ثقافة

الزهراء، مدينة الحب والعشق

مدينة بنيت من أجل امرأة

في شهر تشرين الثاني سنة 936 ميلادي، أمر الخليفة  عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقب بالناصر (912–961)، ببناء مدينة الزهراء لتكون امتدادا للعاصمة الأندلسية “قرطبة” و مقرا  جديدا للخلافة الإسلامية الأموية، في بلاد الاسبان.

 

الزهراء، “من عجائب أبنية الدنيا”

مدينة الزهراء الاسلامية، كانت مضربا للأمثال في الحسن والبهاء وجمال البنيان والمعمار.

ذكرها المؤرخون العرب الذين زاروها، في كتبهم ومؤلفاتهم.  فقال عنها  أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي، انها “مدينة عظيمة مدرجة البنية، مدينة فوق مدينة…. كان الجزء الأعلى منها قصوراً يقصر الوصف عن صفاتها، والجزء الأوسط بساتين وروضات، والجزء الثالث فيه الديار والجامع”.

 

فيما وصفها المؤرخ وقاضي القضاة، شمس الدين بن خلكان الدمشقي (608_ 681ه )،  قائلا: ” والزهراء من عجائب أبنية الدنيا….وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب.”

 

هذه المدينة العجيبة، التي أبدع المؤرخون القدامى في وصفها، لم تقترن تسميتها باسم أنثى، هباء ولا اعتباطا ولكن تذكر المراجع التاريخية، أن الفضل لتأسيسها كان لامرأة الخليفة “الزهراء”، التي اشتهر بحبه لها، حتى صار لا يرفض لها طلبا.   

 

الزهراء، امرأة أسست من أجلها المدينة

ارتبط اسم مدينة الزهراء، بجارية الخليفة الناصر لدين الله، الذي يقال أنه، أسس هذه المدينة بطلب من جاريته “الزهراء”، التي قالت له، لما رأت منه من حب وعشق كبيرين “اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي، وتكون خاصة لي”.

 

وفعلا أمر الخليفة الناصر، ببناء المدينة في شمال قرطبة، تحت جبل العروس. فكانت مثالا للجمال في المعمار والاتقان في البناء وجعلها مسكنا لجاريته الحبيبة “الزهراء” ومستقرا لها.

 

ويذكر المؤرخون المهتمون بتاريخ العرب في الأندلس، أن الزهراء لما جلست في مجلسها، لاحظت جمال بياض مدينتها وسط جبل العروس، الذي اتسم بالسواد، فأخذ ذلك منها وحاز في نفسها وساءها أن يقبح منظر السواد حسن الزهراء، فقالت للخليفة “: يا سيِّدي، ألا ترى إلى حسن هـذه الجارية الحسناء في حجر ذلك الزنجي؟”

 

فما كان بالخليفة الولهان، إلا أن أمر بإزالة الجبل، فاستهجن بعض بعض جلسائه، ذلك، وقالوا في تعجب:”أعيذ أمير المؤمنين أن يخطر له ما يشين العقل سماعه، لو اجتمع الخلق ما أزالوه حفرًا ولا قطعًا، ولا يزيله إلاّ من خلقه.”

 

حينئذ قرر الخليفة، أن يحول قبح الجبل إلى بساتين وروضات من الخضرة، فغرس أشجار التين واللوز. التي أصبحت بمثابة لوحة فنية، كلما أزهرت أشجار اللوز وأينعت واشتد بياضها، وسط الخضرة.

 

لم يقتصر دور مدينة الزهراء على السياسة، فحسب، بل كانت ملهمة الشعراء والعشاق، من أمثال ابن زيدون وولادة، الذي جمع بين وصف جمال حبيبته ووصف سحر المدينة، حتى صارت الزهراء تعرف بمدينة العشق والشعر والسحر.

 

الزهراء مدينة الشعراء العاشقين

تعد مدينة الزهراء، متنفس العشاق وملهمة الشعراء. وقد ذكرها شاعرنا ابن زيدون، الذي هام بحب حبيبته ولادة بنت المستكفي، التي كانت بدورها شاعرة وعدت العاشقة الوحيدة، في تاريخ العرب،  التي أعلنت حبها جهرا لحبيبها ابن زيدون، وتجلى ذلك  بوضوح في أشعارها وقصائدها.  ومن أشهر أبياتها التي غنتها في الزمن الحاضر الفنانة السورية، عازفة العود، وعد بوحسون :

أنا والله أصلح للمعالي.. وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أمكّن عاشقي من صحن خدي.. وأعطي قبلتي من يشتهيها

 

 

 

 

في هذه المدينة الأندلسية، ضرب الحب موعدا، حتى خلدت ذكراه منذ ألف سنة. غير أن عاشقينا كان الفراق سبيلهما، بسبب الغيرة والوشاة. فما كان من شاعرنا إلا أن كتب قصيدته الشهيرة “الزهراء”، واصفا لوعته وحنينه لحبيبته ولادة، التي ارتبطت بجمال زهرة قرطبة والأندلس.

 

انيِّ ذكرتكِ بالزّهراء مُشتاقَا ‏… والأفقُ طلقٌ وَوَجهُ الأرض قد راقَا‏

وللنّسيم اعتلالٌ في أصائله‏ …  كأنّه رقّ لي فاعتلّ إشفاقَا

والرّوضُ عن مائِه الفضيِّ مبتسمٌ‏ … كما شقَقت عن اللبّات أطواقَا

نلهو بما يستميلُ العينَ من زَهرٍ … جال النّدىَ فيه حتى مال أعناقَا

كأنّ أعينَه إذ عاينتْ أرَقيِ‏  … بكتْ لما بيِ فجالَ الدّمعُ رقرَاقَا.‏

ورد تألق في ضاحي منابته …  فازداد منه الضحى في العين إشراقا

رى ينافحه نيل وفــر عبــق … و سنــان نـبــه منـــه الصبـح أحداقـا

كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ــــا …  أليـك لـم يعد عنها الصدر إن ضاقا 

 

مدينة الجمال تسير نحو الخراب

الزهراء مدينة الجمال والحب، كما أن حب ولادة وابن زيدون،  ذاق طعم الحرقة والفراق، فقد كان الخراب بدوره في انتظار هذه المدينة التي كانت رمزا شامخا للحضور الاسلامي في الأندلس.

سرعان مافقدت هذه المدينة اشعاعها وبريقها بعد سيطرة الحاجب منصور بن أبي عامر(327_ 938)،  على الحكم الذي بادر الى تأسيس مدينة جديدة عرفت ب”الزاهرة”،كان مصيرها الهدم حين عمت الفتنة والصراع على الحكم في القرن الخامس ميلادي في  بلاد الأندلس.

وقد كتب عنها الفتح بن خاقان(480_528ه): “وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالي ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها، والوهى بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار غراب ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأفياءها، وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت، أيام نزلوا خلالها، وتفيؤوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجناتها، ونبهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأضحت ولها بالتداعي تلفع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤى وأحجار، وقد هوت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيه الجديد ..”

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد