الرئيسيثقافة

حوار مع صاحب رواية “المشتبك”: أقلام الفلسطينيين تكسر قيود الاحتلال

مجلة ميم تحاور الأديب الفلسطيني الشاب عمرو العصا

خلق الكثير من المعتقلين في زنازين سجون الاحتلال الإسرائيلي عالماً خاصاً بهم فجروا عبره طاقاتهم الإبداعية وخلدوا تجربتهم مع الصمود ضد السجّان.

الفلسطينيون المعتقلون، وهم بالآلاف، لم تمنعهم برودة الزنازين وقسوة الجلاد من استكمال مسيرتهم النضالية لتوثيق ما يتعرضون له داخل المعتقلات الصهيونية من تعذيب وترهيب.

زنازين الاحتلال كانت شاهدة على ابداعات المعتقل الفلسطيني الذي خط تجربته وتجارب رفاق الزنزانة المظلمة وحولها إلى اعمال ادبية قربت معاناة الإعتقال والاسر وفقدان الاهل والحضن الدافىء الى القارىء، واحتلت مكانها بين تراث أدب المقاومة في العالم. ومن اكثر هذه التجارب تميزا وأحدثها رواية “المشتبك” للاديب الشاب الفلسطيني عمرو العصا.

من ضيق الزنزانة إلى فسحة الأدب

عمرو العصا شاب فلسطيني مبدع، كسر كل القيود، وتحدّى المحن، وخلق من المحنة رواية.  كيف لا والتألق يولد من رحم المعاناة ؟

تغيرت حياة الشاب، ووجد نفسه في زنزانة بين أربعة جدران.. كان حينها يبلغ من العمر ثمانية عشرة ربيعا. اعتقل ووضع في زنزانة غصت بالأطفال الفلسطينيين الأحداث، وقضى معهم 29 يوما، خاضعا للتحقيق في سجن الاحتلال الإسرائيلي.

نشأ عمرو البالغ من العمر 22 سنة اليوم في بلدة العبيدية شرقي بيت لحم، وهو خريج كلية الفقه والتشريع من جامعة القدس،  وصاحب الرواية الشهيرة “المشتبك” التي ستعرض قريبا في معرض عمان الدولي. نجح بروح الإصرار فيه ان يحول تجربة المعتقل الى رواية من 90 صفحة تستعرض 29 يوما أمضاها في الزنزانة.

لم المشتبك؟

في حوار له مع مجلة” ميم” أكد عمرو العصا أن تسمية الكتاب جاءت من “مضمون الرواية بكل ما يحتويه من المعاني والاحاسيس والمشاعر ويدل على الاشتباك، الاشتباك في جميع اللحظات من بدايتها إلى نهايتها، الاشتباك في المشاعر الداخلية، الاشتباك مع المحققين الإسرائيليين، الاشتباك رغم الإصابة وتخطّي العلاج ، ومع نفسيّة من يحيطون بك”

تعتقل الأجساد …لكن لا تعتقل الأفكار

“ان كانت تجربتي في السجن تبدو بسيطة أمام التجارب الفلسطينية الأخرى، إلا انها تجربة من الجيّد توثيقها و إظهارها الى العالم، لتوضيح ما يمر به الشعب الفلسطيني البطل من معاناة سواء خلف قضبان الاحتلال أو خارجها”

يحدثنا عمرو عن الإعتقال  والاصابة برصاصة من جيش الاحتلال على مستوى الساق، فتّت عظامه وتسبّبت له في إعاقة استطاع أن يتغلب عليها في سجنه وبعد إطلاق سراحه في حياته اليومية.

الرواية هي بمثابة البوابة التي تأخذ القارئ إلى  فلسطين، رواية تتجوّل بفكر القارئ داخل زنزانة الاحتلال” المسكوبية” ، حيث “تضع القارئ بين  أفكار وأحاسيس  الأسير والمصاب الفلسطيني ومرحلة الاعتقال من بدايتها إلى نهايتها.”

يروي عمرو العصا لحظات اعتقاله من بيته ليلا فيقول

كان السریر دافئا في لیلةٍ باردة ألتحف غطائي جیدا، أسمع زخات المطر تتعالى ضرباتھا، اندمج صوت
المطر فجأة بصوت خطواتٍ تقترب من نافذة الغرفة ، كلماتٌ بالعبریة، أضواءٌ تخترق النافذة، ضوؤھا تبعثر
داخل غرفتي، دقات قلبي علا صوتھا، حُوصر المنزل وكادوا خلع الباب ببساطیرھم، ازداد الفراش دفئًا كأنه یقول وداعا، ردت علیھم أمي_ قائلة: “شو في؟ انتظر حتى أضع المندیل على رأسي”

فتحت الباب،
:”ایش في صرعتونا شو بدكوا!!!”.
_قال أنا الضابط شوقي، أین أحمد؟
_قالت أمي انتظر حتى أوقظھ من نومھ.
أقتحم الجنود المنزل خلفھا وصولا إلى الغرفة
قالت أمي: “قوم یا ابني الجیش على الباب بدھم إیاك”.
ما زلتُ محتضناً فراشي الدافئ ، قاموا بتفتیشي وعاثوا بالمنزل خرابا، لم أستطع أن أبدل ملابسي قاموا
بسحبي خارجا والأمطار تتساقط وأنا لا أرتدي سوى ملابس خفیفة، جسدي یرتعش من برودة الجو، قام الجندي بسحبي وتفتیشي مرة أخرى قید یديّ للخلف، ضغط علیھما كثیرا حتى أحسست أن أحد الشرایین قد ینفجر، أغمضَ عینيّ وصعدنا إلى الجیب العسكري.”

ثم يصف العصا زنزانته التي عاش فيها 29 يوما منتظرا بفارغ الصبر لحظة مغادرتها إلى حضن عائلته:

أربعة جدران سوداء خشنة، بينها ثلاث خطوات، ضوء أحمر خافت، بطانية خفيفة السمك، رائحتها نتنة، لباس بني داكن، في أعلى السقف شفّاطان؛ الأول لإدخال الهواء، والآخر لإخراجه، هواؤه بارد جداً، وبابٌ حديدي مصفّح وثقيل يعمل بالكهرباء…”

هذه زنزانتي التي عشت بداخلها تسعة وعشرين يوماً، عيني تتأمل إحدى هذه الجدران، الذاكرة تخترق المكان لتصبح بين من أرادت بشطحات الخيال، عاد بي التفكير إلى ليلة الاعتقال، ماذا حدث؟.”

 “الرواية تجربة انتصار، انتصار فلسطيني على الاحتلال. هي ليست رواية انهزامية ،ولا رواية تحرير، هو انتصار الكرامة وانتصار الإنجاز على جيش الاحتلال والسجان.”

عمرو العصا

أطفال “المسكوبية”

يقول عمرو انه قضى قرابة الشهر في غرفة التحقيق الإسرائيلية سيئة الذكر التي يعرفها جيدا كل من مر على سجون الاحتلال، يمضيها رفقة عدد من الأطفال الصغار ويصف الضغوط النفسية المسلطة عليهم بهدف ترهيبهم ليعترفوا بما نسب إليه من تهم باطلة.

كان الأطفال سريعي الانهيار أمام السجّان الإسرائيلي  وأساليبه في محاولة كسر ارادتهم وإخضاعهم، مستغلا حداثة سنهم، ضاربا بعرض الحائط الاعراف والاتفاقات الدولية بشأن القُصَّر وضرورة الترفق بهم وحمايتهم.

المشتبك في معرض عمان الدولي

يقول العصا في حوارنا معه ان “الرواية تجربة انتصار، انتصار فلسطيني على الاحتلال. هي ليست رواية انهزامية ،ولا رواية تحرير، هو انتصار الكرامة وانتصار الإنجاز على جيش الاحتلال والسجان.”

حدثنا عمرو عن الانتصار الذي حققه على السجان داخل وخارج الزنزانة، لكنه اليوم يحقق انجازا آخر وهو يشهد روايته تعرض يوم 4 أكتوبر 2017 في معرض عمان الدولي للكتاب في قسم دار الغاية للنشر والتوزيع، وتفتك لها مكانا مميزا “في جميع المعارض في كل الدول العربية، كما سيتم توقيع هذه الرواية في الضفة الغربية.”

كتب من وراء القضبان

جعل الكثير من الفلسطينيين من الزنازين فضاءا خصبا لتفجير طاقاتهم الإبداعية وكتابة روايات وكتب تحاكي تجاربهم في سجون الاحتلال وتوثق الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقل الفلسطيني الذي يقف مرفوع الهامة في حضرة سجانه، غير مبال بمحاولات الترهيب والترويع.

كتاب ” المشتبك” للشاب جزء من تراث ادبي فلسطيني ثري، يضم أيضا  رواية “السلك” للأسير عصمت منصور،  وكتاب” نظرة للمقاومة” من الداخل للاسير محمد عرمان، ومذكرات تحت عنوان ” شقة شارع 10″  للاسير القيادي في كتائب القسام سليم حجة، وهي حلقة اخرى في سلسلة ادب السجن والمقاومة الفلسطيني الذي يشع نورا من عتمة الزنزانة ووحشتها.

القضية الفلسطينية قضية تكتب أحرفها من دماء الشهداء والمصابين، بأقلام الأسرى والمعتقلين، أسرى تبقى الزنزانة بداخلهم حين يغادرونها فيواصلون نضالهم  خارجها، عبر روايات تفضح انتهاكات الاحتلال الصارخة ، وقصص تحكي معاناة الوطن المحتل الذي يرفض ان يستكين لقيد السجان.

قلم العصا المقاوم يسجل انتصار الشعب الفلسطيني على الاحتلال وقدرته الهائلة على التجدد، ويجسد إرادة الحياة والبقاء والحريّة المكينة فيه، ورفضه الارتكان للجلاد والاستسلام لسوطه. رواية “المشتبك” نموذج اخر للطاقة العظيمة التي يمتلكها الفلسطيني على تحويل المحن منحا والماسي املا، والسجن ادبا وفنا وجمالا.

حاورته ثريا القاسمي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد