مجتمع

“حالما تستلم النساء المقود فلن تبقى المملكة العربية السعودية كما كانت”

نترجم مقال الناشطة السعودية منال الشريف في "الواشنطن بوست"

وأخيراً ها هي المملكة العربية السعودية تحرر نفسها من قبضة عقود من الأصولية الدينية، وما هو مفتاح هذا التغيير؟ إنه مفاتيح السيارة. في السادس والعشرين من سبتمبر، أعلنت الحكومة السعودية بشكل رسمي بأنها سترفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات. سارع الكتاب السعوديون إلى مقارنة النضال الذي أفضى إلى هذا اليوم بمعركة المرسوم الملكي بفتح أول مدرسة حكومية للبنات في المملكة، وكان ذلك المرسوم قد صدر بعد ثلاثة عقود من تأسيس المملكة. إلا أن هذه اللحظة الثورية تتعلق بأكثير بكثير من مجرد القيادة. إنها تتعلق بتغير في وجهة البلاد.

 

لقد كبد حرمان المرأة من حق القيادة المواطنين السعوديين تكاليف باهظة. هناك ما يقرب من مليون ونصف المليون رجل أجنبي تدفع لهم رواتب حتى يعملوا كسائقين. وكثيرون منهم لا يتكلمون العربية ولا يقرؤونها، وبعض هؤلاء “الساقين” لم يسبق أن قادوا سيارة من قبل. ما يقرب من خمسة عشر بالمائة من النساء السعوديات يعملن خارج بيوتهن، وذلك أن توظيف سائق خاص يمكن أن يكلف المرأة ما يتراوح ما بين ثلث وثلثي راتبها. في العادة يتحمل الرجال السعوديون المسؤولية عن تنقل زوجاتهم وشقيقاتهم وأمهاتهم، ولكن نظراً للحاجة الملحة، وفي ظل عدم توفر سائقين ذكور، تعمد بعض النسوة إلى تكليف أولاد قد لا يتجاوز الواحد منهم التاسعة من عمره خلف المقود، وقد يضطر لأن يجلس على وسادة حتى يرفع قامته ويتمكن من مشاهدة شاشة العداد. ولا عجب إذ ذاك أن تكون المملكة من بين الدول الأعلى معدلاً في وفيات حوادث المرور حول العالم.

 

وفيما عدا التكاليف الاجتماعية والاقتصادية، فإن إجبار المرأة بالبقاء جالسة في المقعد الخلفي قد ساهم في الحد من تقدم المملكة العربية السعودية في الساحة الدولية. فرغم أنها تملك ثاني أكبر احتياطيات نفطية في العالم إلا أنها تأتي في مرتبة متدنية بعد قبرص ومالطا في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية. أما الآن، فقد أصبح لدينا على الأقل طريق معبد نحو الأمام: مجتمع سعودي مفتوح للرجال والنساء.

 

وما القيادة إلا البداية. بإمكانها أن تساهم في إنهاء نظام الولاية القهري الذي يتطلب من المرأة الحصول على إذن من قريب ذكر لها حتى تتمكن من اتخاذ أبسط القرارات أو القيام بأبسط النشاطات. (المثير للاهتمام أن المملكة أعلنت بأن المرأة لن تحتاج إلى إذن من ولي أمرها حتي تحصل على رخصة للقيادة.)

 

كنت قبل سبعة أعوام قد انتحبت في شوارع المملكة العربية السعودية، بكيت لأنني بعد موعد مع الطبيب لم أتمكن من إيجاد سائق ذكر يعيدني إلى البيت. تعرضت للأذى وللمضايقة وأنا أمشي وحيدة. كانت لدي رخصة قيادة أمريكية وأعرف جيداً كيف أقود السيارة، إلا أن الحكومة لم تسمح لي بذلك، وكل أنثى سولت لها نفسها قيادة سيارة كان يلقى القبض عليها ويزج بها في السجن

 

في يومنا هذا، لا تتعلق الولاية على المرأة والتحكم بها داخل المملكة بتقاليد عتيقة – فالنبي محمد تزوج من سيدة أعمال ناجحة – بقدر ما تتعلق بقوى دينية أصولية تريد أن تستمر في إحكام قبضتها على المجتمع. فكثير من القيود الحالية على النساء إنما فرضت بعد انطلاق الثورة الإيرانية في الجوار والاستيلاء على الحرم الشريف في مكة المكرمة من قبل متطرفين سنة لمدة أسبوعين في عام ١٩٧٩. بعد هذين الحدثين، اختفت النساء من على شاشات التلفزيون السعودي الرسمي ومن الصحف، وصاحب ذلك تقييد شديد مورس على توظيف النساء. كما جدد الأصوليون دعواتهم لوقف تعليم النساء. إلا أن الجيل الحالي من النساء رفض الاستماع، حيث تشكل النسوة اليوم ما يقرب من نصف عدد جميع الطلاب في الجامعات السعودية – ولقد وصلت نسبتهن إلى 51.8 بالمائة في عام 2015 بحسب إحصائيات وزارة التعليم.

 

لأول مرة أتجرأ في أن أحلم بوجود سعودية مختلفة في السنوات القادمة. لدي عشر أماني تتعلق بمساواة المرأة في بلدي: أتمنى مملكة يتلاشى فيها نظام الولاية تماماً، حيث يعترف القانون بالنساء بمجرد بلوغهن الثامنة عشرة أو الحادية والعشرين كأشخاص بالغين، وحيث يمكن للنساء أن يدرسن للحصول على أي درجة جامعية يرغبن فيها، بما في ذلك تخصص الهندسة المقتصر حالياً على الرجال، وحيث تعمل النساء في المجال الذي يخترنه، وحيث لا تحتاج النساء اللواتي قضين وقتاً في السجن إلى إذن من ولي ذكر حتى يطلق سراحهن، وحيث يجرم تزويج الأطفال، وحيث تعين النساء سفيرات ووزيرات ورؤساء منظمات، وحيث تتمكن الأمهات السعوديات من منح أطفالهن الجنسية، وحيث يحمي القانون الأمهات والأطفال، وحيث تتمكن النساء من المنافسة كرياضيات في أي مجال من مجالات الرياضة.

 

ثمة المزيد من التغيير على الطريق. فلأول مرة في تاريخ المملكة تنتقل القيادة إلى جيل أصغر سناً. لطالما اشتهرت المملكة العربية السعودية بملوكها الثمانينيين. أما اليوم فيبلغ ولي العهد محمد بن سلمان من العمر اثنين وثلاثين عاماً. وكما قال في لقاء له مع صحفي الواشنطن بوست دافيد إغناتيوس في إبريل الماضي: “أنا شاب، وسبعون بالمائة من مواطنينا هم من الشباب. لا نريد أن نضيع أعمارنا في هذه الدوامة التي مازلنا فيها منذ ثلاثين عاماً. نريد أن ننهي هذه الدورة الآن. وكشعب سعودي، نريد أن نتمتع بأيامنا القادمة، وأن نركز على تنمية مجتمعنا وتنمية أنفسنا كأفراد وكعائلات، بينما نستمر في التمسك بديننا وبعاداتنا. لن نستمر في فترة ما بعد التاسعة والسبعين. انتهى ذلك العمر.”

 

كنت قبل سبعة أعوام قد انتحبت في شوارع المملكة العربية السعودية، بكيت لأنني بعد موعد مع الطبيب لم أتمكن من إيجاد سائق ذكر يعيدني إلى البيت. تعرضت للأذى وللمضايقة وأنا أمشي وحيدة. كانت لدي رخصة قيادة أمريكية وأعرف جيداً كيف أقود السيارة، إلا أن الحكومة لم تسمح لي بذلك، وكل أنثى سولت لها نفسها قيادة سيارة كان يلقى القبض عليها ويزج بها في السجن.

 

وبالفعل، فقد ألقي القبض علي في مايو / أيار من عام 2011 بعد أن سقت السيارة في الشوارع السعودية كجزء من حركة السابع عشر من يونيو / حزيران للاحتجاج على الحظر. بكيت في الأسبوع الماضي، ولكن دموعي هذه المرة كانت دموع الفرح. ففي يونيو / حزيران 2018، أي بعد مرور سبعة أعوام على تلك الحركة الاحتجاجية، سوف تصبح النساء السعوديات أحراراً ليس فقط في قيادة سياراتهن الخاصة بهن ولكن أيضاً في التحكم بمسار حياتهن.

 

منال الشريف

منال الشريف ناشطة في مجال حقوق المرأة ومؤلفة كتاب “الجرأة على القيادة: صحوة المرأة السعودية

 

المقال في الواشنطن بوست

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد