مجتمعمدونات

من نوافذ الشات : “الحقني يا حبيبي شوف إللي جرالي”

“كلما اشتعلت النقطة الخضراء خفق قلبي بشدّة”، هذا حال الكثير من الفتيات اللواتي جعلن من الفضاء الأزرق “الفيسبوك” والشبكات الاجتماعية، فضاءًا لمواعيد عاطفية وتبادل الحبّ والهيام، تهتز قلوبهن بنقطة خضراء وتخمد بعد انطفائها.

في الماضي، كانت النظرة ثم الابتسامة فرصةً لنيل اللقاء بين العشاق، أمّا اليوم فقد أصبحت النقرة على أحد أزرار “الفيسبوك” أو غيره من وسائل التواصل تختزل كل هذه الخطوات، صورٌ تحمل وجوهَ أصحابها تنال الإعجاب من علامات الدهشة إلى العشق، وتبدأ الرسائل في التعبير عن الحبّ من أّول نظرة” أيّ من أول صورة”.

أصبح لكل شخص بيتٌ افتراضي خاص به، يدخل له الأقرباء والغرباء دون استئذان، “بروفيله” هو بيته الذي يقدّم فيه صوره وأفكاره، كوجبات ضيافة للتفاعل بين الأصدقاء والمتابعين، فيصبح نجماً أو متابعاً عادياً لنجم آخر، كلٌ وشطارته، الافتراضي عادل مع الجميع، أما اقتناص الفرص فللأذكياء فقط.

اختصر “الفيسبوك” و”تويتر” وغيرهما من الشبكات الاجتماعية، الكثير من عوائق التواصل في الواقع بل عوضه، ليكون الفضاء الأنسب لمثل هذه العلاقات، تونسيات ارتبطن بأجانب عن طريق العالم الافتراضي وآخرون ضمنوا من خلاله بعض فرص العمل، لا شيء يصعب في هذه المنصات، حتى التحيّل صار أسهل وأكثر بساطة من أرض الواقع.

حبيب الجيب العلوي

تُسمى هذه العلاقات الافتراضية، بعلاقات الجيب العلوي حسب تعبير “زيجمونت باومان”، يُخرج كل منّا هاتفه من جيبه، جيب البنطلون أو القميص، ويبدأ في ربط علاقة مع هذا أو هذه، وقد خرج قبل مدّة قصيرة من علاقة سابقة، أنهاها “البلوك” بطريقة بشعة رغم الوجوه الصفراء المتوسلة للبقاء.

لقد ضمّن مالك الفيسبوك”، “مارك زوكربيرج” كل وسائل التعبير، من وجوهٍ صفراء، محبة، وحزينة، وورود وقلوب حمراء يتبادلها العشاق أحياناً عوض الكلام، لكلّ وجه تعبيرٌ خاص به، يبدأُ بالوجه العاشقِ وينتهي بآخر غاضب، لا شيء قابلٌ للإصلاح في هذا الفضاء الأزرق، كما كان يفعل أجدادنا لإصلاح إصلاح ذات البين فيما بين الأزواج.

كلّ علاقة انتهت تبشّرُ بأخرى قريبة جدّاً، ” فالبحارة الجدد لا يضيعون وقتهم في إصلاح الأجزاء المعطوبة، بل يستبدلونها لتحلّ محلها قطع غيار أخرى”.. تبدو هذه الجملة وجيهة جدّا ونحن نُحلّل واقع العلاقات على الشبكات الاجتماعية في واقع جعل الاستهلاك شرط الكينونة، نرمي نفاياتنا الشخصية والعاطفية أيضاً، ونعوّضها بأخرى جديدة في مدّة قياسية.  

 

“السيد العاطفي الافتراضي”

ينجح بعض الشباب في جلب الانتباه بمقاطع شعرية ل”بابلو نيرودا”، و”محمود درويش”، و”جيفارا”، و”علي بن أبي طالب”، و”جلال الدين الرومي”، و”نزار قباني”، كل هذه الرموز والأعلام، تفقد قيمتها المعنوية الكبيرة في وجداننا، لتصبح من ضمن تقنيات العمل والاستقطاب العاطفي.

يمكنُ لرجل السياسة أن يستقطب جمهوراً واسعاً بالحديث عن قيم العدل والحرية، كذلك ” السيد العاطفي الافتراضي” تسمية لم نعرفها قبل، ولكن لنطلقها على بعض الذين اختاروا الصيد السهل هنا للإيقاع بالفتيات، لا شيء أسهل من الظهور بمظهر الرجل الطيب والشاعري، والمثقف الثائر، إنّه حلمُ أيّ فتاة للارتباط برجلٍ بمثل هذه المواصفات، التي أصبحت حقيقة على نافذة الشات لتصبح بعد محادثات قصيرة متيمة بحبيبها الذي لم تعرفه إلاّ في غرف الشات المغلقة.

يسهلُ على الشاب الذكي، الإيقاع بفتاة تعاني الوحدة والفراغ العاطفي، فمنصات التواصل تكشفُ عوراتنا العاطفية. لا يمكن إخفاؤها، لقد أصبحت بعض الأبيات والصور، رموزاً واضحةً لفكّ شفرة الحالة المعنوية لأيّ شخصٍ وخصوصاً النساء، فدائماً ما يضحين بكل شيء من أجل لحظة حبٍّ.. وهناك من يعرف هذا جيّداً، ولا يفرط في فريسة افتراضية..

من الحب الافتراضي الى الابتزاز المالي

تُرسِلُ بعض الأموال بحبٍّ للمساهمة في بناء حلم المستقبل، وأخرى ترسلُ غصباً بعد تهديدات بنشر صور التقطت في لحظة غاب فيها العقل، فالفضاء الأزرق يمكن أن يكون فسحة جنسٍ ممتعة قصيرة لا يفصل بين الأحبة سوى شاشة الكمبيوتر، أو ما يسمى بممارسة الحبّ (الجنس) الافتراضي على شبكات التواصل الاجتماعي.

نساءٌ كثيرات تعرضن إلى الابتزاز والتحيل عن طريق الفضاء الأزرق، بدأت أحلامهن في بناء أسرة وإنجاب أطفال، وقلائل فضحن بعض المبتزين وكشفن تعرضهن للتحيّل.

من الصعب أن تبدأ امرأة علاقة عاطفية مع شخص مجهول وغريب عنها في الواقع، ولكن في الشبكات الافتراضية لا شيء مستحيل، يمكن لعلاقة أن تبدأ في تونس مع شخص في الصين أو أمريكا.. لا شيء صعب، المهم أن تتقن لغات أجنبية وتقنيات التخاطب لتضمن استمرارية العلاقة..

أغان وصور، وقصائد وكلمات عاطفية ، “أحبّك وسأجعلك أسعد امرأة في الكون”، تجعلها تستحضر بطلات المسلسلات التركية ” نور” أو “لميس”، فتتقمّص دور الحبيبة في حكاية صعبة لن يذلّل صعابها إلاّ الحبّ، الذي لا يوجد بكثرة في الواقع، على عكس الفضاء الافتراضي..

يهرع له الجميع رجالاً ونساء، لعلهم يجدون حكاية تزيحهم عن بشاعات المعيش، ولو لفترة من الزمن، فنُخرج هواتفنا من جيوبنا لنُبحر في عالم أمواجه.. صورٌ، وكلماتٌ ووعود، سرعان ما تنتهي بحذف أو حظر، فتفنى حكاية عاشقين لم تخرج بعدُ من  “الكمبيوتر” إلى الواقع.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد