مدونات

ورقة

بقلم: حياة بن بادة

يوزّعون علينا السعادة في كتب، كأنهم فعلا فهموا السعادة. يبيعوننا السعادة في ورق كأنّ سرّ السعادة فعلا في الورق. كيف لا وذاكرتنا ورق وعيشنا ورق وذكرانا ورق، حتى النسب لحّفوه في ورق وحتى الكفن نشتريه بالورق، حتى العرق يقايض بالورق وتلك العلوم تسمّر بالورق وذاك البطن يصقل بالورق وحديثا صار الشرف يبرهن على الورق. ما رأيت في حياتي قطّ أسعد من الحلفاء والقش وألياف السليلوز، بدونها لا يستطيع الورق أن يصنع نسبا وهويّة وعيشا للبشرية، فطوبى لهم.

بدون الورق لن يستطيع والداك بطولهما وعرضهما أن يقنعا البلدية أنّك ابنهما ومن صلبهما ولن تستطيع بشهيقك وزفيرك إقناعها أنّك على قيد الحياة، حتى الشخصية باتت تثبت في ورقة تصدر من بلديّة، بل حتى الجدّ برفاته عليه أن يشهد في ورقة أنّه ميت وأنّه كان ينتمي إلى الوطن نفسه الذي تسعى لاستخراج شهادة جنسية تثبت انتماءك إليه. بدون ورق لن تستطيع الحصول على عيش كريم، فالسعادة مقيدة في ورق وبناء العلاقات مقيد في ورق والقوت مقيّد في ورق والمحاضرات مقيّدة في وابل من الأوراق.

أنت بما فيك لحم مرحيّ ملفوف في ورق في متناول معدة الغبار ذاك الذي يكسو السجلّات والرفوف، أنت بطولك وعرضك غير معروف لولا بطاقة تعريف، فقط كان عليهم أن يستبدلوا المثل القائل:”وجه الخروف معروف” بوجه الورقة معروف. إنّها جلالة الورقة المبجّلة التي لا يرفض لها طلب ويزداد عليها الركض والطلب والشجار والكذب وتقام لها الأعراس وعلى شرفها تفرش المآدب وبسببها قد يجنّ الناس.

عندما كنت في السابعة عشر من عمري أدّيت مونولوجا في مسرح نادي الترجمة في الجامعة بعنوان “ورقة”، لا زلت أذكر فيه ثلاثية النبراس والورقة والقلم التي رهنت حياتي ولازالت تفعل.. لم أقرأ في حياتي مونولوجا أجمل منه ولست أدري إلى اليوم من كتبه ولم يجد أساتذتي طالبا جريئا يمكنه عرض حياة الورق غيري، فعرض عليّ الدور وأدّيته بحبّ وإيمان بالخديعة التي نعيش فيها دون أن ننتبه..

وكما ذكرت في إحدى رواياتي إنّ عظمة الورق تتجلّى حتى في قدرتها على تقسيم الأرض بين أصحابها وأعدائهم وقصدت بذلك القضية الفلسطينية، و ليتني أجد من يقنعني أنّ مروحة الداي حسين التي لوّحها في وجه القنصل الفرنسي دوفال يوم عيد الفطر واتخذتها فرنسا ذريعة لاحتلال الجزائر لم يكن فؤادها مطمورا بالورق. ولكأنّي كنت أعلم أنّي سأعاني في حياتي من أزمة الورق أكثر من زملائي.

كأنّي كنت ألقّن الحياة درسا لقّنته لي فيما بعد أحسن تلقين، فقد قالوا إنّ الحياة تسرق ما نفعل أو ما نقول أو ما نكتب لتعيّشنا فيه كما أشارت أحلام مستغانمي ذات يوم. وها أنا قضيت اثنتي وعشرين سنة بين الأوراق ووجدت نفسي أحذو حذو الأمم المتحدّة وأخترع يوما عالميا لي للاحتفاء بالورق وأقرّر موعدا في الصيف من كلّ سنة لتمزيق الأوراق وأنا التي اعتدت التخلّص من الأوراق دون تمزيق تماما كما أفعل مع البشر، أتخلّص دون تمزيق، فالكيس الأسود كفيل بجعل تلك الأوراق مختنقة بقيد الضغط بدل التطاير في الهواء حيث الحريّة.

السيّدة ورقة بنت الحلفاء وإن كانت أيضا بنت القشّ وألياف السليلوز، بنت ثلاثية الأرحام، لديها القدرة الخارقة لأن تجعلك تفقد حياتك ومستقبلك وعلاقاتك ودراساتك وعملك بين ليلة وضحاها ويمكنها أن تأمر بالحكم عليك سنوات وسنوات في العلبة السوداء حيث الأعمال الشاقة ولن يستطيع حينها عادل إمام أن يلهم محاميا ما ليتطاول على القضاة ويخرجك من شبكتها. ويمكنك أيضا أن تحقّق طموح حياتك بفضلها الكريم.

آه و ألف آه، كم مرّة جعلتني الورقة أعزف موسيقى على مقام الرصد والنهاوند والحجاز والبيات وأغنّي لأعزّي حالي وأنا بين الأوراق، أتساءل كما فعلت في ذلك المونولوج عن سحرها وكيف يمكنه التفريق بين المرء وحياته. والأمر المضحك هو أنّ السحرة أيضا يستعينون بالأوراق مع الشيطان ليخرّبوا البيوت، فيا ويح الورق ويا ويحنا، حتى ذنوبنا وحسناتنا تسجل في الورق فبأيّ نوع من الورق مخلوق هو كتابي؟.

ربّما كانوا على حقّ وهم يوزعون السعادة في الورق، فسعيد أم شقيّ ستترك بصمتها على ذاك الكتاب.

حياة بن بادة

كاتبة من الجزائر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق