ثقافة

سلاح المقهورين على طريقة فيريري

بقلم:  هبة عبدالجواد

“يمكن منح المتعلمين سلطة من خلال المعرفة التي يتلقونها”

هكذا كان يفكّر فيلسوف التربية باولو فيريري الذي أدرك أنّ الجهل والخوف واللامبالاة نتاج لمجمل الهيمنة وسلب الإرادة، ونظريته في التعليم التي تثبتها الأيام: أنّ التعليم من أجل الحرية هو سلاح المقهورين لاستعادة إرادتهم.

وصفَه يومًا ما أحد جنرالات الحكم العسكري الأسود الذي خيم على وطنه البرازيل في منتصف الستينيات من القرن العشرين بأنه “حوّل التعليم إلى أداة هدّامة “.

هذا الرجل الذي لم يكن له نشاط سياسي أو ثوري بالمعنى التقليدي، بل لم ينتمِ يومًا إلى حزب سياسي؛ إلا أنه أُلقي القبض عليه بتهمة النشاط الهدام وتشكيل خطرعلى أمن البلاد ومكث في الحبس سبعين يومًا تعرض فيها للتعذيب ثم خرج من وطنه مطرودًا إلى شيلي وظل منذ ذلك الحين يتنقل بين الوظائف من منظمة الأمم المتحدة إلى جامعة هارفاد كمستشار لكلية التربية ثم إلى سويسرا كمستشار لمجلس الكنائس العالمي.

ما ميز فيريري ليس ما طرحَه ولكن كون حياته تصرخ كما تصرخ كتبه دفاعًا عن الحاجة إلى إخراج المضطهدين من قهرهم، وهو ما يجب أن يتحول إليه أنظار أرباب نظريات التغيير والتحول المجتمعي، وهو الانتقال إلى مربع الممارسة والتجربة واستخلاص أهم عوامل نجاح التربية الشعبية من خلال الممارسة المباشرة كما كان نهج فيريري؛ الأمر الذي عرّضه للحبس والنفي، فكانت مؤلفاته هي نتاج ملاحظاته خلال الست السنوات التي عانى فيها ظروف النفي السياسي، تلك الملاحظات والأفكار أثرت خبرته كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه “تعليم المقهورين” .


الجرم الأكبر 

كان جلّ اهتمامه منصبًّا نحو التربية الشعبية وتعليم الكبار لقناعته أن المعرفة والتعلم أكبر سلاح للمستضعفين في الأرض، فنبعت شهرته من نجاحه في الجمع بين عملية تطوير الوعي والإدراك النقدي وبين التربية الشعبية .

فكانت هذه هي تهمته وهذا هو جرمه، هي ذات التهمة التي ستطال من يحاول أن يعالج مشكلة الاستبداد من الجذور بتلمس الطريق إلى الحرية من التعليم؛ فالشريحة التي تعاني من القهر وخاصة طبقة العمال والحرفيين والموظفين محدودي الدخل بمجرد أن ينالوا المعرفة التي تنقلهم من اللامبالاة إلى المسؤولية، ومن السذاجة والانقياد للنظام المهيمن عليها إلى القدرة على التفكير النقدي والاختيار، سيمتلكون هنا السلطة والقدرة على رفض كل أوجه الهيمنة على إرادتهم .

المعرفة هي الجرم الأكبر، إن امتلكها الشعب في مواجهة الأنظمة، وهي في ذات الوقت سلاح الأنظمة لتزييف وعي الجماهير وضمان انصياعهم لها .


تعليم يواجه السذاجة واللامبالاة 

الإنسان الذي نراه دائمًا في مقدمة الراضخين للواقع المائلين إلى أيسر الحلول رهبة من المجهول، يقول عنهم فيريري إنّهم حصيلة تعليم يعاني من مرض السرد، تلك الخصلة التي أنتجها نظام التعليم البنكي الذي يقوم على أنّ المعرفة هبة يمنحها أولئك الذين يعلمون إلى أولئك الذين يجهلون، أولئك النورانيين إلى أولئك الملوثين الذين في حاجة إلى مَن يطهّرهم من أدرانهم، أو كما يقول فيريري: إلصاق الجهل المطبـق بهم وكأنهم أدنى مرتبة .

تعليم يخلق عقولًا تزداد فيها عملية تخزين ما يتم إيداعه، ممّا يقلّل من إمكانية تطوير الوعي الانتقادي، وكلما ازداد قبولهم بالدور السلبي المفروض عليهم، كلما كانوا أكثر قابلية للرضوخ للواقع.

في إحدى دورات باولو فيريري التدريبية عندما تحدث أحد الحضور وكان عاملًا في مصنع ما: “لعلي الوحيد هنا الذي ينحدر من أصول عمالية، لا أستطيع القول إنني فهمت كل ما قلته الآن، ولكن بوسعي قول شيء واحد وهو أني أدركت كوني كنت ساذجًا، وعندما أدركت ذلك أصبحت ناقدًا، وهو اكتشاف لم يجعلني متعصبًا ولم يشعرني بانهيار أي شيء”.

تلك السذاجة واللامبالاة التي وقف عندها فيريري لقناعته أنها سبب الخضوع والخنوع للهيمنة وسلب الإرادة، جعلته يركز على نمط التعليم والتربية الذي يحفز العقل على النقد، على الرغم من أن الدعوة إلى التربية بهذه الشاكلة والتفكير النقدي لطالما كان محفوفًا بالرهبة منه خشية الولوج إلى الفوضى والنسبية المطلقة .
هذه الرهبة كانت تقف حائلًا أمام الكثير من رواد التربية والتعليم التقليديين أو حتى من المتصدرين لمشروعات التوعية والتثقيف في أوطاننا، كعادة أيّ فكر محافظ يرفض إعمال العقل والتفكير النقدي،كانوا يعتقدون أن إعمال العقل يؤدي إلى التهلكة وإلى انهيار القيم وإلى النسبية المفرطة التي تصل بنا إلى الفوضى.

حتى وصلنا اليوم إلى فوضى حقيقية ليست نتيجة لتربية من أجل الحرية ولا بسبب التربية على إعمال العقل والتفكير النقدي، ولكن لأن جيلًا حاول أن يفكّ قيد السلطة الأبوية في الخطاب الديني للجماعات المتصدرة لحراسة الدين أو التنشئة الأسرية غير السوية، ناهيكَ عن أنظمة الدولة وهيمنتها على التعليم والإعلام وحتى المؤسسة الدينية .

جيل صُدم بانهيار القواعد والأحلام التي زُرعت فيه منذ الصغر، وأثبتت له الأيام أن وعيًا ساذجًا كان يُقدم له، هذه الفوضى التي أفرزت تحولات عند هذا الجيل، فمنهم من انطلق يؤيد داعش أو بحث عن ملجأ في الصوفية أو الغرق في حياة عبثية، هذه الأسباب تُضاف إلى عامل آخر هام وهو غياب الأسس والمنطلقات الدافعة “الهُوية” لإطلاق ممكناته العقلية ضمن منظومة قيمية حاكمة.

ليس للمعرفة أبدًا أن تكون مصدرًا للفوضى إلا إذا كانت تلك المعرفة التي يتخذها نظام الدولة واقيًا له من الحراك الشعبي والاستتار خلفها، في هذه الحالة ليست معرفة بقدر ما هي تجهيل وتعمية .
فالمعرفة الحقّة هي المعرفة التي تحاربها النظم المستبدة التي لا تريد إلا إنسانًا كوعاء يستقبل كل ما يوجه له من سلطة الدولة.

المعرفة من أجل الحرية هي المعرفة التي تطلق ممكنات الإنسان فيصعب السيطرة عليها، تسيطرعليها فقط قوى الوحي، الضمير والعقل والمعرفة، وقوى الإرادة الخيرة، والوجدان السليم.


النضال مرتبط بالوعي 

قال أحد أعضاء الرابطة الدولية لتجديد المنهجيات الفريرية، بيمال فنويال: “إن اليأس يشلّنا ويكبل حركتنا ويبقينا بعيدًا عن النضال من إعادة خلق العالم”.

تعمد أنظمة الاستبداد على إشاعة روح من الأمل الكاذب في وجودها في ذات الوقت الذي تبث فيه مشاعر اليأس من إمكانات البشر في مقاومتهم من خلال خطابها السلطوي الذي يقوم بعملية تيبس للحركة وشللها .
كان فيريري يقول: الأمل ضروري لكنه لا يكفي وحده ومن دونه سيكون كفاحي ضعيفًا ومهتزًا، نحتاج إلى الأمل الحاسم مثلما تحتاج السمكة إلى المياة غير الملوثة.

هذا الأمل لن تبثه منظومة التعليم والتربية التي تسيطرعليها الدولة، فلا يوجد تعليم محايد، وإن بثته منظومات أخرى لها أيدلوجيتها فستبثه بما يرسخ انتماء الفرد لها ولأفكارها المركزية، لكنها لن تصنع الأمل كنتيجة لوعي حقيقي ولن يكون النضال نضالًا نابعًا من هذا الوعي، ولكن سيكون نضال مرتبطًا بتبعية لهذا الخطاب الموجه ليس مجردًا لذاته.


التربية الشعبية 

دأبت الحركات الإصلاحية والتغييرية بالاعتماد على منهج للتربية وأساليب تمكنها من الاعتناء فكريًا وروحيًا بأفرادها، ووجدنا هذا في كثير من الكيانات -أهمهم جماعة الإخوان المسلمين وجماعة الخدمة لفتح الله كولن-، وكان من أهم مساوي بعض تلك التجارب أن التربية كانت تقوم على تعميق الانتماء للكيان أكثر من كونها تطلق إمكانات البشر وتكسبهم المعرفة ليكون لهم دور في هذه الحياة أيًا كان موقعهم، لم تنطلق من إدراك طاقة الإنسان في حد ذاته لذاته وللمجموعة والمجتمع، ولكن من خلال استثمار وجود الفرد لخدمة الأهداف التي في حد ذاتها يمكن أن تكون نبيلة، مما يعني تشييئ الإنسان كما يعتقد فيريري في أي عملية تربوية وتعليمية تسلب الإنسان تفكيره النقدي وقدرته على إعمال العقل.

الحاجة إلى التربية الشعبية التي تعتبر التعليم هو لب التربية، أو بمفهوم فيريري الذي يسميها أحيانًا “التشكيل”، هذه العملية من منظور يضمن التحرر من كل صور الهيمنة يُعتبر مخرجًا مناسبًا من أزمات الوضع الراهن المتلاحقة، بعد أن استهلكت جميع وسائل التغيير والإصلاح وفشلت الثورات العربية في اجتزاز جذور الانهزام والتبعية من الشعوب، وأصبح من المهم تكريس الجهد على تعليم حرّ يتبناه من يمارسه بنفسه ويعيش قيمه ويمتلئ بأهدافه، بعيدًا عن أساليب التوعية والتثقيف الكرنفالية على طريقة التنمية البشرية أو الوعظ الديني التقليدي أو نمط المشروعات التنموية.

الجهد المطلوب في تكريس الجهد على تعليم حرّ ربما يتبناه أفراد كما فعل فيريري أن يصبح تيارًا وحالة تكشف عن وجه جديد للمرحلة القادمة لتشكيل حقيقي للإنسان من داخله يعالج أوجه القصور في أجهزة التّفكير والإرادة التي تعطلت بسبب تشوه وضعف نظم التربية التي تمدّ الإنسان بالقيم والاتجاهات، وتزوده بالخبرات التي تمكنه من إطلاق ممكناته والرضوخ فقط لسلطة القيم والأخلاق والمبادئ المستاقة من الوحي وإعمال العقل المتفكر في أسفار الكون والإنسان.


***

مراجع:

1-  فيريري، تعليم المقهورين، ترجمة: يوسف نور عوض، دار القلم.

2- فيريري ،باولو، نظرات في تربية معذبي الأرض، ترجمة: مازن الحسيني، دار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع، 2002.

3- فيريري، باولو، تربية الحرية: الأخلاق – الديمقراطية – الشجاعة المدنية، ت: أحمد عطية أحمد، الدار المصرية اللبنانية، 2004.

4- مجموعة مؤلفين، أفكار في العمل مع الناس، الجزء الأول، بيسان للنشر والتوزيع وورشة الموارد العربية، 2000 – عن دليل “التدريب من أجل التحول”.

__________
المصدر: موقع التقرير

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.