن فيما أنتجن من ثروة؟” آم أن هناك أمور أخرى تتم في الحياة العادية في حياة الأسر والمجتمع تجعل المرأة لا تأخذ حقها؟

عزيزة البقالي 

ضرورة إصلاح قانون الاسرة

وكانت فدرالية رابطة حقوق النساء قد أطلقت بمناسبة اليوم الوطني للمرأة، حملة وطنية من أجل إصلاح قانون الأسرة ومواءمته مع مقتضيات دستور2011.

وكان من بين ما أوردته الفدرالية النسائية مطلب “مراجعة نظام الميراث بما يفتح الباب أمام الاجتهاد الخلاق وينسجم مع روح الدستور ومقتضياته و خاصة حضر التمييز على أساس الجنس أو الدين في احترام تام لمبدأ المساواة بين النساء والرجال و المساواة بين الأطفال واحترام حرية العقيدة، مع اعتبار بيت الزوجية حسب الأحوال المعيشية للعائلة حقا للأبناء والزوجة أو الزوج وحذفه من قائمة الموروث”.

وكان رفض المغرب لعدة توصيات تهم حقوق المرأة والحرية الفردية لدى المغاربة، خلال تقديم نتائج الاستعراض الدوري الشامل للعام الحالي في دورة مجلس حقوق الإنسان الـ 36 بجنيف السويسرية، قد أثار النقاش مجددا بالرغم من تسجيل إيجابية التزام المملكة بمواصلة جهودها من أجل حماية حقوق الإنسان.

و انتقدت جمعية “عدالة”، التي تضم أكثر من 170 جمعية وشبكة وطنية ومحلية الموقف الرسمي للمملكة، خاصة إزالة الاستثناءات ضمن الإجراءات الضرورية للرقي بمدونة الأسرة وإصلاحها، منها “زواج الأطفال دون بلوغ سن 18 سنة”، و”المساواة في الإرث”، و”إلغاء تجريم الأمهات العازبات والاعتراف القانوني التام بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج”..

وبرر مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان موقف المملكة “من منطلق وجود ثوابت جامعة نص عليها الدستور”، مشيرا إلى أنه رغم الانتقادات التي وجهت إلى المغرب بخصوص رفضه لتلك التوصيات، فإن المجتمع المغربي “لم يحسم بعد في هذه القضايا التي تهم النظام الأخلاقي”.

يشار أن نتائج ”البحث الوطني لرؤية تدابير التنمية المستدامة لسنة 2016″، الذي أصدرته المندوبية السامية للتخطيط (رسمية ) أفادت أن أكثر 41 بالمائة من السكان لا يوافقون على المساواة بين الرجل والمرأة وان 87 بالمائة منهم لا يوافقون على اقتسام تركة الإرث بالتساوي بشكل مطلق مع المرأة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد