الرئيسيثقافة

“وصفولي الصبر”، عندما يرسم المسرح معاناة المرأة مع سرطان الثدي

“وصفولي الصبر”، ربما يتبادر إلى ذهن قارئ من خلال العنوان للوهلة الأولى، أنّه بصدد الاستمتاع بنص أدبي يحكي قصة أغنية “دارت الأيام”، للفنانة الراحلة أم كلثوم.

ولكن الصبر الذي نتحدث عنه ونصفه هذه المرة في الحقيقة هو أعمقُ بكثير، هو صبرٌ ونضالٌ وتجلدٌ يعجز حتى الصبر عن تحمله..  فهو صبر المرأة أمام وبائها القاتل نفسياً وجسدياً، منذ اللحظات الأولى لاكتشاف مرض سرطان الثدي.

مرض سرطان الثدي، أو قاتل النساء كما يوُصف، يعد واحداً من أخطر الأمراض فتكاً بالعنصر الأنثوي، وفقاً لإحصائيات قدّمتها منظمات الصحة العالمية، بيّنت أنّ العالم يشهد 1.6 مليون إصابة جديدة بهذا المرض.

’’ انتشار الوباء الفّتاك في السنوات الأخيرة، دفع بالنخبة المثقفة النسوية إلى إطلاق مبادرات وفعاليات، تهدفُ إلى التوعية من مخاطر المرض والتحسيس بمعاناة المصابات به’’.

المسرح مرآة الألم

وفي هذا الإطار، خرجت المخرجة اللبنانية “لينا أبيض”، من خلال مسرحية “وصفولي الصبر”، كشفت فيها للعالم، رحلة معاناة النساء العربيات، اجتماعياً وأسريا وصحياً، عن “تابو” المسرح العربي، فهبت صرخة نسوية، تعبّر عن الواقع وتنقل حقائق وشهادات لنساء ضحايا السرطان، الذي لم يشوّه فقط جسدهن، بل شوه كل حياتهن.

“وصفولي الصبر”، لم يتمظهر فيه إبداع المخرجة “لينا أبيض”، التي قالت عن عملها أنّه نقل تجارب من الواقع، و” كل ما نسمعه في العمل على المسرح هو حقيقي.”، بل تألقت  فيه  كتابته الباحثة في جامعة “دورهام” البريطانية “عبير همدر”،   إلى جانب فريق نسوي متألق، من جنسيات عربية مختلفة، عمل على إيصال الواقع المرير للمشاهد العربي، منهن “سهى شقي” و “هبة سليمان” و “مي أوغدن سميث” و “ماريان مرروم”، وعلى رأس هذه القائمة برزت 3 شخصيات نسوية رئيسية، منهن الممثلة العراقية، “نماء الورد” والفلسطينية “ديما الأنصاري” و “عليا الخالدي”.

لم يخلُ العمل المسرحي من العنصر الذكوري، فقد حضر فيه رجل واحد وهو السوري” سيف أحمد”، الذي لعب دور “أبو فراس”، وصور ألم الوطن العربي وصمته الرهيب.

تجارب على خشبة المسرح

تدورُ أحداث مسرحية “وصفولي الصبر”، حول 3 شخصيات نسوية أصيبت بمرض السرطان، ولكل واحدة منهن دور يختلف عن الأخرى في تصوير المعاناة والآلام، والرغبة في التغلّب على “هيداك المرض”، كما يصفونه، إحداهن رفضت حقيقة إصابتها بالمرض، والأخرى استطاعت التعايش معه، بينما تمكّنت المرأة الثالثة من التغلب عليه.

شخصية “سلام”، التي تقمّصت دورها الممثلة الفلسطينية “ديما الأنصاري”، نقلت صورة المرأة التي اكتشفت لتوّها إصابتها بالمرض، فتدخل للعيادة طلباً للعلاج، تجتهد في إخفاء حقيقة مرضها عن الناس، وتقول بأنّه “التهاب صغير بصدرها”، لعلّها تقدر على الاحتفاظ ببقايا من حياتها الزوجية، بعد قرار زوجها تركها لعلمه بمرضها، وفي نهاية المطاف ترضخ “سلام” لضرورة العلاج الكيميائي، ثم تقوم بحلق شعرها وتلبس حجاباً.

في المقابل، تقف شخصية ” عليا الخالدي” في دور “منى”، التي تجسّد دور امرأة مثقفة، اكتشفت حقيقة مرضها، فتقبلت الأمر بهدوء وروية وسلام، وقرّرت التعايش مع “الزائر العدو”.

أمّا الشخصية الثالثة “إلهام” للممثلة العراقية “نماء الورد”، فكان لها صدى قوياً على خشبة المسرح، قامت بنقل أوجاع المرأة المصابة في العراق، ومعاناتها في ظل الاحتلال الأمريكي والصراع الطائفي، والحروب التي لا تتوقف، وعكست صرخات ومعاناة تتحملها العراقيات، جرّاء انعدام الأدوية أو نفادها، فكان المشهد رهيباً ومريراً.

’’ وسط صمتٍ موجع ولا مبالاة قاسية، لمعاناة نسوة يتجرعن في صمتٍ ألم المرض، ينبثقُ العمل الإبداعي “وصفولي الصبر”، ليُخرج المسرح من المعهود (الفكاهة والتسلية)، إلى دور التحسيس بمعاناة نصف المجتمع وعماده، يصوّر شقائهن ودمعاتهن، ويرسل إشارات، بأن لا يخجلن من المرض ولا يستسلمن’’.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.