دين وحياة

السلفية والنمط المشوه للدين

السلفية تغتال الدين وتحوله الى أشكال ومظاهر

 

ثمة فرق شاسع بين الدين الإسلامي السمح القائم على روح التسامح والتراحم، وبين التيار السلفي الذي شوه الإسلام وأساء استخدام النص الديني. وقد ساهم انتشار هذا التيار في التأثير على عقيدة الناس الذين  باتوا يختزلون الدين في الأشكال والمظاهر، واعتمدوا قراءات حرفية للقرآن والسنة النبوية، في معزل عن السياقات التاريخية والاجتماعية، وحصروا الدين في الأحكام والحدود، فشوهوا التدين واغتالوا جوهره الروحي والأخلاقي.

 

 الحقيقة والزيف

هناك اختلاف كبير بين السلفية الحقيقية التي تقوم على نشر القيم الصحيحة للإسلام القائم على اعتماد نهج الأولين من الصحابة والأخيار، والسلفية (الزائفة) البعيدة كل البعد عن الحق وروح العقيدة، من خلال فهمها الأحادي للدين واختزالها للحقيقة، وبالتالي احتكارها تمثيل الإسلام.

وهي عكسُ ما بُعث به الرسول الكريم، دينٌ قويم ينشر قيم التسامح  والتحابب بين المسلمين والسلام والأمن  بين البشر، ويعتبر  النص الديني قابلا للتأويل والتفسير وأنّه صالح لكل مكان وزمان.

وما يميز السلفية الزائفة عن الأصيلة، الفهم الخاطئ للدين، وربطه بالحدود وتطبيق الأحكام، دون النظر في أصل وجودها أو الغاية من تنفيذها، يصوّر إليهم أنهم حفظته، متناسين أنّ من أنزله قال ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”

 السلفية في تونس إلى الزوال

أكّد المحلّل والخبير في الحركات الإسلامية وقضايا المجتمع، صلاح الدين الجورشي في تصريح لمجلة ميم، أنّ مصطلح

الأستاذ صلاح الدين الجورشي

السلفية يُحيل إلى سلفيات متعدّدة، لأنّ من يصفون أنفسهم بالسلفية لا يتفقون في المضامين وفي منهجية التعامل مع الدين من جهة، ومع النصوص الدينية من جهة ثانية، ومع المجتمع من جهة ثالثة، والسلطة من جهة رابعة.

واعتبر الجورشي أنّ الظاهرة تعتبر جديدة في تونس، حيث سبق للحركة الوهابية أن حاولت اختراق الفضاء التونسي قبل حوالي قرن ونصف، لكن المؤسسة الزيتونية وشيوخها، تصدّوا لهذه الدعوة، وحالوا دون أن تخترق النخب والخطاب الديني في تونس، إلاّ أنه وبعد الاستقلال بفترة طويلة، بدأ الخطاب السلفي يتسرّب إلى البلاد بأشكال متعدّدة.

وأضاف الخبير، أنّ السلفية في تونس، رغم اختلاف الوضع عن مصر والمشرق العربي، تحوّلت إلى تيار أثّر في العقليات، وفي الخطاب الديني في بعض جوانبه، وذلك لعدّة أسباب أهمها: افتقار البلاد منذ تقريبا 60 سنة، إلى مؤسسة دينية علمية تجديدية في مجال مراجعة الثقافة الإسلامية.

وفي سياق ذاته،  أكّد الدكتور في التاريخ الإسلامي ورئيس مخبر “العالم العربي الإسلامي ” بجامعة تونس، راضي دغفوس،  أنّ السلفية في تونس اتجاهٌ لا يمثّل الكثيرين، وإنّما يمثّل فئة ضئيلة في المجتمع  الذي لا يقبل التطرّف يميناً أو يساراً، مفسراً عودة السلفية إلى تونس بالظاهرة الطبيعية، ناتجة عن القمع والكبت، وعدم المجاهرة بالأفكار المسلّط على المجتمع  من قبل النظام السابق.

  السلفية… انقسام …وانفصام

إنّ الباحث والمتمعن في التيار السلفي في تونس وغيرها من الدول، يدرك جيداً أنّه ينقسم إلى تيارات متناقضة ومتباعدة، وأحياناً متصادمة في القول والفعل في علاقتهم بالدولة،  وفي هذا الإطار قسّم الخبير صلاح الدين الجورشي السلفية، إلى تيارات مختلفة، وأكّد أنّهم لا يتوافقون حول منهجية واحدة في مستوى علاقتهم بالسلطة السياسية، مضيفاً أنّ  التيار السلفي  “العلمي” له نزعة سياسية محافظة، تتمثل في احترامه من سماهم بولاة الأمر،  ويرى فيهم سلطة  شرعية واجب على المسلمين اتباعهم مهما كانت سياستهم تجاه المجتمع،  ويُعتبرون حلفاء للحكم، ومن أبرزهم التيار “المدخلي”.

في مقابل ذلك، يوجد تيار “راديكالي” يجنح إلى العنف، ويحاول أن يفرض حكم الشريعة كما يراها على الجميع، ومنه خرج تنظيمي “داعش” و “القاعدة”، وهذان التياران وما تفرع عنهما من تنظيمات فرعية، يعتبرون “الجهاد” الأداة الأساسية لتغيير  أوضاع النظام، وفرض نمط جديد للدولة، وللتعليم والتنظيم الاجتماعي، وللعلاقات الخارجية، ولكل ما يمس بالدولة والمجتمع، وهم  الأخطر نظراً لأنّ  منهجهم يقود إلى حرب مفتوحة مع الجميع، داخل الوطن وخارجه، وهؤلاء تحولوا إلى حركات عابرة لأوطانهم، يخوضون حروبا عالمية  مع جميع الدول  بقطع النظر عن مواقفها وسياساتها وعلاقاتها.

هناك نوع من الترابط بين انهيار التعليم الديني والمنظومة الدينية المعتدلة والسليمة، وبين انتشار هذه الأفكار والقراءات التي تقحم الافراد والجماعات في مشاكل كبيرة تؤدي إلى عدم القدرة على التأقلم مع المحيط، ومع المرحلة التاريخية التي تمر بها المجتمعات

صلاح الدين الجورشي

الشكل مهم لدعم المضامين

وقد نجح التيار السلفي في استقطاب عدد هام من شرائح المجتمع وأثرّ فيهم إلى حدّ الانسلاخ عن طبيعتهم وعن بني جلدتهم، فبدلوا في أفكارهم ومعتقداتهم وفي مظهرهم، وفي هذا الإطار يعتبر “الجورشي”، أنّ تأثير هذا التيار يتجلى في أشكال مختلفة من بينها، المظهر العام المتمثل في اللباس سواء بالنسبة للإناث أو الذكور، كذلك على مستوى العبادات (طريقة الصلاة)، إضافة إلى تغير النظرة تجاه المجتمع والعادات والتقاليد.

وأشار الجروشي، إلى أنّ كل تيار يحاول أن يحتكر لنفسه بعض الرموز التي تميزه عن غيره، وعموم السلفيين يعتبرون الشكل

الأستاذ سامي براهم

مهما لدعم المضامين التي يحملونها في أعماقهم، والتي يريدون أن يحولوها إلى أنماط في الحكم، وفي التنظيم الاجتماعي، فهناك إلى حدّ كبير علاقة ترابطية بين الشكل والمضمون ومنهج التأويل أو التفسير، لأنّ السلفيين عموماً مثل الغالب  لا  تراهم  يقبلون  فكرة التأويل، ويعتقدون بوجود فهم واحد، يعتبرونه الفهم الحقيقي للإسلام، وهم من توصلوا إليه وبالتالي يحتكرونه وينسبونه إلى أنفسهم، وهم من يمثلون الدين الحقيقي والصحيح.

من جهته، أكّد الباحث سامي براهم في تصريح لمجلة “ميم”، أنّ اللباس يندرج ضمن الحريات الشخصية، ويُصبح إشكالاً عندما يكون مجرّد مظهر لا يعبر عن مضمونه، أي عندما يصبح الشخص متمسكا باللباس على حساب القيم والمضامين.

وأضاف براهم، أنّ الانتماء للسلف الصالح، هو انتماء لأفكار ولقيم ولرؤية، وليس انتماءا لمظهر، لأنّ المظهر الذي كان عليه الرسول والصحابة، والسلف الصالح، هو لباس أهل ذلك الزمان، يعني أنّ الصحابة ارتدوا لباس أهل زمانهم، وليس لباسا خاصا بالإسلام، ولكن بشرط ألا يكون شفافاً، أو واصفاً، و ألا يكون فيه تشبه بالرجال بالنسبة للنساء أو العكس، نافياً أن يكون للمسلمين في ذاك الزمان لباس خاص بهم.

وشدّد الباحث، على أنّه لا علاقة تربط العقيدة باللباس، فالاقتداء بالسلف الصالح يكون عبر فهم مقاصد الشريعة، مشيراً إلى التناقض الحاصل في فهم هؤلاء للإسلام، وتمسكهم بالحفاظ على الشكل دون الاهتمام بالمضمون (الأخلاق، القيم)، مرجعاً ذلك إلى الجهل بتاريخ الإسلام وثقافته وحضارته.

الانتماء للسلف الصالح، هو انتماء لأفكار ولقيم ولرؤية، وليس انتماءا لمظهر، لأنّ المظهر الذي كان عليه الرسول والصحابة، والسلف الصالح، هو لباس أهل ذلك الزمان، يعني أنّ الصحابة ارتدوا لباس أهل زمانهم، وليس لباسا خاصا بالإسلام

سامي براهم

يؤثرون كلما كان الفكر الإسلامي يعاني أزمة عميقة

تُشير جميع الدراسات، إلى أنّ التيارات السلفية تختار دائماً الأماكن التي تتوّفر فيها الظروف المناسبة والعوامل المساعدة، على نشر أفكارها وتأصيل جذورها في المجتمع الذي يعاني أزمة معرفة وعلم بأصول الدين الإسلامي، فتستغل هذه الجماعات، عدم تشبع الناس بأحكام وأصول الشريعة، لتبثّ رسائلها المشوّهة.

“فالسلفيون يؤثرون كلما كان الفكر الديني يعاني أزمة عميقة، أي أنّهم يستفيدون من غياب الرؤية المنهجية للدين ولدوره، فيجعلون من أنفسهم المصدر الوحيد لتقديم الفهم الدين الحقيقي حسب اعتقادهم، وبالتالي هناك نوع من الترابط بين انهيار التعليم الديني والمنظومة الدينية المعتدلة والسليمة، وبين انتشار هذه الأفكار والقراءات التي تقحم الافراد والجماعات في مشاكل كبيرة تؤدي إلى عدم القدرة على التأقلم مع المحيط، ومع المرحلة التاريخية التي تمر بها المجتمعات” على حدّ تعبير المحلّل صلاح الدين الجورشي.

ظاهرة تسئ للدين

أكّد الجورشي، أنّ أتباع التيار السلفي يختزلون جوهر الدين في حركات وأشكال تعبدية، ويعتقدون بأنّه إذا لم يلتزم بها الفرد والجماعة، فهم يصبحون خارج دائرة الدين والتدين، وهي المشكلة الكبرى التي يُعاني منها الخطاب السلفي، كما هو منتشر حالياً في بعض الأوساط والبلدان.

ويضيف محدثنا أن “ما بُني على باطل فهو باطل”، فكل المسائل والمظاهر المنافية للإسلام السمح، وديننا الحنيف ستزول عبر التاريخ، وذلك لعدّة أسباب أهمها غياب القواعد الحاضنة، وإن وجدت فستتلاشى في أوّل احتكاك بالمجتمع. ويربط الجورشي نهاية هذا التيار بالحركة التاريخية المتغيرة باستمرار “فإن لم تجد من يقاومها فإنّها لن تصمد كثيرا أمام تحولات التاريخ”.

 

الحلول والبدائل

كما نبّه الجورشي إلى ضرورة أن تفتك المجتمعات الإسلامية المبادرة، وتنشر الوعي الديني وقيم الإسلام الحق، وإرساء مؤسسات علمية “رصينة”، هدفها بناء أجيال مثقفة في المجال الديني ومطلعة على أحكامه ، وتكوين نخب جديدة للفكر الديني، تدخل  في نقاشات من نوع مختلف وتنتقل من الشكل إلى المضمون، وتحاول أن تبيّن أولاً، أنّ الدين ليس نظاما سياسيا وإنّما هو منظومة قيم روحية وأخلاقية، وثانياً فتح المجال بشكل واسع حتى يكون النص الديني متحرّكا، لأنّه ليس ثابتاً في فهمه، لذلك يختلف العلماء والمفسرون في فهم الآية الواحدة، والنص الواحد، وليس ذلك  عيباً، وإنّما قوّة فالنص قادر على تجاوز الزمان والمكان.

إلى ذلك، شدّد الجورشي على ضرورة إنهاء جدل التصادم أو الشك المتبادل، بين الخطاب الديني والخطاب العلمي، وأن نسعى كمسلمين أن نقتحم الميادين الجديدة كالاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم، التي برز فيها المسلمون الأولون، وغيروا من مجتمعاتهم بشكل جدّي من خلال العلوم الإنسانية والطب والفلك والهندسة، مضيفاً “نحن في حاجة إلى تغيير مناهج البحث لكي نصل إلى عمق الأشياء وعمق الظواهر، وبالتالي نربط المسلم بربه عبر ربطه بحركة التاريخ والمستقبل”.

ثريا القاسمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.