دين وحياة

المرأة الداعية بين التغييب والحضور المحتشم

بلِّغوا عني ولو آية

 

لطالما، اقترنت مسألة الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعنصر الرجل في المجتمعات العربية الإسلامية الحديثة والمعاصرة،  فأقصيت المرأة المسلمة من الساحة الدعوية ولم يسمع لها صوت، اما لأسباب سياسية كما يحدث في تونس، أو لأفكار تقليدية مغلوطة، كما هو الحال في السعودية، التي تعتبر النساء نقائص وبربع عقل. هكذا، ظلت المرأة الداعية التي عرفت البزوغ عبر الشاشات الصغيرة والفضائيات بين جدلية الرفض والقبول.

 

المرأة الداعية من منظور ديني

هذا الجدل القائم أفرز نقصا فادحا لحضور المرأة في الحقل الدعوي، رغم أن المولى عز وجل ساوى بين الذكر والأنثى في مسألة الدين والعبادة. والمرأة المسلمة شأنها شأن الرجل، مكلفة بالدعوة وإنارة العقول وفقا لقوله تعالى:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]

 

علاوة على أن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، لم يوكل مسألة الدعوة إلى الله والطريق الحق إلى الرجل وحده دون الأنثى،  وكانت أحاديثه صلى الله عليه وسلم صريحة في الدعوة.

فقد ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال”بلِّغوا عني ولو آية”. رواه البخاري

وورد عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدين النصيحة”، قلنا “لمن؟” قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

 

المرأة الداعية في التاريخ الإسلامي: مثال السيدة عائشة رضي الله عنها

تعد السيدة عائشة رضوان الله عليها، من أبرز النساء الداعيات في عمق التاريخ الإسلامي ومن رواة الحديث المكثرين، كرست حياتها بعد وفاة الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه للدعوة والإفتاء ونشر قيم الدين الإسلامي الحنيف، حتى صارت رضوان الله عليها مضربا للأمثال في نهل العلم وتحصيل المعرفة الشرعية ومرجعا للخلفاء والأمراء.

حتى قال الإمام الزهري عنها : “لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضله”

 

وذكر هشام بن عروة قائلا :”مارأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا بشعر من عائشة”

اشهر نساء الأندلس الداعيات: “عابدة المدينة”

لم تخل الحقبة الزمنية من تاريخ الأندلس، من بروز المرأة التي تدعو إلى المولى عز وجل، فقد كانت “عابدة المدينة “، خير أنموذج  للمرأة المسلمة الداعية في عصر الأندلس، وهي  عالمة ولدت في الحجاز وانتقلت إلى مدينة قرطبة لتدرس الفقه والبلاغة والأدب، عرفت بفصاحتها وكانت من المتفقهات في الدين حيث اشتهرت برواياتها عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه.

 

المرأة الداعية، تقلص دورها عبر الزمن، نتيجة لعدة عوامل ترتبط بنقيضين، أحدهما يدعو إلى الحداثة ويهمش دور حضور الدين عموما ويسعى لالغاء دور الدعاة، نساءا ورجالا، والآخر يلتحف بثوب الجاهلية التي تقصي المرأة وتقزم حجمها الفكري ودورها الاصلاحي في المجتمعات الإسلامية،  فيفرز ظاهرة المجتمع الذكوري الذي يشرع ويحلل وفقا لثقافته المتوارثة اجتماعيا، أبا عن جدّ.

 

تونس حضور محتشم أومنعدم

تونس، رغم أنها تعد سباقة في تاريخ تعليم المرأة، حيث كانت جامعة الزيتونة، فضاءا حيّا لتعليم البنات، إلا أن هذا الاهتمام بتعليم المرأة في المجال الفقهي والديني، لم يدم كثيرا، حيث وقعت محاربته خلال فترتي حكم بورقيبة وبن علي، من خلال الدعوة إلى الحداثة والالتحاق بركب الدول الغربية.

كل ذلك اخرج إلى الفضاء العام بيئة مفتقرة إلى المرأة الداعية، التي يقتصر دورها على المحاضرات في الكليات، في حين غيبت من المساجد والمنابر ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية. ولا يختلف حالها في ذلك كثيرا عن حال الدعاة والمشتغلين في الحقل الاسلامي من الذكور.

 

وعن الأسباب الرئيسة لحضور المرأة المحتشم في المجال الدعوي تقول الدكتورة فاطمة شقوت، أستاذة علوم القرآن والتفسير في جامعة الزيتونة لمجلة ميم “ان السبب الرئيسي هو ما تعرضت له البلاد التونسية،  بما يعرف بسياسة تجفيف المنابع عموما، عبر إقصاء المرأة وحرمانها من حقوقها كمواطنة تونسية، أهمها أن تتمتع بحقها في التعلم والترقي في الدرجات العلمية في مختلف التخصصات، وخاصة العلوم الشرعية وهذا يخص كل امرأة تأكد انها ذات توجه إسلامي.

 

السعودية، حضور محتشم للمرأة الداعية جراء عقلية المجتمع الذكوري

في السعودية، يهيمن الدعاة الرجال على الساحة الدعوية، حيث توكل إليهم مسألة الإفتاء والدعوة في منابر المساجد، ناهيك عن البرامج التلفزية والفضائيات.

وقد امتدت هذه الهيمنة كذلك الى صفحات التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر وفايسبوك. وهو ما أدى إلى إقصاء دور المرأة الواعظة والداعية، التي مايزالت رهينة أفكار متشددة تحجب المرأة وتغيبها عن الفضاء العام وترى كل ما فيها عورة، من صوتها الى وجهها، فتكبلها وتحد من قدرتها على التواصل مع غيرها، وتتركها حبيسة البيت وفضاءات نسائية لا تهتم كثيرا بالشأن العام ولا باصلاح المجتمع.

 

غير أن ذلك لم يحل دون بروز بعض الداعيات اللائي تتردد أسماؤهن ويعتبرن مراجع، رغم احتشام ظهورهن، مثل  الداعية رقية المحارب (التي شملتها حملة الاعتقالات الأخيرة) و الدكتورة صالحة الحليس المتخصصة في الفقه وأصوله بجامعة أم القرى والدكتورة فاطمة النصيف.

 

داعيات الفضائيات، مازلن يثار حولهن الجدل

داعيات الفضائيات، هن فئة النساء اللاّتي خيّرن البروز من خلال الفضائيات والشاشات الصغيرة، ليخاطبن العقول ويُسألن ويفتين، من خلال برامج هادفة، تسعى إلى الإجابة عن اسئلة المشاهدين والمستمعين في مسائل فقهية تتعلق بالحياة اليومية وتفاصيلها.

وقد عرف العقدان الأخيران بروز داعيات مصريات اقترنت أسماؤهن بالفضائيات، مثل الدكتورة عبلة الكحلاوي والدكتورة سعاد صالح وغيرهما من الوجوه النسوية البارزة التي اشتهرت عبر قناتي اقرأ والرسالة. والتحقن بهؤلاء داعيات سوريات، من أبرزهن الدكتورة رفيدة حبش و الدكتورة لينا الحمصي والدكتورة الشابة سيرين حمشو.

 

هذه النخبة التي برزت من خلال المنابر التلفزية ما تزال تخلق جدلا في الوسط الاجتماعي والديني، الذين يعتبران ظهور المرأة عبر الشاشات مرفوضا حتى لو كانت بغرض الدعوة.

وقد ذهب الفقيه السعودي عبد الرحمن بن ناصر البراك، إلى أن ظهور المرأة الداعية على التلفاز بحجابها الشرعي، ولو لغرض الدعوة والفتوى فتنة!!

أهمية دور المرأة الداعية اجتماعيا واسريا

حضور المرأة في الحقل الدعوي مسألة مهمة في الوقت الراهن، وقد نوهت إلى ذلك العديد من الشخصيات النسوية الناشطة في هذا المجال الديني. حيث أكدت  الأستاذة بكلية الآداب جامعة الكويت، هيفاء السنعوسي، على أهمية دور المرأة الداعية،  واعتبرت أن “المرأة نصف المجتمع وهي دعامة أساسية في بنائه ولا غنى عنها، والمرأة المسلمة بطبيعة الحال تحرص على مرضاة الله بإخلاصها في العمل وعدم التقاعس في جميع الأحوال، وهذا لا يعني أن تنصر إلى عملها بشكل يدفعها إلى التقصير في أداء مهمتها الأساسية في بناء أسرة مثالية. “

وأشارت الدكتورة أسماء الرويشد، المشرفة العامة على مؤسسة “آسية” للاستشارات والتدريب السعودية، في دراسة لها، إلى ضرورة  توجيه الاهتمام إلى تفعيل وتنشيط العمل الدعوي النسائي، قائلة ” المرأة أكثر إدراكاً لخصوصيات المجتمع النسائي ومشكلاته حيث يجمعها معهن نفس الخصائص، كما يجمعها معهن فرص كبيرة وواسعة تمكنها من الاتصال بهن والتأثير عليهن فهي أقدر في التأثير على بنات جنسها، وأكثر إلماماً بما ينبغي أن يكون عليه الخطاب الدعوي النسائي.”

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.