مجتمعالرئيسي

السودان: مجتمع محافظ ونساء قويات، كيف؟!

مجتمع

من المفارقات التي يلاحظها كل من زار السودان، الدور البارز التي تلعبه المرأة السودانية في الحياة العامة وحضورها النشيط في مختلف المجالات، السياسية والثقافية والمدنية، في مجتمع يغلب عليه الطابع التقليدي المحافظ.

تبدو الصورة مثيرة للانتباه، خاصة وقد اقترنت المجتمعات التقليدية في أذهاننا بحجب المرأة وتغييبها،  والنظرة السائدة  لمسارات التحديث، والنمط الغربي للتحرر المنتهج في عديد الدول العربية، كرديف لحقوق المرأة ومشاركتها الفاعلة في الفضاء العام.

 والحقيقة أن ما بلغته المرأة السودانية من حضور نشط في الفضاء العام، لم يكن وليد اللحظة، فالملاحظ هو أن مشاركتها في المجالات العلمية والأدبية وحتى في مجال العمل النقابي و السياسي اكتسبت طابعا قويا وفاعلا منذ بداية القرن الماضي.

ففي السودان توجد أقدم جامعة للبنات في إفريقيا تأسست منذ سنة 1907، وحاليا تدرّس ما يزيد عن 7 آلاف طالبة.

وفي 1946، كانت أصغر فتاة تعمل في التعليم تبلغ من العمر 14 عاماً، وهي عضو مؤسس لإتحاد المعلمين الذي ترأسته سنة 1950.

ويذكر أن  “الاتحاد النسائي السوداني” قد تأسس بعد هذا التاريخ بسنتين،  ونالت المرأة في السودان بعده ببضع سنوات حق التصويت في 1953، فيما صدرت أول صحيفة نسائية، وهي صحيفة حقوق المراة سنة 1955.

أما في مجال السياسة والقضاء ،فقد كانت إحسان محمد فخري أول امرأة في إفريقيا تتولى  منصب قاضي المحكمة العليا، فيما كانت السيدة “إقِنِس لوكونو” أول سيدة تحكم ولاية سودانية سنة 1991.

 

دعنا نحوصل بعض مكتسبات المرأة السودانية في أرقام،

  • عدد النساء في البرلمان الحالي 78 نائبة يُمثلن 25% من البرلمان  .
  • عدد الحقائب الوزارية 5 وتشمل وزارات الرعاية الإجتماعية والعمل والشؤون البرلمانية والتعليم والإعلام.
  • عدد القاضيات من النساء في الدرجات العليا 89 قاضية.
  • عدد وكيلات النيابة والمستشارات في ديوان المدعي العام (284) ويمثلن 40% .
  • نسبة ضابطات الشرطة 10%.
  • نسبة المرأة في ضباط الصف والجنود 15%.
  • نسبة المرأة في مهنة المحاماة 41%.
  • نسبة النساء في التعليم 69% .
  • نسبة الطالبات في التعليم العالي 67% .
  • نسبة المرأة في السلك الديبلوماسي 7% .
  • عدد فروع الإتحاد العام للمرأة السودانية يبلغ 27 ألف فرعا.

الشخصية التحررية للمرأة في السودان ليست وليدة الصدفة بل هي نتاج ميزة  اجتماعية انطبعت في شخصية السودانيين رجالا او نساءا،  بفعل التأثيرات الافريقية التي جعلتهم أكثر تلقائية مع الجسد وأكثر عفوية في سلوكاتهم، فهم حتى في تقربهم إلى الله يرقصون.

 ربما أيضا يعود الحضور البارز للمرأة السودانية في المجال العام والتعامل العفوي معه الى التراث الصوفي القوي للبلد، المتسم بنمط اسلام  شعبي وبسيط، ودخول الطرق الصوفية الى المجتمع فى مرحلة باكرة من تاريخ السودان.

وقد لعبت الطرق الصوفية بالسودان دورا هاما، وكانت لها تأثيرات اجتماعية واضحة، وساهمت فى إنشاء العديد من المدن السودانية، مثل الدامر فى شمال السودان ، مدنى فو وسط السودان، والابيض غرب السودان.. ومن أبرز الطرق الصوفية في السودان، القادرية والسمانية والشاذلية والتيجانية والميرغنية.

وغالبا ما تمارس الطقوس الصوفية في هذا البلد في الميادين المفتوحة والساحات العامة، حيث يجتمع السودانيون نساء و رجالا يرددون الأناشيد الدينية الصوفية، مما يوفر مساحة من الصفاء الروحي والعفوية.

كما يرى ملاحظون أن المنهج الصوفي في السودان يساوي بين الجنسين من خلال جعل الأفضلية للأرواح وليس للأجساد، وهو ما ساهم في بلوغ المرأة مكانة لا يمكن تخيلها في مجتمع ذكوري. “فهذا المنهج لا يرى المرأة عورة وناقصة عقل ودين أو أنها ستخرج آدم من من الجنة إلى النار، بل أنها كائن له من الكمال ما للرجل.”

إلى جانب ذلك تعتبر السودان قلعة حصينة ضد التطرف الديني والفكر السلفي بفضل الطرق الصوفية التي تشجع على التسامح الديني، ونشر التعاليم الدينية دون الغلو . وقد صرح مساعد الرئيس السوداني في هذا الخصوص بأن ” الطرق الصوفية هي الترياق لمواجهة التطرف الديني و الحد من امتداد الحركات التكفيرية.”

 

ربما الخلاصة الأهم من جولتنا هذه في عالم المرأة السودانية هو أن تحرر المرأة لا يرتبط ضرورة بمظاهر التحديث والقطع مع النموذج التقليدي باطلاق، بل ان جوهر التحرر يرتبط بحضور المرأة الفعلي في الحياة العامة، وأن أنماط التحرر ومساراته متعددة وليست واحدة، يصوغها كل مجتمع وفق حاجياته وتجربته الخاصة.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.