مجتمع

سوريا ما بعد داعش

كيف تبدو خارطة النفوذ في سوريا اليوم؟

يتابع العالم بحماس وترقب الأيام الأخيرة من معركة الرقة المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة، بعد اقتراب “قوات سوريا الديمقراطية” المعروفة ب”قسد” والمدعومة أمريكيا من السيطرة على آخر ما تبقى من أحياء المدينة شبه المدمرة والرازحة وسط عشرات الصواريخ والقذائف المتبادلة بين أطراف الصراع، ناهيك عن القصف الجوي للتحالف، لتكون حصيلة المعركة من المدنيين 2500 قتيل خلال 110 أيام من انطلاق هذه المعركة في بداية شهر “حزيران/يونيو” الفائت.

بالتزامن أيضا مع معارك الرقة التي تنفذها “قوات سوريا الديمقراطية” التي تشكل الميليشيات الكردية 90% من مقاتليها وقياداتها، تخوض قوات النظام والميليشيات الأجنبية المساندة لها على الأرض وبدعم جوي روسي معاركها الأخيرة أيضا على ما يبدو ضد “تنظيم الدولة” في محافظة دير الزور المعقل الهام الواقع على طريق العراق والمحتوي على آبار للنفط. وقد شهد في الآونة الأخيرة تراجعا كبيرا لعناصر “داعش” هناك مما يشي بسيطرة قريبة لجيش النظام على كامل مركز مدينة دير الزور.

بكل تأكيد لن يجد المحللون السياسيون أو العسكريون صعوبة في استنتاج نهاية حتمية “لتنظيم الدولة” داخل الأراضي السورية، خصوصا مع وضوح نوايا واشنطن بالدخول إلى الساحة السورية بعيدا عن نظام الأسد المدعوم روسيا، حتى تتجنب الولايات المتحدة اصطداما آخرا كالذي حصل في السابق إثر دعم الأخيرة لفصائل ثورية في مناطق مختلفة من سوريا بعد التدخل العسكري الروسي قبل عامين بالتمام، وهو التدخل الذي قلب الموازين لمصلحة بشار الأسد في مواجهة الثوار وساعده في استعادة الكثير من المناطق الاستراتيجية آخرها وأهمها مدينة “حلب”.

السيناريوهات المتوقعة

السؤال الأبرز الدائر هذه الأيام في أروقة الدول المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر بالموضوع السوري، هو شكل الخريطة العسكرية لسوريا ومناطق النفوذ بعد خروج التنظيم من المواقع التي سيطر عليها قبل 3 أعوام، إضافة إلى الحديث المتصاعد عن حل سياسي توافقي برعاية “روسية- تركية”، ينهي الصراع الذي باتت دائرة نتائجه تتسع في منطقة تقف على كرة من اللهب وزاخرة بالصراعات، من “اليمن” مرورا بـ”الأزمة الخليجية” و”الصراع الفلسطيني الإسرائيلي” انتهاء بالاستفتاء الأخير في “كردستان العراق”.

كلمة السر ربما تكمن في الموقف الأمريكي الذي تغير بشكل واضح منذ وصول “دونالد ترامب” للبيت الأبيض وهو ما تجسد في إيقاف واشنطن لبرنامج “تمبر سيكامور” الخاص بدعم فصائل المعارضة عسكريا وماليا، في محاولة من إدارة “باراك أوباما” حينها لخلق توازن في معايير القوة العسكرية بين الثوار والنظام. ويتجه دعم الولايات المتحدة الان بشكل كبير نحو المقاتلين الأكراد الأكثر تنظيما والأبعد فكريا وإيديولوجيا عن الإسلاميين، وهو ما يبرز انعدام ثقة الإدارة الأمريكية الجديدة في “الفصائل الثورية” و”الجيش السوري الحر”، التي أكدتها تصريحات “ترامب” لصحيفة “وول ستريت جورنال” عن عدم معرفة ماهية الفصائل التي تدعمها بلاده.

خريطة النفوذ الحالية

بنظرة سريعة على خريطة السيطرة العسكرية في سوريا نجد أن المقاتلين الأكراد أحكموا سيطرتهم “شمال شرق سوريا” بالكامل، فيما يسيطر النظام على “الساحل السوري ومحافظات الوسط والصحراء والعاصمة دمشق”، بينما تتواجد المعارضة في “شمال سوريا” و”الشمال الغربي” المحاذيين لتركيا وبعض المناطق في “حمص” و”دمشق” و”درعا جنوبا”.

هذا التوزع يوحي للوهلة الأولى بأن السوريين سواء كانوا معارضين أو مؤيدين أو على الحياد يملكون قرارا يخولهم بدخول محادثات بعيدا عن الدول الكبرى.  لكن الصورة أكثر تعقيدا مما يتخيل البعض، فالنظام ورأسه “بشار الأسد” لم يعد لديهم القدرة على حماية حتى مؤسسات الدولة وبات يعتمد بشكل رئيس على “روسيا” بالدرجة الأولى و”الإيرانيين” بالدرجة الثانية، بينما تعيش “فصائل المعارضة” أسوأ أيامها بسبب التشرذم والتناحر فيما بينها، وتخلخل “الفصائل الإسلامية” كهيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقا” في إدلب وبعض مناطق درعا، كما تنسق بشكل كامل مع “أنقرة” الداعم الرئيسي لها.

ورغم ظهور “المقاتلين الأكراد” في موقف أقوى نسبيا لكنهم معتمدون بشكل كامل على الدعم الأمريكي دون رضى “تركيا” التي لن تقبل بكيان “كردي” على حدودها الجنوبية.

وعلى ما يبدو فقد حددت الدول التي تملك قرارا في سوريا مناطق نفوذها ولو اضطرت للاصطدام في بينها كما حدث عندما ضربت “القوات الأمريكية” في منتصف “أيار/مايو” الماضي رتلا عسكريا لـ”نظام الأسد” في منطقة “التنف” التي تحوي منطقة عسكرية لقوات من “الجيش السوري الحر” مدعومة من الولايات المتحدة، وهو ما أثار استياء “الروس” حينها رغم وجود اتفاق مسبق بعدم الاقتراب من تلك المناطق.

مناطق نفوذ “كردية برعاية “أمريكية”

“واشنطن” التي تأخرت بالتدخل في “الصراع السوري” وجدت نفسها مضطرة للانخراط فيه بعد ظهور نية الروس للاستحواذ على البلد. هذا التدخل الأمريكي جاء بعد إعلان “الولايات المتحدة” رسميا في شهر “أيار/مايو” الماضي تزويد “المقاتلين الأكراد” بأسلحة ثقيلة للسيطرة على مدينة “الرقة”، فيما يظهر التوجه الجديد للإدارة الأمريكية رغم التحفظات الكبيرة التي ابدتها تركيا.

بالرغم من دعم الأمريكيين للمقاتلين الأكراد التابعين لـ”حزب العمال الكردستاني” العدو الأكبر لأنقرة، إلا أن العلاقة بين الأخيرة وواشنطن لم تشهد خلافا واسعا، خصوصا مع الزيارات المتكررة لوزير دفاع إدارة ترامب “جيمس ماتيس” إلى تركيا التي على ما يبدو كانت بهدف إعطاء الأتراك تطمينات عن نوايا “المقاتلين الإنفصاليين” كما تصفهم الحكومة التركية.

فالولايات المتحدة تنظر لتركيا كشريك استراتيجي في المنطقة وساهمت سابقا في ملاحقة تمويل “حزب العمال الكردستاني” في أوروبا وأرسلت معلومات استخباراتية للأتراك، لكنها بالمقابل تخشى أن يكون حرصها الشديد على الاتصالات الجيدة مع “أنقرة” مقوضا لخطتها في سوريا بالحصول على مناطق نفوذ عن طريق المقاتلين الأكراد.

تركيا ومناطق المعارضة

بالمقابل تعمل “تركيا” بشكل سريع على تأهيل “الفصائل المعارضة” وإعادة رسم “الجيش السوري الحر” وهو المشروع الأمثل للثورة التي دعمتها تركيا منذ البداية، فشكلت “عملية درع الفرات” في “آب/أغسطس” عام 2016 واستعادت مساحات واسعة من “تنظيم الدولة” وخصوصا تلك القريبة من حدودها الجنوبية في “شرق حلب”، وهو الأمر الذي اعتبره محللون ضربة استباقية لقطع الطريق على “القوات الكردية” التي سيطرت حينها على مدينة “منبج” بالريف الشرقي لحلب.

تركيا القوة الثانية في “حلف الناتو” بعد الولايات المتحدة لا تبدو في وضع مثالي على الخارطة السورية، فهي لا ترغب بقطع العلاقات مع “الروس” ولكنها لن تقبل بـ”نظام الأسد” كما تنسق بشكل كبير مع الأمريكيين ولن تقبل أيضا بالمقاتلين الأكراد شمال سوريا. هي أيضا تعمل على الأرض مع فصائل عسكرية هشة تقتتل فيما بينها وقيادات متفرقة، لذلك تسعى لتوسيع دائرة سيطرتها في شمال سوريا وتقوية الفصائل التابعة لها هناك بعيدا عن “تنظيم القاعدة” المتواجد في مناطق المعارضة بإدلب، بجانب سعيها لحل سياسي تلتقط فيه أنفاسها وتلتفت للمشاكل الداخلية خصوصا بعد محاولة الإنقلاب الأخيرة.

روسيا وإيران..صدام متوقع

داعمو النظام “روسيا” و”إيران”، وهو الضلع الثالث في سوريا بعد المقاتلين الأكراد وفصائل المعارضة، يخوضان حربا خفية في الكواليس، فموسكو وطهران كل منهما دفع ثمنا كبيرا في الحرب السورية. ايران التي أرسلت آلاف المقاتلين إلى سوريا منذ بداية الثورة المسلحة أواخر عام 2011 لن تقبل الخروج من الساحة السورية دون الحصول على مقابل يرضي طموحها بفتح طريق بغداد حتى ساحل المتوسط اللبناني، وتحاول من خلال عشرات “الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية” لبسط نفوذها على العديد من المناطق وخصوصا العاصمة دمشق التي أضحت معقلا لكثير من المظاهر الشيعية والحواجز العسكرية المتنوعة الانتماء.

روسيا التي بدورها دفعت ثمنا اقتصاديا وسياسيا باهظا بعد دخولها العسكري لمصلحة النظام، أظهرت طموحاتها بالنفوذ في سوريا مبكرا بعد إرسالها لحاملة طائرات ترسوا على سواحل “طرطوس” وإنشاء قواعد عسكرية واتخاذ قواعد أخرى كمركز قيادة مثل قاعدة “حميميم” العسكرية، لن تقبل هي الأخرى بخفض هذا النفوذ. لكنها من المتوقع أن تحاول التوصل مع الإيرانيين لصيغة ربما تفضي إلى ترك مدينة دمشق و”طريق بغداد” لطهران، وتحصل هي على مناطق حمص ودير الزور والساحل السوري، خصوصا بعد تصويت “الكرملين” على بقاء القوات الروسية في سوريا لخمسين عاما، بقرار يشبه قرارات البريطانيين والفرنسيين أيام الاستعمار للمنطقة العربية.

خطة سيطرة قديمة!

مدير مركز “إدراك” للأبحاث والمحلل السياسي باسل حفار وفي تصريح خاص لموقع مجلة ميم قال إن مناطق النفوذ الخارجي أو التدخل الخارجي لم يكن وليد الأشهر الأخيرة، ولا علاقة له بمسارات المفاوضات السياسية في جنيف، وإنما بدأ الحديث حوله في نهاية عام 2014 وفق ما ذكر مركز “راند” الأمريكي في مادة اسماها “خطة سلام من أجل سوريا”.

وأضاف حفار أن فكرة ارتباط منطقة معينة بجهة خارجية واحدة ليست دقيقة، وأن معظم المناطق ستشهد وجودا لقوات “مختلطة”، وفق خطة دولية، على الرغم من تواجد فردي للقوى المؤثرة على طول الخريطة السورية.

لكن مدير مركز “إدراك” أكد أن هذه القوات “المختلطة” ستكون خاضعة للدول الثلاث الضامنة وهي “روسيا وتركيا وإيران” مضيفا أن الولايات المتحدة لم تحسم أمر بقائها داخل الأراضي السورية.

هل ستبقى سوريا على شكلها الحالي؟

ربما حصلت الولايات المتحدة على شمال شرق سوريا، وتركيا على شمال سوريا وروسيا على الساحل والوسط وإيران على دمشق العاصمة، صورة قد تتشكل واقعيا إذا ما استمر الصراع الدائر لمدة أطول.   قد يرى البعض هذه الصورة قاتمة وفيها الكثير من المبالغة، لكن الواضح حاليا أن سوريا التي نعرفها سابقا لن تعود كذلك على الأقل في المستقبل القريب، حتى لو توقفت المعارك وتم التوصل لحل سياسي.

عبد الله طعمة

صحفي مختص في الشأن السوري

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق