ثقافةغير مصنف

في ذكرى وفاة شاعر الخضراء أبي القاسم الشابي

ثقافة


وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ  لَمَّا  سَأَلْتُ :       “أَيَـا أُمُّ  هَلْ تَكْرَهِينَ  البَشَر؟”

“أُبَارِكُ  في  النَّاسِ  أَهْلَ  الطُّمُوحِ       وَمَنْ  يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ  الخَطَـر

وأَلْعَنُ  مَنْ  لا  يُمَاشِي  الزَّمَـانَ        وَيَقْنَعُ  بِالعَيْـشِ  عَيْشِ  الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ  حَيٌّ ، يُحِـبُّ  الحَيَاةَ        وَيَحْتَقِرُ  الْمَيْتَ  مَهْمَا  كَـبُر

فَلا  الأُفْقُ  يَحْضُنُ  مَيْتَ  الطُّيُورِ        وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا   أُمُومَةُ    قَلْبِي   الرَّؤُوم      لَمَا ضَمَّتِ  المَيْتَ تِلْكَ  الحُفَـر

فَوَيْلٌ لِمَنْ  لَمْ  تَشُقْـهُ   الحَيَـاةُ      مِنْ   لَعْنَةِ   العَـدَمِ   المُنْتَصِـر!

 

يصادف اليوم ذكرى وفاة شاعر يصعب وصفه، شاعر الثورة والحرية، شاعر الأمل والحياة، شاعر الحب والغزل، شاعر  كل زمان ومكان… شاعر الخضراء أبي القاسم الشابي.

 

النشأة والتعليم

ولد أبو القاسم الشابي يوم 24 فبراير/فيفري 1909 في قرية الشابة من ولاية توزر، وترعرع بين الواحات التي كانت مصدر الهامه، في كنف عائلة متدينة مثقفة، فوالده كان قاضيا، تخرج من جامع الأزهر وعاد الى جامع الزيتونة بالفكر التنويري مع الفكر الاصلاحي التونسي، فكان أبو القاسم يسافر معه بين المدن التونسية ، وتأثر بجمال طبيعة الأماكن التي زارها فمن سليانة الى قفصة ثم قابس مرورا بجبال تالة وصولا الى زغوان.

وهنا يقول الشابي، ” ثم ها هو أبي ينظر الي بوجهه الباسم الضحوك… ومن عينيه تفيض عواطف الأبوة الرحيمة الحنون… وهاهو يحادثني بصوته الهادئ الرزين… ثم هاهو يماشيني في ضواحي زغوان… ويصعد في سبل الجبل المحفوفة بأشجار الصنوبر والعطر الأريج…. ثم هاهو يشير بيده الى تلك السهول المخضرة المترامية…. ومن بينها تتناثر كثير من الأكواخ الجميلة والقصور الأنيقة التي… تشابه حمامات بيضاء واقفة بين المروج”.

درس شاعر الخضراء بالكتاتيب في ولاية قابس، وهناك اكتسب معرفة في علوم الدين واللغة العربية، وسنة 1920 انتقل الى العاصمة وهو في الثانية عشر من عمره، فتابع دراسته الثانوية بجامع الزيتونة، الى غاية عام 1928، حيث تحصل على الشهادة ثم درس الحقوق لمدة ثلاث سنوات.

الانطلاقة الأدبية

كان الشابي يرتاد مكتبتي قدماء الصادقية والخلدونية، مما جعله يتشبع من الأدب العربي القديم والحديث، واعتمد على الترجمة للتثقف بالأدب الأوروبي والأمريكي، كما كان يطلع على آخر ما استجد من مواقف أدبية ونقدية لدى الغرب.

وعند التحاقه بالنادي الأدبي لقدماء الصادقية. بدأت مواهبه الأدبية ترى النور من خلال قصائده ومحاضراته ، وكانت أول محاضرة له عن “الخيال الشعري عند العرب” والتي كانت عقيدة أدبية وسياسية واجتماعية استعرض فيها كل ما جاء في الشعر العربي من كل زمان ومكان، ثم انضم الى جمعية الشبان المسلمين .

محاضراته كانت تنم عن فكر تجديدي، حيث دعى الى تحرر الشعر العربي وتجاوز السائد والمألوف، وكان يقول “ان قصيدتنا القديمة هي قصيدة حسية تتعامل مع العالم والأشياء تعاملا ماديا سطحيا”.

لا عجب أن قوبل الشابي اذن بنقدا لاذع من  بعض رجال الثقافة والسياسة الذين كانوا يرفضون الانفتاح وتطوير الشعر والأدب، بل وصل بهم الامر الى المطالبة بمقاطعته.

الشابي ينتصر للمرأة

كان الشابي يرى أن القصيدة العربية القديمة شيأت المرأة وجعلتها عبارة عن كائن حسي، كما ان الطبيعة كانت فقيرة جدا في الشعر العربي”. وهو ما دفعه الى احداث رجة لكل ما هو ساكن.

أبو القاسم الشابي الذي تواجد في جيل الطاهر الحداد أي جيل الاصلاح، قد ساهم بدوره في الانتصار للمرأة والتعبير عن كينونتها بشكل مختلف.

فكتب عن المرأة وقال “فكرة مظلمة جائرة استحوذت على مشاعر الشرقي جعلته يفهم من المرأة ملهاة ساعة وسلوة حين وألعوبة في أكف الشهوات.لا. إنها نصف الانسانية التي يجب أن تجتاز السبيل الوعر المحفوف بالأشواك، وأن تقتحم الهاوية المترعة بالدموع والدماء حتى تبلغ قمة الكمال منتصرة ظافرة على جبابرة الإحراج وأبالسة الكهوف”.

ومن أروع ما دوّن عن المرأة  “صلوات في هيكل الحب” الذي كان نتاج تأثره بالمدرسة الرومنسية فكتب عنها وقال”،

عذبةٌ  أنتِ  كالطفولة  كالأحلام   كاللحنِ   كالصباحِ    الجديدِ

كالسماء  الضحوكِ  كالليلةِ   القمراءِ   كالوردِ  كابتسامِ   الوليدِ

يا   لها    من    وداعـةٍ    وجَمالٍ     وشبابٍ    منعّمٍ    أملودِ

يا لَهَا من  طهارةٍ   تبعثُ  التقديسَ   في   مهجة   الشقيّ   العنيد

الشابي … الشاعر الثائر المتمرد

تمرد الشابي لم يبرز فقط في مضامين قصائده، وانما بدى جليا كذلك في اللغة التي اعتمدها والتي رفض فيها الخطاب الشعري السائد في ذلك العصر فكتب بلغة جديدة.

وأحدث الشاعر المتمرد ثورة فكرية ثقافية، فقدم مشروعا جديدا للتعليم الزيتوني و زعزع الرؤى الثابتة.

وترجم ذلك في قصديته “لحن الحياة”، التي تم اعتمادها كنشيد وطني لتونس، وباتت نشيدا للأمة العربية بعد أن تجدد العهد معها خلال ثورة الربيع العربي، حتى أن هناك من قال “الشابي انتفض من قبره ليقود الثورات العربية”.

اذا الشعب يوما اراد الحياة … فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل ان يجلي … ولابد للقيد ان ينكسر

ومن لم يعانقه شوقا الحياة …. تبخره في جوها واندثر

فويل لمن تشبوه الحياة … صفعة العدم المنتصر

كذلك قالت لي الكائنات … وحدثني روحها المستتر

ودمدمت الريح بين الفجاج …. وفوق الجبال  وتحت الشجر

اذا ما طمحت الى غاية ….. ركبت المنى ونسيت الحذر

ولم اتجنب وعور الشعاب … ولاكبة اللهب المستعر

ومالا يحب صعود الجبال … يعش أبد الدهر بين الحفر

من قصائد أبي القاسم الشابي

تنوعت قصائد أبو القاسم الشابي ، فتغنى عن الطبيعة، والحياة والفن، وقال،


أقبل الصبح يغني للحياة الناعسة
والربى تحلم في ظل الغصون المائسة
والصّبا ترقص اوراق الزهوراليابسة
وتهادى النور في تلك الفجاج الدامسة

 وتحدث  عن الوطن والثورة والتجديد، ولعل من أبرز ما كتب، تلك الرسالة التي وجهها الى طغاة العالم خلال الاحتلال الفرنسي لتونس، فقال،

ألا أيها الظالم المستبد * حبيب الظلام عدو الحياة

سخرت بأنات شعب ضعيف * و كفك مخضوبة من دماه

و سرت تشوه سحر الوجود * وتبذر شوك الأسى في رباه

والى اليوم تردد قصائد ابي القاسم الشابيفي أجمل الأغنيات

المرض

كان الشابي يشكو انتفاخا وتفتحا في قلبه غير أن الأعراض لم تظهر عليه  إلا في عام 1929، وكان والده يريده أن يتزوج فلم يجد أبو القاسم الشابي للتوفيق بين رغبة والده وبين مقتضيات حالته الصحية بداً من أن يستشير طبيباً في ذلك الوقت، وذهب رفقة صديقه زين العابدين السنوسي لاستشارة الدكتور محمود الماطري الذي حذره من عواقب الإجهاد الفكري والبدني.

لكن زاد وضعه النفسي سوءا بعد وفاة والده وصدمته برحيل محبوبته، فضلا عن اهماله لنصيحة الاطباء في الاعتدال في حياته البدنية والفكرية وكذلك زواجه فيما بعد، وخاصة بسبب أوضاع القهر والفقر والذل السائدة في ظل الاحتلال الفرنسي…

يقول الشابي بإحدى يومياته وقد مر ببعض الضواحي،”ها هنا صبية يلعبون بين الحقول وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم ؟ ولكن أنى لي ذلك والطبيب يحذر علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه يا قلبي! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية”.

وفاة أبو القاسم الشابي

بعد محاولات لمعالجته من عدة أطباء، مثل الدكتور محمود الماطري و الطبيب الفرنسي الدكتور كالو، وتنقله بين طبرقة وعين دراهم للاستشفاء، وذهابه الى مسقط رأسه توزر، ومنها الى ضواحي قسنطينة، ثم عودته الى تونس العاصمة، تحديدا الى حمام الانف للاستجمام ومنها الى أريانة، توفي أبو القاسم الشابي في مستشفى الحبيب ثامر بالعاصمة في التاسع من أكتوبر من عام 1934 على الساعة الرابعة من صباح يوم الأثنين الموافق لليوم الأول من رجب سنة 1353هـ، في عمر لم يتجاوز الخامسة والعشرين.

رحل جسد أبي القاسم الشابي، لكن ظلت روحه حية بيننا. كيف لا وهو شاعر الحياة؟ لكن بقي شعره يتلالأ في الآفاق الرحبة ويشع على بلاده والمنطقة العربية نابضا بأشواق الحرية والانعتاق من القمع والظلم والاستبداد.

مروى وشير

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق