مجتمع

هل ماتت الصحافة الورقية العربية؟

الصحف الورقية تتهاوى أمام المواقع الالكترونية

لعبت “صاحبة الجلالة”  دورا هاما في تاريخ البشرية ، فهي الصوت والقلم والصورة  التي أرهبت الحكام و غيّرت مصير شعوب بأكملها، أقلام أنهت الحروب في دول وأعلنتها في دول أخرى، حتى أن نابليون بونابرت قال عن الصحف “أخاف من ثلاث صحف أكثر مما أخاف من مئات الآلاف من الطعنات بالرمح”.

 

لكن في الوقت الحاضر ومع التقدم التكنولوجي المبهر لم يعد للصحف الورقية مكان ماعدا القليل من العناوين العريقة التي مازالت تكافح من أجل البقاء،فيما تشهد الصحف الالكترونية ازدهارا في الدول العربية والغربية.

تستهوي صحافة الشاشات (الإلكترونية)  القارئ الذي وجد ضالته فيها، وخاصة الأخبار الآنية والحينيّة، على عكس الصحف الورقية التي تنشر أخبارها بعد مرور ساعات من حدوثها.

 

 مع الثورة الرقمية … الصحف من الورقية إلى الإلكترونية

بعد تراجع مبيعاتها اليومية بسبب الثورة الرقمية التي يعيشها العالم اليوم التي أدت إلى تراجع عدد قرائها، وبسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أثرت على كل المجالات  و القطاعات، ومنها قطاع الإعلام، خيرت العديد من الصحف الورقية تغيير نشاطها من الورقية إلى الإلكترونية حتى تلتحق بركب التطور التكنولوجي وتحصل على نصيب أوفر من الرواد الذين يحسنون مردودها المالي ويجلبون لها نصيب أوفر من الإشهار.

 

الصحف الورقية تشكو أزمة مالية لا تقتصر فقط على الدول العربية وإنما شملت أيضا الدول الغربية، كما أن التغيرات التكنولوجية  الحديثة غيبت الصحافة الورقية  وفتحت المجال أمام المواقع الالكترونية التي يتوفر بها شرط الآنية و الحينية في نقل الاخبار،التي أصبحت من أولويات الجمهور في الوقت الذي عجزت فيه الصحف الورقية على  تحقيق شرط السرعة في نقل الاخبار وتأخرت في مسألة الحنية

منجي الخضراوي، صحفي في جريدة الشروق

 

الصحافة الورقية التونسية… صراع من أجل البقاء.

منجي الخضراوي صحفي في جريدة الشروق يؤكد في تصريح لمجلة “ميم” “أن الصحف الورقية تشكو أزمة مالية لا تقتصر فقط على

الدول العربية وإنما شملت أيضا الدول الغربية، كما أن التغيرات التكنولوجية  الحديثة غيبت الصحافة الورقية  وفتحت المجال أمام المواقع الالكترونية التي يتوفر بها شرط الآنية و الحينية في نقل الاخبار التي أصبحت من أولويات الجمهور، في الوقت الذي عجزت فيه الصحف الورقية على  تحقيق شرط السرعة في نقل الاخبار وتأخرت في مسألة الحينية.”

وأضاف الخضراوي أن أول المتضررين من الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد التونسية بعد الثورة هو قطاع الخدمات  وخاصة قطاع الإشهار الذي أثر بدوره على قطاع الاعلام،  مشيرا الى أن “الشركات اليوم عزفت عن الصحف الورقية وتحولت إلى المؤسسات السمعية والمواقع الالكترونية وهو ما أثر على وضع الصحف الورقية.”

في تونس، “صاحبة الجلالة” تمر اليوم بمأزق اقتصادي خطير يتطلب وقفة حازمة من السلط المعنية حتى لا تتعمق أزمة “الكلمة” أكثر، حيث غابت العديد من الصحف الورقية عن الساحة الإعلامية،  ومن بينها صحيفة “الضمير” و “التونسية” ، و “البيان”  الأسبوعية ، بسبب ضعف المبيعات التي لم تتجاوز 100 ألف نسخة يوميّا.  

 

الصحافة الورقية  دخلت في مرحلة عصيبة بسبب شح الاعلانات الحكومية والخاصة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي ألقت بظلالها على البلاد وهو ما أدى الى توقف الكثير من العناوين لأسباب مالية بحتة  في حين حافظت عناوين أخرى على وجودها لامتلاكها مطابع تابعة للصحيفة

طارق يحياوي، صحفي جزائري

بلد المليون… خطر المواقع يهدد الورق

أكد طارق يحياوي وهو  صحفي جزائري يعمل في مجال الصحافة المكتوبة منذ سنة 2011  في حوار خص به مجلة ميم “أن الصحف الورقية تراجعت في الجزائر من ناحية العناوين والتوزيع ، وأصبحت المواقع الالكترونية هي المنتشرة بصورة أكثر في الآونة الأخيرة.”

وأضاف اليحياوي أن “الصحافة الورقية  دخلت في مرحلة عصيبة بسبب شح الاعلانات الحكومية والخاصة نتيجة الأزمة الاقتصادية التي ألقت بظلالها على البلاد وهو ما أدى الى توقف الكثير من العناوين لأسباب مالية بحتة  في حين حافظت عناوين أخرى على وجودها لامتلاكها مطابع تابعة للصحيفة.”

عناوين بارزة للصحف الورقية توقفت في الجزائر عن الصدور والسبب يكاد يكون واحدا، وهو الأزمة المالية التي عصفت بهذه العناوين وجعلتها في طيات النسيان.مثلا، جريدة ” المجاهد الأسبوعي”، وهي صحيفة تأسست سنة 1956 إثر حرب التحرير ضد الاحتلال الفرنسي ، تحولت بعد الاستقلال إلى صحيفة حزبية ثم توقفت عن الصدور ، وكان هذا أيضا مصير يومية “الأحداث” الخاصة التي غادرت هي الأخرى عالم الصحافة المكتوبة لنفس الأسباب المالية.

صحيفة “صوت الغرب” وهي صحيفة تنشط غرب الجزائر بنسختيها العربية والفرنسية.  

غابت عن الساحة الإعلامية كمثيلتها صحيفة ” المصير” التي لاقت نفس المصير واختارت الانسحاب وسط صخب التكنولوجيا الحديثة وشح نصيبها من الإعلانات الحكومية التي لم تتجاوز ربع الصفحة.”

 

أقلام مصر تجف … وأبواب الصحف توصد

تعتبر مصر من أولى الدول العربية التي ظهرت فيها الصحف الورقية، وذلك في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، الا أن هذه الصحف عرفت ضمورا في السنوات الأخيرة فأغلقت العديد منها أبوابها وأعلنت توقفها بشكل نهائي. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، نجد جريدة “التحرير” التي توقفت في شهر سبتمبر 2015 عن الصدور وتحولت الى الكترونية ،وعلل صاحبها سبب ذلك بتوقف القراء عن متابعة الصحف الورقية وتحول اهتمامهم الى الإلكترونية.

أما صحيفة “المصريون”، فقد تحولت من يومية الى أسبوعية وذلك بسبب الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بوسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والبصرية.

في الوقت الذي أعلنت فيه الكثير من الصحف عن توقفها أو تحوّلها الى الكترونية، اختارت صحيفة “المصري اليوم” أن تقلص في عدد الموظفين بها كحل لمواجهة أزمتها المالية، في حين خفضت صحيفة”الوطن” من رواتب الصحفيين.  

مخاض  عسير شهدته الصحافة الورقية  في السنوات الأخيرة ، مما يؤشر على اننا قد دخلنا مرحلة جديدة في حياة الصحافة العربية، واننا نتجه الى الاضمحلال التدريجي للصحف الورقية، لصالح الصحافة الإلكترونية، كجزء من توجهات الاعلام العالمي نحو الرقمنة، حيث بلغ عدد المواقع  في العالم،مليار و 61 مليون موقع ، مواقع الكترونية متنوعة، فيها ماهو اخباري وتجاري وثقافي.

بيروت تودع “النهار و”السفير”

فقدت الأكشاك في بيروت أبرز صحفها الورقية التي اعتاد عليها القراء منذ الأزل، حيث اختارت هذه الصحف أن تودع الورق والمطابع لتتجه نحو الحواسيب والهواتف وتختار المنهج الالكتروني.

ومن أولى الصحف اللبنانية التي اتخذت قرارا بمغادرة الفضاء الورقي إلى العالم الافتراضي صحيفة “السفير” التي أعلمت العاملين بها عبر إعلان  عام يعلمهم بأنها تمر بظروف مالية صعبة عطلت المسيرة التي انتهجتها منذ ولادتها.

جريدة “النهار”  هي الأخرى واجهت صعوبات مالية أجبرتها على العجز عن خلاص العاملين بها لمدة سبعة أشهر، أزمة مالية أعقبها قرار نهائي بالتخلي عن النسخة الورقية وتعويضها بالإلكترونية.

صحيفة أخرى لم يطل عمرها أكثر بعد الأزمات المالية الخانقة التي عصفت بمصير الصحف اللبنانية وغيرت مسارها لتصبح سجينة الحواسيب و الهواتف المحمولة، وهي صحيفة “اللواء”.

مجتمع عربي لا يقرأ

“لست ميتا وان كنت أبدو كذلك ” مقولة تعكس واقع الصحافة الورقية في العالم العربي، التي هجرها الجمهور وتخلى عن الكلمة وعن القراءة، وتشبث بمواقع التواصل الاجتماعي وانجرف وراء تيار المعلومات السطحية وحاد عن مبدأ التحليل وبناء الفكر والموقف التي تتكون من خلال مطالعة الكتب والصحف الثرية بالمواد الدسمة.

ما يميز “الصحافة الورقية أنها تتخلى عن مبدأ الفورية و تدخل الى عمق الحدث، تحلّل وتتطرق إلى كافة جوانب الخبر”

يحدثنا الصحفي التونسي منجي الخضراوي عن دور الصحافة الورقية  التي فقدت عددا هاما من روادها وخاصة الشباب الذي مال الى المواقع الالكترونية والمعلومات الحينية والسريعة.

مقترح آخر يقدمه الخضرواي من شأنه أن يبني جيلا جديدا من الصحفيين، وهو تدريس مادة الصحافة في المدارس والمعاهد التونسية والعربية حتى تتربى الأجيال على القراءة والتحليل والنقد.

صحف عالمية… من ورقية إلى إلكترونية

لم تكن الصحف الورقية العربية هي الوحيدة التي تأثرت بالعوامل التي رافقت ظهور المواقع الالكترونية والأزمات الاقتصادية التي أنهكت العديد منها وأقصتها من المشهد الإعلامي العربي.. الوضع ذاته ينطبق على الصحف الورقية  الغربية التي لم تصبر كثيرا أمام هذه الصعوبات وخيرت اما الهجرة الى المواقع الالكترونية ومغادرة عالم الورق والقلم، أو الانسحاب بصفة تامة والتوقف عن الاصدار.

حيث أعلنت شركة “إي اي ميديا” المالكة بصحيفة “إندبندنت” البريطانية أنها أوقفت اصداراتها الورقية وتحولت إلى جريدة إلكترونية، وجاء قرار الشركة تماشيا مع الثورة الرقمية والتقدم التكنولوجي الذي يضمن استمرار الصحيفة.

الثورة الرقمية عصفت بعدد كبير من الصحف البريطانية، حيث أغلقت منذ بداية 2009 حوالي 200 صحيفة محلية، من بينهم صحيفة ” ذي لندن بيبير” التي كانت توزع أكثر من نصف مليون نسخة يوميا في مركز العاصمة البريطانية ومحطات القطارات.

الصحافة الأمريكية هي الأخرى تأثرت بالأزمة الاقتصادية حيث أعلنت  في أكتوبر 2008 صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” عن إلغاء طبعتها الورقية والاكتفاء بالنسخة الالكترونية بعد قرن كامل من الصدور، وتحولت مجلة “نيوزويك ” الأمريكية إلى الكترونية سنة 2013.

كما توقفت صحيفة “فرانس سوار” عن الصدور منذ شهر 2011 لتكتفي بنسختها على الانترنت.

صحف… وأرقام

قامت جامعة نورث ويسترن  الأمريكية في موفى سنة 2016 بدراسة حول واقع الصحف اليومية الورقية في العالم العربي خلال الفترة الممتدة ما بين 2010 و2015  توصلت فيها إلى جملة من الإحصائيات حول واقع الصحافة المكتوبة في العالم العربي، حيث أكدت أن الصحف المصرية هي الأكثر توزيعا في العالم العربي بنسبة 37 بالمائة تليها الجزائر بنسبة 21 بالمائة ثم تأتي السعودية في المرتبة الثالثة ب13 بالمائة، والإمارات ب12 بالمائة.

وأضافت ذات الدراسة أنه توجد 16.6 مليون صحيفة تباع يوميا في العالم العربي، وأن توزيع الصحف ارتفع في الدول العربية بنسبة 1.4 بالمائة، في حين زاد في قارة آسيا بنسبة 32.7بالمائة،  وانخفض في أمريكا الشمالية بنسبة 8.7 بالمائة.

ذات الدراسة تشير إلى أن ميزانية الإعلانات في العالم العربي تراجعت من 2.284 مليار دولار سنة 2010 إلى 1.772 مليار دولار سنة 2015، وقد تراجع  نصيب الصحف الورقية اليومية من  45 بالمائة  إلى 32 بالمائة سنة 2015، واختارت شركات الاعلانات المهاجرة إلى عالم الحواسيب والمواقع الإلكترونية الأكثر تصفحا.

رغم الصعوبات التي تمر بها الصحف الورقية العربية والعالمية، ورغم تراجع عددها وتحولها اما الى نسخ الكترونية او التوقف تماما عن الصدور، إلا أن هذه الصحف المكتوبة أو الورقية أو التقليدية لا زالت تلعب دورا هاما في تشكيل الرأي العام وتحديد توجهاته..  ربما خبا بريق صاحبة الجلالة، لكنه لم ينطفئء تماما..

ثريا القاسمي

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.