مجتمعرأي التحرير

معركة القبلة

رأي التحرير

دار جدل طويل في وسائل الاعلام ومنابر التواصل الاجتماعي حول ما أشيع عن إيقاف الأجهزة الأمنية التونسية لشابة تونسية مع صديقها الفرنسي من أصول جزائرية، بسبب تبادل قبلة بينهما.

ثم تحول هذا الجدل الى نوع من الاصطفاف الساخن بين من يرى ذلك تعبيرا طبيعيا عن العلاقة الحميمية بين الجنسين، وبين من ينكره ويراه تطاولا على الدين والأدب العام، حتى بات الناس ينقسمون بين معسكر القُبلة ومعسكر رافضي القُبلة..

وقد ازدادت وتيرة التجاذب اكثر بعدما صرح الناطق الرسمي باسم النيابة العمومية سفيان السليطي في احدى المحطات الفضائية بان الامر ابعد من مجرد تبادل القبل، بل يتعلق بممارسة الجنس في الفضاء العام، مشيرا الى ان المعنيين بالأمر “قد ضُبطا في‭ ‬وضع‭ ‬مخل‭ ‬بالحياء،‭ ‬وكانا‭ ‬بحالة‭ ‬سكر، ولما‭ ‬طالبهما‭ ‬اعوان الأمن‭ ‬بالاستظهار‭ ‬بهويتيهما،‭ ‬القى‭ ‬الشاب‭ ‬جواز‭ ‬سفره‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الأعوان،‭ ‬وتفوه‭ ‬تجاههم‭ ‬بالفاظ نابية”.

‬واضاف​‮ ‬السليطي‭ ‬​أن‭ ‬”النيابة‭ ‬العمومية‭ ‬أذنت‭ ‬بالإحتفاظ‭ ‬بالمتهمين‮ ‬‭ ‬واحالتهما‭ ‬على‭ ‬محكمة‭ ‬الناحية‭ ‬بقرطاج من‭ ‬أجل‭ ‬تهمة‭ ‬هضم‭

سمية الغنوشي

‬جانب‭ ‬موظف‭ ‬عمومي‭ ‬بالقول،‭ ‬والتجاهر‭ ‬عمدا‮ ‬‭ ‬بالفحش‭ ‬والسكر‭ ‬الواضح‭”.‬

وبما ان كل شيء اصبح مسيسا وموضعا للاصطفاف والتجاذب في تونس اليوم، من الثقافة الى الفن ومن المعرفة الى الرياضة، فكذلك هو الامر بالنسبة لعالم الحب والقبل..

بيد ان هذه الحادثة العرضية، وبغض النظر عمن يدافع عنها ومن يستنكرها، قد فتحت باب النقاش واسعا حول قضية اكبر، تتعلق بما يدخل في حيّز ما يمكن تسميته بالفضاء الخاص، وما هو مشترك ويدخل في اطار ما يعرف بالفضاء العام.

لا شك ان كل المجتمعات تميز على نحو او آخر بين هذين المجالين، وان بدرجات متفاوتة. كما ان خطوط الفصل والوصل بين الخاص والعام ليست جامدة ونهائية، بل متحركة ومتغيرة بتغير اوضاع المجتمعات وأعرافها العامة التي ترسم ما هو مقبول ومباح، وما هو مذموم ومنكور.

ورغم ان المجتمعات والثقافات تتقارب في مساحات كثيرة بما يؤسس ما يمكن تسميته بالمشترك العالمي او القيم الكونية، الا انه لا توجد معايير كلية متطابقة بين كل الشعوب والأمم في كل الأحوال، بل ان معايير المجتمع الواحد نفسه تتغير من مرحلة الى اخرى.

وان كان ذلك لا يعدم ميل ثقافة او أمة معينة في وقت من الأوقات الى فرض قيمها ومعاييرها الخاصة على كل شعوب المعمورة، بفضل ما تمتلكه من أدوات القوة المادية والمعنوية، ثم نزوعها نحو الهيمنة تحت عنوان الكونية.

ولهذا السبب تحتاج الثقافات والامم الى التحاور والتعارف، لتجسير الهوة فيما بينها، وبناء ما هو عام ومشترك وتجاوز الخصوصيات المنغلقة على نفسها.

وعودا على بدء فيما يتعلق بملف ” القبلة” وتبعاتها وما اثارته من صخب وجدل، فإننا نرى من الأهمية بمكان تجاوز اطار الأيديولوجيا، والاحتكام بدلا من ذلك الى ما الفه الناس في حياتهم اليومية والعادية، وما يعتبرونه مقبولا ومباحا، وما يعدونه مرفوضا في الفضاء العام، من غير تكلف او تعسف.

وحتى نجلي الامر اكثر ونفصل ما هو مجمل وعام فاننا نقول: من الواضح ان المجتمع التونسي يتسم في صورته العامة بقدر كبير من التسامح والأريحية، وينبذ التشدد والتعصب في التعامل مع سلوك الناس وخياراتهم. ولكن ذلك لا يعني انه يستبيح كل شيء، او انه لا يرسم خطوطا فاصلة بين ما هو خاص وما هو عام، وبين ما هو مقبول ومذموم في سلوك الأفراد والمجموعات في الحياة العامة.

ولذلك قد يغض الطرف او يتجاهل بوعي او دون وعي قبلة عاطفية بين الجنسين هنا او هناك، ولكنه بكل تاكيد يمتعض من المجاهرة بمثل هذا السلوك في المجالس والساحات العامة، ويصنف ذلك في باب قلة الأدب والاحترام (قلة الحياء)، لانه يعتبر مجال العلاقات الحميمية بين الازواج والمحبين في البيوت والحياة الخاصة، لا في الشوارع والفضاءات العامة، التي تضم الكبار والصغار والشيوخ والراشدين وغير الراشدين على السواء.

ولا نتحدث هنا عن التعري وما يدخل في صنفه، وهو ما لا تجيزه اي ثقافة من الثقافات، بما في ذلك تلك المبالغة في التحرر والليبرالية.

فمن شاء ان يقبل زوجته او حبيبته او خليلته (او العكس!) ما عليه الا ان يكبح جماح نفسه ويصبر بعض الوقت، حتى يخلوا ببعض خلف الأبواب المغلقة، بكامل حريتهما، وليس من حق اي كان، فردا او هيئة، ان يتدخل في حياتهما الخاصة، “ولا تجسسوا!” (الحجرات)

طبعا، يجب ان ننبه هنا بان من يرسم خطوط الفصل بين الخاص والعام ليس الأجهزة الأمنية والبوليسية، كما يجري في بعض بلاد الخليج مثلا من طرف ما يعرف بالمطاوعة، ولا رجال القانون، بل عادات الناس وأعرافهم التي تضبط المعايير العامة وما يسمى بالاخلاق المدنية.

لذا، يجب ان يتجرد الجميع من حساباتهم السياسية والأيديولوجية، ويقروا بان ما هو مقبول في لندن وباريس ونيويورك ليس بالضرورة مقبولا في تونس والقاهرة وجاكرتا وأبوجا.

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.