تركيا: الحليف المبغوض

يرى مراقبون أن أزمة التأشيرات الأخيرة بين أنقرة وواشنطن ليست أزمة عابرة وإنما هي وليدة تراكمات علاقات متوترة بين البلدين تتمثل أهم اسبابها في دعم أمريكا للاكراد زيادة على التقارب التركي الإيراني الروسي

يصنف الملاحظون السياسيون العلاقات التركية الأمريكية تحت مسمى ” الحليف المتوتر” . فرغم أهمية استمرار العلاقات لكلا البلدين إلا أن التوترات تنخفض أحيانا لتعود إلى أعلى مستوياتها في كثير من الأحيان.

ولا تبدو مشكلة منع التأشيرات بين البلدين التي جدت مؤخرا قد أتت من فراغ وليست مجرد أزمة عابرة.

فقد اتخذ السفير الأمريكي في واشنطن هذا القرار بعد صدور حكم قضائي ضد ” متين طوبوز” الموظف بالقنصلية العامة الأمريكية في اسطنبول بتهمة التجسس لصالح جماعة فتح الله غولن ، المصنفة منظمة إرهابية من قبل أنقرة كما وجهت لها تهمة تدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في جويلية / يوليو 2016.

وبنفس العبارات الواردة في بيان السفارة الأمريكية اتخذت سفارة تركيا في واشنطن نفس القرار.

وفي آخر ندوة صحفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  خلال زيارته لأوكرانيا قال ” هناك جواسيس في السفارة الأمريكية و في القنصليات الأمريكية في تركيا . ” معتبرا أن الولايات المتحدة هي من تسبب في هذا التوتر داعيا الولايات المتحدة الى مسائلة سفيرها اذا ماكان قد اتخذ هذا القرار بمفرده.

يرى مراقبون أن العديد من الملفات المفصلية تتحكم في العلاقات الأمريكية التركية تتمثل في النقاط التالية :

تسليم فتح الله غولن

رفضت الولايات المتحدة الأمريكية تسليم الداعية والسياسي المعارض التركي فتح الله غولن إلى السلطات في أنقرة بعد اتهامه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة السنة الماضية. فقد طالبت الإدارة الأمريكية تركيا بتقديم أدلة حقيقة لتورط غولن في محاولة الانقلاب. في المقابل، تساءل رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم ” كيف لأصدقائنا الأمريكيين أن يطالبوننا بتقديم الأدلة على الرغم من أن أفرادا من منظمة القتل التابعة لغولن قد تسببت في مقتل 200 شخص من أجل الانقلاب على حكومة منتخبة”.

دعم الولايات المتحدة للأكراد

أدان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مارس 2016 دعم الولايات المتحدة للأكراد في سوريا و تمكينهم من السلاح، قائلا “إن إصرار واشنطن على عدم فهم طبيعة الأكراد الحقيقية حوّلت المنطقة إلى بحر من الدماء”.

وتعتبر محاربة الأكراد داخل تركيا أولوية بالنسبة لأنقرة، كما أنها حذرت أمريكا من أن تقديم السلاح للأكراد في سوريا، بذريعة محاربة داعش، حاليا سيستعمله الأكراد ضدها مستقبلا لتأسيس دولة كردية شمال تركيا.

كما أن تركيا لم تسمح للطائرات الأمريكية باستعمال قواعدها العسكرية في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام، باعتبار الحدود التركية الممتدة مع الدولتين، إلا بعد مفاوضات طويلة. ويبدو  أن الأمر لم يكن سوى مقايضة تتمثل في السماح للطائرات الأمريكية بالاقلاع من تركيا، مقابل غض أمريكا الطرف عن ضرب تركيا للأكراد.

بالاضافة لذلك، تعتبر تركيا أن رحيل الرئيس السوري بشار الأسد ضروري لاستقرار سوريا، في حين لا تنظر واشنطن للأمر على أنه ذي أولوية في الوقت الراهن، وتركّز على محاربة داعش خاصة في العراق. كما أن تدخل روسيا إلى جانب بشار الأسد قد زاد الأمر تعقيدا.

التقارب بين أنقرة وطهران وموسكو

 

في تصريح  لوكالة الانباء الايرانية “ارنا” قال مستشار أردوغان إلنور تشيفيك “ان التعاون الوثيق بين تركيا وإيران بشأن قضية كردستان العراق أذهب بعض “المؤامرات” الأميركية إلى “المزبلة”.

فيما أكد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، خلال استقباله الرئيس التركي على أنه لا يمكن الثقة بأميركا والقوى الأجنبية، فهي تسعى لإيجاد إسرائيل جديدة في المنطقة.

وتعتبر زيارة اردوغان الى طهران خطوة مهمة لردم الهوة بين البلدين خاصة فيما يتعلق بالملف السوري، وهي بداية لعلاقات استراتيجية بين قوتين في المنطقة. وقد شكل الوفد المرافق للرئيس التركي ملامح التعاون المنشود بين البلدين والذي تمحور في المجالات العسكرية والاقتصادية.

كما أن تصريحات أردوغان خلال هذه الزيارة بشأن إسرائيل ودعمها استفتاء اقليم كردستان العراق دق ناقوس الإنذار في واشنطن المدافع الأول عن مصلحة تل أبيب.

يرى ملاحظون أن الولايات المتحدة المتحدة ارتكب اخطاء مجانية في علاقتها بأنقرة قد يتسبب في خسارتها لحليف استراتيجي في المنطقة لصالح روسيا، خاصة بعد التقارب التركي  الروسي وزيارة فلاديمير بوتين إلى أنقرة مؤخرا. وقد وقعا البلدان اتفاقا عسكريا لشراء منظومة صواريخ “إس 400” الروسية.

هذا زيادة على التقارب الدبلوماسي التركي الفنزويلي بعد الزيارة الأولى لنيكولاس مادورو إلى أنقرة الأسبوع الماضي. وقد تناقل الأتراك تصريح  مادورو  “نؤمن بعالم من نوع مختلف، نؤمن بعالم أفضل وهذا ليس ممكناً فحسب، بل ضروري. نريد أن نرسم مرحلة جديدة للعالم، عالم متعدد الأقطاب حيث يجد الجميع مكاناً لهم.”

وقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن توتر علاقة تركيا مع حليفتها في حلف شمال الأطلسي الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي وتحديدا ألمانيا، دفع أنقرة للتوجه نحو إحياء العلاقات مع دول أميركا اللاتينية.

أعلنت تركيا أنها لن تتخلى عن مبدأ ضبط النفس في مرحلة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية والعالمية خاصة فيما يتعلق بسياستها الخارجية .رغم أن أنقرة وجهت في أكثر من مرة اتهامات الى واشنطن بمحاولة فرض مواقفها وآرائها على تركيا أحد أهم مكونات حلف شمال الأطلسي. ويرى مراقبون أن ما يحصل قد يدفع تركيا إلى الانسحاب من هذا الحلف وبالتالي خسارة عضو استراتيجي ومهم.

كما تواجه الاستخبارات الأمريكية اتهامات بمساعدة الانقلابيين في تركيا وبأن محاولة 2016 ليست الأولى أو الوحيدة التي تدعمها المخابرات الأمريكية، خاصة بعد أن أصدرت السفارة الأمريكية في أنقرة بيانا اعتبر محاولة الانقلاب”انتفاضة أو ثورة”، كما تهرب رئيس الاستخبارات الأمريكية من هذا السؤال في أكثر من مناسبة ولم يجب سواء بالنفي أو التأكيد.

الكاتب: دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.