دين وحياة

إنِّي محسودة!

مدونات

 

إنِّي محسودة “ألمٌ في رأسي لا يتوقّف، يبادرني التثاؤب كلّما أمسكتُ مُصحفاً، أشعرُ بضيقٍ عندَ سماعِ القرآن، تراودني أحلامٌ مخيفةٌ لا تنتهي، لا تتمُّ لي بهجةٌ في حياتي، كلّما بدأتُ أمراً فشِلَ وانتهى، أخاف وتتردد عليّ أفكارٌ وهواجسَ لا تريحني.. أنا ولا بُدَ محسودة”.

 

كانَ هذا جزء من حوارٍ طويل اشتكت خلاله إحدى الفتيات من سوء حالها ومرحلتها التي تعيش فيها حالياً إذ أنّ كلّ أمورها

قد استاءت نتيجة حسدٍ أصابها مؤخّراً. يكادُ الحديث عن الحسد لا يتوقّف في جلسات كثيرين، وتكادُ شمّاعة الحسد أن تكون أكثرَ ما يتحمّل منّا أعباءً تُلقى عليه.

وما إن تستنكر على أحدٍ كثرةَ وسواس هذه الفكرة لديه حتى ينهال عليكَ بكمٍّ من الآيات والأحاديث والقصص التي تؤكّد أنّ الحسدَ موجودٌ وأن العينَ حقٌ وأن الله قد ذكرها في كتابه الكريم وأنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد أوردَ لها علاجاً دلالةَ وجودها.

ويُكثرُ لكَ أحدهم ذكرَ براهين تثبتُ فصلاً وقطعاً بأنّ أمرَ الحسدِ خطير جداً، حتى لكأننا نعيش على كوكبٍ يشكّل هذا الحسد فيه واحداً من أهمّ المشاكل التي تتعرّض إليها البشرية عامةً وفي منطقتنا خاصة.

لقد وردَ ذكرُ الحسد في القرآن فعلاً، وجاءَ في أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – ما يُثبِتُ وجودَ العين حقيقةً، ولعلّ معظمنا مرَّ بمواقف شخصية شعرَ بوقعِ هذا الحسد عياناً ومشاهدة، وربّما ندمنا في مواقف كثيرة أننا تكلّمنا عن أشيائنا الجميلة قبل أن تكتمل وشعرنا أنّ عيناً قد أصابتها فنزعت البركة منها فلم تنتهِ على خيرٍ أبداً، وربّما تواصينا فيما بيننا مطوّلاً بأن نستعين على قضاء حوائجنا بالكتمان، ولعلّنا جزعنا من نظرات شخصٍ لشيء جديدٍ اقتنيناه، أو لحديثه عن شيء لنا دون نطقٍ لـ “ما شاء الله” أو ما شابه.

لكنّ ذلك كله لا يعني أبداً أن تتحوّل حقيقة الحسد والعين إلى هاجسٍ و”فوبيا” تعطّل علينا أعمالنا وتجعلنا نصرف أذهاننا عن التفكير بأخطائنا التي جعلت أمورنا لا تكتمل ونضع اللوم كلّه على هذا الحسد الذي أفسد علينا حياتنا، فننسى أننا لم نكن مستعدين لإجراء مقابلة العمل الجديد بما يكفي حقيقةً لتوظيفنا ونذكر أننا أخبرنا فلاناً عن هذه المقابلة فحسدنا عليها، ونتجاهل أن أسلوبَ حديثنا المنفّرٌ للناس والذي يحملُ نفَسَ غرورٍ بغيض هو ما يجعلنا لا نكمل علاقةً بصورةٍ جيدة، وأنّ الحادث وقعَ نتيجة سرعتنا، وأن كثيرةً من الأشياء عندما وقعت كانت نتيجة سبب نحتاجُ أن نلتفت إليه جيداً.

إن القرآن الكريم والسيرة النبوية عندما جاءا بذكر العين والحسد لم يكن ذلك استعراضا لواحدٍ من مخاوفِ العمرِ ومصائبه، بل متبوعاً ومصحوباً بعلاجٍ وطمأنينة بأن هذا الأمرَ وإن وُجِد فتحصين الله لكَ أقوى وقدرتك على تجازه أكبر. إن إدراكك لوجود نفسياتٍ تتمنّى انتزاع الفرحة من غيرها وقلوبٍ تستاءُ من نعمةٍ أتت لآخرين لا يعني أن يصبِحَ هؤلاء نقطة ضعفكَ في هذا العمر أبداً، بل يعني أن تتعلّم بدايةً كيف تنوء بنفسكَ عن هذا المرض تماماً، وكيف تتمنّى لغيرك ما تتمناه لنفسك، وكيف تسأل الله دوام النعمة للآخرين وأن يرزقك الله مثلها أو أفضل، وكيف تتلفّظُ بأذكار وكلمات بالحفظ كلما رأيت ما يعجبك عندَ غيرك.

 

لكنّ ذلك كله لا يعني أبداً أن تتحوّل حقيقة الحسد والعين إلى هاجسٍ و”فوبيا” تعطّل علينا أعمالنا وتجعلنا نصرف أذهاننا عن التفكير بأخطائنا التي جعلت أمورنا لا تكتمل ونضع اللوم كلّه على هذا الحسد الذي أفسد علينا حياتنا،

 

ثمّ إلى جانب ذلك أن تتعلّم كيف تحصّنُ نفسك وتجعلها في رعاية الله، كيف تبدأ نهارك وتنهيه بقرآنك وأذكارك، كيف تقول عند كلّ خطوةٍ دعاءها وعند كلّ موقفٍ ذكره. يخبرك القرآن أن عليك أن تحدث الناس بنعم الله عليك ظاهرها وباطنها، أن تكلّم الناس عن كرم الله وجوده وعطائه، أن تمشي في الأرض وتحقق ما أتيت لتحقيقه أصلاً.

يعلمك القرآن وتعلمك السنة كيف تتوازن في ردود أفعالك، فلا تجعل حياتكَ متاحةٌ للناس بلا زوايا خاصة لك تكتمها في نفسك ولا أن تجعلها أيضاً سرّاً غامضاً تخافُ على كلّ كبيرة وصغيرةً به مِن أن تُعلَم، أن تتجه للسلوك العملي في تصويب الأمور لا أن تكتفي باللوم والحزن والجزع، أن تنتقي الأشخاص من حولك وتعلم لمن تقول أخبارك ومشاريعك، أن تدرك بأنّ هذا العالم فيه من السوء ما فيه لكنّك تملك أن تتجاوز هذا السوء ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

 

الإيمان الحقيقي يعني ألّا تجعل شيئاً من مخاوف الدنيا يسيطر عليكَ سيطرةً تعيق عملكَ وحياتك، فأنتَ قادرٌ – رغم إيمانك بالحسد والعين – ألّا تجعل هذا الأمر “فوبيا” ترددها أمام كلّ كبيرة وصغيرةٍ من مشاكلك فيتحول الأمر إلى شيءٍ يوقف إنجازك ويؤثر على علاقتك بالنّاس بل وعلى سعادتك أنتَ نفسك. حصّن نفسك واستودع اللهَ أحبابَكَ وحياتك، وثق بإن ما نملك إصلاحه في أنفسنا وحياتنا أكثر مما لا نملك.

 

الوسوم

نور أبو غوش

مدونة من الأردن،  تكتب في القضايا الاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.