مجتمع

الزواج بالفاتحة في المغرب.. الزنا المشروع

مجتمع

 مجلة ميم- المغرب- سعيد غيدَّى

 

-“أريدك زوجة صالحة فيما يرضي الله، زوجيني نفسك على الفاتحة المباركة”.

– “زوّجتك نفسي. لنقرأ الفاتحة ونوثّق زواجنا أمام الله”.

– “أنا قبلت ببركة الفاتحة”.

بهذه السذاجة والبساطة، والاستعمال الخطير للدين، يتم الزواج بالفاتحة، واستهتار بالميثاق الغليظ، الذي جاء به الدين الإسلامي، كعقد يوثق الزواج بين طرفين متراضيين.

في المغرب قبل أسابيع ظهرت “حنان” على كل شبكات التواصل الإجتماعي، وهي شابة تنحدر من منطقة بعيدة عن مدن المركز، بالضبط من مداشر “سبت كْزولة”، تفضح شيخاً سلفياً، مشهوراً عند المغاربة، ومعروف بتعدد الزوجات، اسمه محمد الفيزازي، خطيب في أحد مساجد طنجة، صلى خلفه ملك البلاد في لقاءات سابقة، قالت حنان، وهي تنشر صورها على السوشيال ميديا، إن الشيخ تزوجها بالفاتحة فقط، مستغلا فقرها، وأميتها، ومستعملا الدين والقرآن، مستعرضا صوره مع الملك و”انجازاته”، وفحولته، للتغرير بها، ولاقناعها بممارسة الخلوة “الشرعية” معها، والدخول بها في صالون بيت أهلها، بعد أن تناول حبة “الفياغرا” حسب ما قاله والد حنان، في إحدى الإذاعات المغربية.

سبب خروج حنان للإعلام والصحافة، هو تخلي الشيخ عنها، ومعاملته الحاطة للكرامة لها، وسوء تعامله، بعد أن كان يقضي وطره معها، في إحدى الغرف التي يخصّصها لذلك داخل بناية جمعية أسسها بمدينة طنجة.

اثار هذا الملف موجة من الانتقادات ومن الغضب والاستهجان، وأعيد طرح ظاهرة “الزواج بالفاتحة” من جديد، بين حقوقيين وإعلاميين ومهتمين ورجال قانون.

مجلة “ميم” طرحت الموضوع على الشارع المغربي، من أجل تبيان مواقف العديد من الشباب والشابات، من ظاهرة “الزواج بالفاتحة”.

الزواج بالفاتحة زواج بهيمي

إسراء كرا، من مواليد 18 تشرين الثاني/ يناير 1995 تشتغل منسقة بإحدى الشركات قالت لمجلة “ميم”: “أعتقد أن الزواج بالفاتحة هو زواج بهيمي؛ لا يحترم معايير الدين من توثيق وشهود وإشهار للعلاقة. فهو يلقي بالمرأة في براثن متاهة قد تترتب عنها عواقب وخيمة. ولأننا – شئنا أم أبينا- نعيش في مجتمع ذكوري، المرأة هي الملامة في نهاية الأمر، وتبقى الأصابع تشير إليها بالسوء.”

العقد هو الوثيقة الوحيدة التي تثبث الزواج

تقول طالبة الهندسة حسناء أيت الحسن (21 سنة) ردا على سؤالنا حول رأيها في موضوع الزواج بالفاتحة: “الزواج بالفاتحة، يبدوان هذين المصطلحين غير متناغمين وغير قابلين أن يوضع أحدهما بمحاذاة الآخر، لأن الزواج يحتاج أداة واحدة لتثبت مشروعيته بشكل قانوني، بغض النظر إن كانت تسمية العقد صحيحة أم لا، تلك الوثيقة الموقعة من الطرفين هي الوحيدة التي تثبث الزواج.. أيا كانت مرجعية الزوجين، أقصد هنا إسلامية أو غيرها.. الفاتحة لا تشرع الزواج، لكنها تشرع النكاح وأظن أن بين المفهومين هوة عميقة، والذين يلجؤون إليها غالبا ما يكون دافعهم الرئيسي، عدم استيفائهم للشروط القانونية، مثلا الفتاة لم تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها، أو أن الرجل متزوج سلفا، ولم ترض أن تمنحه زوجته الأولى الموافقة على التعدد، حينها فقط تصبح الفاتحة هي الحل الذي يفتح لهم باب غرفة النوم ويقيهم شر حراس العقيدة الذين سيتهمونهم بالزنى.

أعجز عن فهم هذه المسميات التي تسلب الزواج فحواه وتضرب عرض الحائط كل الأحاسيس الإنسانية التي تبنى عليها العلاقة الزوجية.. الجنس هو العمود الفقري لأي علاقة بين اثنين، حين يكون التراضي طبعا قائما بين الطرفين، لا يهم حينها هل قرأ الاثنين الفاتحة قبل ذلك أو وقعا عقدا.. وأظن أنه لا توجد امرأة تستطيع أن تؤمِّن رجلا على نفسها، وهي لا تثق فيه وتضع مع توقيعها ذاك احتمالية وقوفها ضده يوما ما داخل المحكمة.. يبدو الأمر صعبا جدا، أن أدلي برأيي تحت لواء منظومة أو مرجعية لست مقتنعة بها أصلا.”

إنهم يعملون ضد مذهبهم المالكي

وفي تفاعله مع الملف، قال مروة بفيس طالب بسلك الإجازة المهنية – تخصص نمدجة وإحصاء (26 سنة): “الزواج كما أفهمه؛ هو مؤسسة مبنية على تعاقد انساني بين اثنين، تضمن لهما مجموعة حقوق ومجموعة واجبات كامتداد لعلاقة انسانية يجتمع فيها الرغبة في الأخر، الاستقرار، العيش المشترك وضمان استمرار المجتمع.

هذه المؤسسة تعد اللبنة الأساسية للمجتمع والحاضن المؤطر لأجيال المستقبل، بل يمكن اعتبارها المدرسة الأولى لفهم معنى أن تعيش مع الإنسان الأخر، وتختبر رفقته لحظات النجاح والفشل. الزواج إلتزامٌ تجاه الأخر وتحملٌ للمسؤولية، تلك المسؤولية التي نتفرض أنها جاءت عن قناعة واختيار حر.

و عندما نبحث في التاريخ أو ما يجري في واقعنا، نجد أن الزواج أنواع متعددة، ولا توافق بالضرورة الفهم الذي قدمته، لكن الذي شد انتباهي هو تفاعلات واقعي الحالي، التي كان بارزا فيه ما يسمى بزواج الفاتحة. هذا النوع بالضبط، أنظر إليه بشكل سلبي إن لم أقل أنني أرفضه، فهو يخالف بشكل كبير فهمي لمعنى الزواج والغايات المرجوة منه، حيث أنه لا يضمن حقوقا أو واجبات، ولا تجد فيه أي أثر مادي يثبث ذاك الإلتزام المطلوب تجاه الأخر سواء في حالة نشوئه أو انحلاله، في مجتمعات أخرى تكون مصغرة أو من الزمن الماضي، قد يكون زواج الفاتحة مقبولا حين تكون معرفة وجود رابط في حد ذاته قوة مادية، لكن العالم بشكله الحالي يختلف عما سبقه وتفاعلاته أكثر تعقيدا وتركيبا، وهذا الزواج لا يضمن بأي شكل من الأشكال متانة هذه المؤسسة أو على الأقل المسؤوليات تجاه الأخر في حالة انحلالها، وهل فعلا كانت موجودة أصلا.

المرجع هو الواقع وهو يخبرنا أن زواجا كهذا يكون المتضرر الأول منه هو المرأة، والأطفال ثانيا، إن كان لهم وجود، أصل الضرر يكمن في شكل علاقات المجتمع، حيث تعتبر المرأة الحلقة الأضعف والتي تتحمل جميع التبعات السلبية لغياب دليل مادي على حدوث هذا الزواج.

بالإضافة لذلك، يمكن أن يتطور الأمر في اتجاه آخر، وهو الإستغلال ذو الطابع الجنسي أو دعارة مقنعة باسم سورة الفاتحة يصبح فيها طرف هو المستغِل وطرف أخر هو المستغَل. الذي يثير الإستغراب، هو أن كثيرا ممن يتبنون المذهب المالكي يعملون عكس تعاليمه، فهو يعتبر كل أنواع الزواج التي لم توثق ولم تخضع لشروط معينة باطلة، وتجدهم أول المتعاطين لما يرونه باطلا، أذكر مثلا قضية الكوبل الدعوي وقضية الشيخ الفيزازي. هنا لابد من وضع السؤال، لماذا زواج الفاتحة مادم الإنسان قادر على ممارسة علاقة جنسية رضائية؟”.

النص الديني يحتاج قراءة إنسانية

“مجلة ميم” التقت الإعلامي والباحث في الفكر الاسلامي يوسف المساتي (32 سنة)، حيث خصّنا بهذا الجواب الصريح: “تطرح مسألة الزواج بالفاتحة جملة من الحساسيات ولذلك لأنها بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة، حيث تخفي العديد من التمثلاث والتصورات وأنماط العلاقات سواء بين المراة والرجل او بين الرجل والمرأة والمؤسسة الفقهية أو تمثل الفقه للجنس والزواج وغيرها.

وإذا ما نحن تأملنا المقاربات الفقهية المحضة، سنجدها متسمة بالتنوع والاختلاف – كدأب الفقه في كل القضايا- بين راي المالكية الذين يشترطون التوثيق، ورأي الاحناف الذي يشرتطون فقط الايجاب، وانقسام الشافعية بين هذا وذاك وغن كانوا لرأي المالكية أقرب، هذا التنوع لا يحكمه العنصر التشريعي، ولكنه في الواقع محكوم بالعنصر الاجتماعي والثقافي، ويخفي خلفه تمثل المشرع للعلاقة الزوجية وأساسا للغاية منها.

بالعودة إلى النص القرآني، نجد أن الزواج جاء مقترنا بالسكينة، إذ تلخص الآية الواحدة والعشرون من سورة الروم التصور القرآني للزواج والتي ورد فيها “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، بحسب منطوق هذه الآية، فإن وجود شريك تشترك معه في حياتك وتسكن إليه بما يعنيه السكون هنا من تحقيق للأمن والطمانينة النفسية والانسانية أساسا، فهذا يعدّ من آيات الله في الكون وهو في نظري الشخصي اسمى تعبير إنساني عن مفهوم الزواج.

ويمكن أن نربطه هنا في هذا السياق بالنهي الشبه الصريح عن التعدد، في قوله ولن تعدلوا ولو حرصتم، إذ أننا إذا ما حاولنا قراءة التصور القرآني يمكن أن نخرج بقراءة جديدة للتعدد وللزواج، لكن هذا المفهوم الذي حاول النص القرآني التأسيس له يتلاشى بشكل كامل مع المؤسسة الفقهية التي جعلت الزواج مقرونا بالاستطاعة الجنسية والمالية، ستغيب القراءة الفقهية شرط السكينة النفسية والعدالة الواجب تحققها لدى الزوجين، والذين يعتبران من آيات الله لصالح قوامة الرجل واستطاعته الجنسية ويتحول الزواج إلى عقد نكاح عوضا عن عقد مودة ورحمة وسكينة وطمأنينة.

إن الحديث عن الزواج بالفاتحة وشرعيته من عدمها سيظل نقاشا هامشيا وسطحيا، إذا لم يقدنا إلى إعادة قراءة النص الديني قراءة أكثر انسانية ومساءلة الفقه الذكوري في إطار سياقاته التاريخية والاجتماعية، وأن نعيد للعلاقة الانسانية بين الرجل والمرأة جوهرها القائم على السكينة والمودة والرحمة والطمأنينة قبل العقود الموثقة من عدمها وقبل الاستطاعة الجنسية والمالية فهناك الجوهر الانساني”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد