منوعاتمدونات

براحتك!

بقلم: خليدة سناء أبو زيد

يمسك ابني الصغير بلعبته المفضلة رافعاً يده فوق سلة المهملات، يسألني بتحدي “ماما أرميها؟”

أرد عليه غير مكترثة أبداً “براحتك!”

سريعاً يسحب ابني يده إلى الخلف، ثم يكمل ما كان يفعل وأكمل أنا ما كنت أفعل.

“براحتك” كلمة سر هذا الموقف الصغير الذي يلخص عشرات المواقف التي ما أن يُخَلّى فيها  بين الفرد وحريته حتى تجد الحياة أسهل كثيراً.

تحكي لي صديقة عن سر من أسرار نجاح حياتها الزوجية، حين استأذنت زوجها في الذهاب إلى مكان لم يكن يرغب في أن تذهب إليه، رفض زوجها بـ “لا”، دون أن تتغير ملامح صديقتي ولا أن تجادل بادرته قائلة .. (لا بأس)!

دقائق قليلة ثم عاد إليها زوجها بود وابتسامة قائلاً “يمكنك أن تذهبي”.

السر يكمن في إطلاق يد من بيده الأمر والاعتراف بحقه في أن يقول ” لا ” ، غير معمول فيها لحساب جدل طويل سيبدأ أو نكد عظيم سيطول، دهشة زوج صديقتي من سهولة أن يقول لا جعلته يتراجع عن موقفه راضياً دون أن يصير مثل “حنفي” الذي لا تنزل له كلمة إلى الأرض أبداً ثم يسبق عليه قول زوجته (حنفي!!) فيقول منتكساً “تنزل المرة دي!”

نظرية لا تكاد تخطيء يؤكدها قريب لي مشهور عنه تفانيه وسعيه في خدمة الغير بكل أريحية، أكثر من مرة يسعى لخدمة شخص في حاجة دون طلب منه، إلى أن جاءه هذه الشخص يطلب منه أن يقدم له شيئاً (تكملة لجميله يعني). يقول “كم وجدت طلبه ثقيلاً على نفسي”!

لم أجد تفسيراً لهذا الضيق رغم أنه شخص خدوم بطبعه إلا أنه قد فقد ميزة اختياره هو أن يفعل خيراً يحب أن يفعله دون أن يتحول فضلاً يُفعل إلى واجب يُنتظر.

 

اخرج من النفق

أضحكني كثيراً يوم طلبت من ابني ألا يذاكر وأن يدخل لينام حتى لا يتعب وكان ذلك على عكس رغبتي وعكس عادتي وهو بطبيعته لا يحب المذاكرة كثيراً ولا يجد أي متعة أمام أوراق الكتب وجدالنا المستمر في أن يجلس ليذاكر، حين رفعت عنه هذا الغطاء في ذلك اليوم اختار هو و يا للعجب أن يكمل دروسه!

أن تخرج من النفق ذي الاتجاه الواحد او اثنين على الأكثر لتسكن في وسط دائرة الحرية، أينما أردت أن تضع قدمك وجدت لها مكانا، متقدماً أو إلى الخلف عائداً، هذه فطرة فطر الله الناس عليها واستنكرت بسببها آيات القرآن منطق أولئك الذين وقفوا خلف حائط الشرك متسمرين لا يرون إلا الشرك طريقاً، يقولون “لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء”، يسلبون أنفسهم أي إرادة ليس توكلاً وإيماناً وإنما عجزاً وجحوداً.

و”كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا” هكذا حاجّهم الله، أنَّ هذا الاعتقاد بأن ليس لديك إرادة أن تختار هو من أورد من سبقهم المهالك. فإن كان لك أن تختار أن تعبد معبوداً مطلقاً في كماله وفي أحقيته للعبودية – وقد نسج لك خلايا عقل قد يختار أن يكفر به في النهاية وهو بذلك عليم- فماذا فيما هو دون ذلك مهما عظم؟!

لم أكن أعرف أنه يمكنني أن أمنح ابنائي ومن حولي الحب بأن أعطيهم حريتهم، لم أدرك يوماً أن المتحابين يعطون الحرية لبعضهم البعض، كان يشغلني ذلك الشعور بالأمان الذي  يجعل حياتهم أيسر وكفاءتهم أعلى وتقبلهم لذواتهم أفضل إن آمنت بالحرية طريقاً في التعامل.

نظرية V OF LOVE 

وهي رؤية في التربية جعلتني أعيد النظر في الدافع من وراء إطلاق سراح ابنائي، حين أخذت “سيلفيا ريم” صاحبة هذه النظرية من كلمة LOVE   يأتي حرف الـ  V لتخرج من رحم الحب الحرية، حافتي حرف الـ (V  ) هما الحدود التي نرسمها في حياة أولادنا، وما بينهما هي مساحة ونوعية الاختيار التي يجب أن يتمتع بها ابناؤنا والتي تتسع كلما كبروا ونضجوا، أن نمرن عقليتنا كآباء على تخيير ابنائنا بدلاً من الاستدانة المستمرة من خزان الأوامر الذي جعلنا مفلسين في الوقت الذي لا تنفذ فيه خزائنه أبداً، حتى بأن تخير ابنك ذو العامين بين أن يشرب كوباً من اللبن أو كوباً من العصير.

الآباء الذين يتعاملون مع ابنائهم بقدر عالي من الحرية هم ليسوا فقط آباء يغرسون حباً ولكنهم آباء يحصدون حباً طوال الوقت. لا يرون أنفسهم أفضل ليقوموا بالاختيار، تملؤهم الثقة في ابنائهم أنهم قادرين على ذلك، يَسألون ولا يُسئلون، بدلاً من أن يتبعوا سياسة ما أريكم إلا ما أرى، ينقلون لأبنائهم الحيرة بسؤال “ماذا ترى؟”.

أكبر تضحية يقوم بها أبناؤنا من أجلنا حين يقررون أن يبيعوا عقولهم لنا!، فتتراكم طبقات الغبار عليها وتظل عقولنا نحن بلورية لامعة لديها قدرة فائقة على التفكير وحل مشكلات الغير والبداية دائماً تأتي بسؤال: أمي ماذا أفعل؟     

هذه دعوة أن نطلق حتى سراح بعضنا البعض فنؤمِّن الغير أن من حقهم أن يختاروا خيارات لا تروق لنا أو أن يقولوا ما لا يطربنا أو أن يختلفوا معنا بأمان دون خوف من إلقائهم في أحد صناديقنا المغلقة بأقفال الأحكام التي نحكم بها على الغير. حتى يسود أمان بيننا كالذي دفع شخص أن يذهب إلى صاحب رسالة الطهر واضعاً عينه في عيني خير الأنام وأشرفهم مستأذناً إياه في الزنا دون أن يخاف من إنكار عليه أو عقوبة تلحق به!

كون الحرية هبة من الله لا يدع مجالاً للحديث أن يمنحها شخص لآخر، لكن ما دامت قدرتنا أن نسلبها من بعضنا البعض أكبر فقد لزمت الدعوة إلى منحها بعضنا البعض مجدداً. بأن نهبها أنفسنا أولاً حتى تخرج من أفواهنا “براحتك” دون أن تحمل تهديداً بالتخلي ولا مراهنة على فشل ولا إنذار بضياع بل تلك التي يدفعها ثقة وحب وقناعة حقيقية.

 

خليد سناء أبو زيد

مدونة مصرية ومهتمة بالشئون التربوية

الوسوم

مقالات ذات صلة

4 آراء على “براحتك!”

  1. وربما يأتي نتاج تلك الحرية التي تقصديها سريعا كسرعة الرد بين((فانظر ماذا ترى)) و إجابة سيدنا اسماعيل لأبيه (( يا أبت افعل ما تؤمر)) وكذا بين قولة ملكة سبأ((ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون)) واجابة قومها((والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين))

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.