مجتمع

في مصر: النقابات في خدمة السلطة دائما وأعضائها أحيانا

تقارير

مجلة ميم- القاهرة- أحمد خليل

لم تتردد نقابة المهن الموسيقية في اتخاذ قرارها بمنع إقامة حفلات فريق “مشروع ليلى” على أرض مصر دون موافقة الأمن، في استجابة سريعة منها للضغط الإعلامي والأمني لمحو آثار رفع علم “الرينبو”، الداعم للمثلية الجنسية، خلال حفلهم الأخير بضاحية التجمع الخامس.

النقابة بررت قرارها، الذي جاء بعد انتفاضة إعلامية واسعة لوأد محاولات الترويج للمثلية الجنسية في مصر، بأن رفاق حامد سنو يقدمون فنا شاذا، وذلك لإبراء ساحتها من أي مسؤولية تقع عليها لاستضافة الفريق اللبناني من جهة، وتأكيد الولاء الدائم لمواقف الحكومة من أخرى.

ورغم أن النقابة ليست المسؤولة، لكنها تطوعت للوقوف في صف السلطة بدلا من حماية المبدعين، فليس للنقابات الفنية حق التدخل في المحتوى الفني المقدم أو إبداء الرأي فيه، لأنه من اختصاص المصنفات الفنية فقط، كما أن التعامل مع الجمهور هو من اختصاص الأمن وليس النقابة، وذلك طبقاً لحكم محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة الصادر في أبريل العام الجاري.

موقف المهن الموسيقية ليس إلا حلقة جديدة من حلقات التبعية بين النقابات المهنية والسلطة في مصر، إذ فقدت هذه الكيانات استقلاليتها وتحولت إلى أداة لتمرير وتنفيذ قرارات الحكومة، حتى لو كان هذا على حساب أعضائها أو جزء أصيل من اختصاصاتها، مثلما حدث في واقعة “مشروع ليلى” وتنازلها عن حقها في إصدار التراخيص للحفلات الفنية.

هذه ليست الواقعة الوحيدة في علاقة المهن الموسيقية بالحكومة، فقبل عامين اتخذت  قرارا بشطب المطرب حمزة نمرة من كشوفها ومنع إذاعة أغانيه في الإذاعة المصرية، بدعوى انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين بعد استنكاره سقوط ضحايا في فض اعتصامي الإسلاميين بميداني رابعة والنهضة.

حينها، لم تكن نقابة تشرف على الإبداع الفني كتلك مضطرة لاتخاذ قرار الشطب، فلم يتهم نمرة بدعم الإرهاب في أي محاضر رسمية أو صرح رسميا بانتمائه للإخوان، لكنها كانت ملكية أكثر من الملك نفسه وأقصت مطرب الثورة من صفوفها تماشيا مع حالة الاستقطاب العنيفة التي ضربت المجتمع منذ 2013.

لا مجال للسخرية في “المهن التمثيلية”

نقابة المهن التمثيلية الجارة المتشابهة في سقف الإبداع وحمايته كان لها نصيب في علاقة التبعية، فلم تظهر النقابة أي دعم للممثل الشاب أحمد مالك في واقعة سخريته الشهيرة بفيديو “الواقي الذكري” من الشرطة المصرية في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، غير أنها قررت إيقافه وتحويله للتحقيق بدعوى الإساءة للشرطة.

 

لم تكن مرت سويعات قليلة على الواقعة حتى صرخ الإعلاميون المؤيدون للنظام عبر منصاتهم التلفزيونية وتبنت صفحات الشرطة المصرية خطابا واحدا وهو إيقافه عن التمثيل، ليخرج نقيب الممثلين أشرف زكي معلنا استجابته للضغط الإعلامي بإيقافه عن العمل.

انتهت الأزمة بعد بضعة أيام باعتذار مالك عن فيديو “الواقي الذكري”، وإقراره بأنه تهور منه في لحظة إحباط، وذلك تحت ضغط نقيبه الذي ساومه بين الاعتذار وحيازة رخصة التمثيل في مصر.

 

النقابة حتى الآن تبدو متخاذلة لحد كبير في تحصين المهنة، والنقيب يرفض الاستجابة لمطالب قطاع من الصحافيين بإعلان الدعم الكامل للمواقع المحجوبة وإدانة الفاعل المجهول المحرك للأحداث والجور على الحريات

محمد سعد عبدالحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحفيين

 

نقابة الصحفيين.. البدل مقابل الحريات

مند يومه الأول على مقعد نقيب الصحافيين، أدركت الجماعة الصحافية أن نقابتها ستفقد كثيرا من استقلاليتها في عهد عبدالمحسن سلامة، بعد سنوات قضوها في الاحتجاج على مختلف الأحداث المهنية والسياسية على سلم النقابة الكائنة بوسط القاهرة.

لا يخجل سلامة، ابن مدرسة الأهرام الحكومية، من تكرار تأكيده في مناسبات مختلفة على علاقته الوثيقة بأجهزة الدولة، وخصوصا الأمنية منها، وهو ما انعكس سلبا على مواقفه في قضايا متعلقة بالنشر، لعل أبرزها استمرار أزمة المواقع المحجوبة حتى الآن.

وبحسب أحدث التقارير، حجب الحكومة المصرية، متمثلة في وزارة الاتصالات، حوالي 242 موقعا من مايو الماضي، بينهم مواقع مرخصة من المجلس الأعلى للصحافة وأخرى لهيئات حقوقية، لكن مجلس نقابة الصحافيين لم يحرك ساكنا حتى الآن.

محمد سعد عبد الحفيظ

ويخصص سلامة مساحات كثيرة للحديث عن دعم أهل المهنة بزيادة بدل التكنولوجيا الذي يحصل عليه الصحافيون مطلع كل شهر، لكنه يكتفي بإطلاق الوعود بحلحلة أزمة المواقع المجوبة مع الجهات المعنية دون جدوى.

ويقول محمد سعد عبدالحفيظ، عصو مجلس النقابة، في تصريحات لـ”ميم”، إن دور أي أي نقابة مهنية هو حماية جماعتها سواء كانوا صحافيين أو محامين أو ممثلين، من خلال الدفاع عن حقوقهم المادية والمعنوية والقانونية، وهو ما تفعله النقابة حاليا في زيادة البدل وتخصيص محامين للدفاع عن أي أصحاب الرأي في قضايا النشر أو تغطية التظاهرات، والدور الآخر لها هو الحفاظ على المهنة نفسها وهو ما لم يتحقق.

يوضح سعد: “المجلس الحالي يسيطر عليه الموالون للحكومة لذا لم يتخذوا موقفا صريحا من قضية حجب المواقع الإلكترونية، ولم يف النقيب بوعوده بالكشف عن الفاعل الحقيقي  وراء قرار الحجب تمهيدا لمقاضاته”.

وتابع: “النقابة حتى الآن تبدو متخاذلة لحد كبير في تحصين المهنة، والنقيب يرفض الاستجابة لمطالب قطاع من الصحافيين بإعلان الدعم الكامل للمواقع المحجوبة وإدانة الفاعل المجهول المحرك للأحداث والجور على الحريات”.

 

 

القبضة الأمنية ازدادت على العمال والنقابات مع بدايات تفعيل سياسات الخصخصة فى بداية الألفية الحالية وأصبح من المألوف وجود قيادات أمن الدولة داخل مديريات القوى العاملة لتدير انتخابات النقابات، فتقوم بشطب من لا ترغب فى وجودهم فى إدارة النقابات”.

الناشطة العمالية فاطمة رمضان

نقابيون بدرجة مخبرين

يظهر مدى سيطرة الدولة على النقابات في قطاع العمال، وتحديدا النقابات التي أسستها وتديرها الحكومة منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي إلى الآن، مثل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، فهو الكيان الوحيد المعترف به ويدين بالولاء الكامل للحكومة، كما يتكفل بالتصدي لأي تمرد عمالي في مصنع أو شركة.

واكتسب قيادات وأعضاء هذا الاتحاد سمعة سيئة في الأوساط العمالية بالمحلة وحلوان، اثنتان من قلاع صناعة الغزل والنسيج والصلب في مصر، بسبب التقارير الأمنية التي يكبتها المخبرون عن نشاطهم السياسي أو مخططات الإضراب في أي وقت مضى.

وترصد الناشطة العمالية البارزة فاطمة رمضان، في حديثها لـ”ميم”، كيف تحكمت الدولة في هذا القطاع، تقول: “القبضة

فاطمة رمضان

الأمنية ازدادت على العمال والنقابات مع بدايات تفعيل سياسات الخصخصة فى بداية الألفية الحالية وأصبح من المألوف وجود قيادات أمن الدولة داخل مديريات القوى العاملة لتدير انتخابات النقابات، فتقوم بشطب من لا ترغب فى وجودهم فى إدارة النقابات”.

وبلغ الأمر ذروته في أثناء عملية الخصخصة الكبرى لمصانع وشركات قبل ثورة 25 يناير، فأجبر العمال على الخروج للمعاش المبكر ومن بقى فى عمله بعد الخصخصة قد عانوا من تحول وضعهم من الحماية فى ظل قانون القطاع العام، وسط صمت تام من الاتحاد.

وبينما كانت مهدت انتفاضة المحلة في إبريل 2008 شرارة 25 يناير، كان الاتحاد برئاسة حسين مجاور يحشد العمال للتصدي للثورة بل وشاركوا في موقعة برفقة وزيرة القوى العاملة حينها عائشة عبدالهادي.

ولم يتغير الحال كثيرا بعد ثورة يناير، تشرح رمضان: الاتحاد لم يجد أى غضاضة فى تقديم فروض الولاء والطاعة لأى نظام حاكم، فقد ذهبوا عقب تولى محمد مرسى الحكم إليه معلنين مبادرة لوقف الإضرابات لمدة عام. ثم انتقل هذا الولاء بشكل طبيعى إلى الرئيس المؤقت عدلى منصور ثم الرئيس عبدالفتاح السيسى”.

ولطالما اتهم جبالي المراغي رئيس الاتحاد العام لنقابات مصر برئاسة جبالي المراغي جماعات سياسية بتحريض العمال على الإضراب للحصول على مستحقاتهم المتأخرة والمطالبات بالعلاوة السنوية، إذ تعول عليه الدولة كثيرا في فض الإضرابات عن طريق نشر الشائعات وتفكيك وحدتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد