رأي التحريرغير مصنف

الإسلام الرقمي

مجتمع

تتجه الأنظار أساسا إلى تعاطي النخب السياسية ورموز المجتمع مع الظواهر التواصلية الجديدة. فقد أمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تخلق نظاما اجتماعيا متعددا يتيح مشاركة الأفراد والجماعات، والتفاعل بلا قيود بينهم، بما يتسق مع رؤاهم وأفكارهم المشتركة.

ولعله من هنا بات الحديث ممكنا عن المجتمعات الافتراضية، أي تلك الكيانات الاجتماعية التي تتأسس على علائق داخل الفضاء الافتراضي، على الرغم من أنها تشبه الكيانات الواقعية إلى حد كبير.

لكن ليست النخب السياسية والثقافية الكلاسيكية وحدها من استفادت من وسائل التواصل الاجتماعية، فهناك شيوخ الدين والفقهاء والمؤسسات الدينية التي قامت بتوظيف هذا المكسب التواصلي الجديد للتعبير عنها.

وهذا يقودنا إلى فرضيات مهمة تؤكد على ان وسائل التواصل الاجتماعي التي تعد مقوما من مقومات الحياة الحديثة قد أسهمت في
تحديث الفكر الإسلامي في اتجاه مضامين أكثر اعتدالا ووسطية وانفتاحا على الآخر، سواء الغربي أو العربي المسلم المختلف فكريا وسياسيا.

أما الفرضية الاخرى فترى أن هناك تيارات إسلامية موغلة في التطرف، كالسلفية الجهادية، وظفت الظاهرة التواصلية من اجل نشر رؤاها واستقطاب مريدين من اجل إعدادهم لممارسة العنف.

ومما لا شك فيه أن القفزة الرقمية قد شكلت منعرجا حاسما في تاريخ الأمم والشعوب وبالتالي فإن توظيفها أو الإفادة منها كان شاملا ولم يستثن أحدا.

ويدرك الدارس أو المتابع للظاهرة الدينية في عالمنا العربي الإسلامي أن الفاعلين فيها قد سعوا إلى تدعيم حضورهم والإفادة من كل الفرص المتاحة لهم ووظفوا جل الأشكال التعبيرية لخدمتهم.

وهذا ما يفسر الوجود المكثف للفاعلين في الشأن الديني على منابر التواصل الاجتماعي على غرار فايسبوك ويوتيوب وتويتر والانستغرام وهم يهدفون إلى إقناع الناس بإمكانات أن يلعبوا دورا في رهانات المستقبل، باعتبار أن المجتمعات العربية تعيش اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، جدلا متناميا حول الظاهرة الدينية وحول المعيش الديني، خاصة مع صعود التيارات الإسلامية الذي اتخذ أشكالا مختلفة، وفق الأنساق الاجتماعية والأطر الفكرية التي يتنزل فيها في كل بلد.

لذلك يبدو تمظهر الشأن الديني مختلفا مثلا بين تونس وليبيا ومصر والعراق وسوريا والمغرب الأقصى والجزائر والخليج العربي ذكرا وليس حصرا.

وهنا يمكننا اليوم أن نتحدث عما أسميناه بالاسلام الرقمي، وهو النموذج الذي أنتجته فضاءات التواصل الاجتماعي، ويتجلى من خلال ذاك الجالس خلف حاسوبه متحاورا مع كل بقاع الدنيا. وتمنحه هذه الفضاءات إمكانات هائلة لاستقطاب وجلب الآخرين والتأثير فيهم عبر الخطاب والصورة.

وقد أدرك صناع الظاهرة الدينية ان وسائل التواصل الاجتماعي تتجاوز في نجاعتها الإعلام التقليدي وتتفوق عليه في أداء الرسالة المطلوبة، لذلك سعوا بشكل دؤوب لاستخدام التقنيات الحديثة، وبدأ الإعلام التقليدي يتوارى بشكل ملحوظ .

هناك تيار فكري إسلامي قد قام بمراجعاته اللازمة، وهو يعمل على الإسهام في حيوية المشهد السياسي وخلق دينامية فكرية تعكس التحولات التي طرأت على البنى الذهنية والأنساق الاجتماعية ج، في حين لازال الغلاة في غيهم القديم وهم يوظفون الوسائل التواصلية الجديدة بغاية التدمير.

وقد عرفت صورة الفقيه أو الشيخ حامل الرسائل الدينية تغييرا جذريا في المنظومة التواصلية الجديدة، كما أن التنازع بين مختلف المشارب الفكرية والمذاهب والطوائف الإسلامية يبدو جليا أحيانا ومحتشما أحيانا أخرى.

بل ويصل هذا النزاع أحيانا الى التكفير وإراقة الدماء، لاسيما بين السنة والشيعة وبين الغلاة المتطرفين والمستنيرين من دعاة النهضة الإسلامية.

أما بالنسبة إلى المضامين التي يحملونها والرسائل التي يهدفون الى تبليغها فهي كثيرة ومتشعبة وبالغة التعقيد ومتناقضة بين مجموعة وأخرى وبين تيار وآخر.

ويمكن حوصلتها في محاور كبرى أهمها التأثير في الرأي العام والبحث عن مكانة في المشهد أكثر فاعلية ونجاعة.

فهناك من يعلن انخراطه في السياسة ضمن مشروع دولة مدنية تعددية تشاركية، ويعلن قبوله بالعقد الاجتماعي كما حدده جان جاك روسو، ويسعى للاندراج ضمن منظومة العيش المشترك، ويعتبر المختلفين معه شركاء في الوطن ينبغي التحاور معهم على أساس الندية، وهؤلاء يبدون آراءهم من خلال منابر التواصل الاجتماعي حول الشأن العام.

في حين يوظف آخرون فضاءات التواصل الاجتماعي بهدف التغيير الجذري ويقدمون أنفسهم بديلا عن الأنظمة القائمة ويدعون الى تغييرها بالعنف وتقويض أركان النسق الاجتماعي والسياسي القائم وإعلان حرب شعواء عليهم تسمى في أدبياتهم “الجهاد”، وكل الوسائل هنا مشروعة عندهم، وعلى رأسها حمل السلاح في وجه الدولة وإعلان منظومة جديدة على أنقاضها.

نخلص إلى القول بأن هناك تيارا فكريا إسلاميا قد قام بمراجعاته اللازمة، وهو يعمل على الإسهام في حيوية المشهد السياسي وخلق دينامية فكرية تعكس التحولات التي طرأت على البنى الذهنية والأنساق الاجتماعية ج، في حين لازال الغلاة في غيهم القديم وهم يوظفون الوسائل التواصلية الجديدة بغاية التدمير.

شهد سلامة

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الإسلام الرقمي”

اترك رد