ثقافة

القفة التونسية بين التقليد والتجديد

تراث الحرف العربية

 

كانت الخالة “بية شرنيخ”  تداعب السعف بيديها الصغيرتين، وعيناها تراقبان يديها بدقة حتى لا يحيد السعف عن مساره وتئطر أن تعيد صناعة ما تقدمت في إنجازه من القفاف والمظلات.

الخالة بية امرأة حافظت على طابعها التقليدي من ملابس ونشاط وحتى في  الكلام فهي أصيلة منطقة أجيم من جزيرة جربة التابعة الى  ولاية (محافظة) مدنين، الواقعة في الجنوب التونسي،كان تجلس في ركن بمحلها الصغير  الواقع في القرية الحرفية، كان السعف محيطا بها من جميع الاتجاهات وهي تمسكبين أصابعها.

حرفة الأجداد … عراقة وابتكار

تجلس الخالة بية في محلها تصنع ما تيسر من المظلات و القفاف (السلال)، كانت تلبس زيا تقليديا عرفت به جزيرة جربة منذ القدم، لحاف مزخرف بالألوان الزاهية مشدود بمشبكين وحزام وعلى الرأس وشاح أحمر تحت قبعة سعفية من صنعها. تقول الخالة بية “اكتسبت صناعة السعف منذ أن  كان عمري 12 سنة، حينها علمني  جدي هذه الحرفة، ومنذ ذلك الوقت لم أخالف عهد جدي، ولم أترك هذه الحرفة.”

تواصل الخالة بية حديثها بشموخ وصبر “كنت في بداية المشوار أعمل في منزلي لساعات طويلة، كنت انطلق في العمل من الصباح الباكر وانهيه في أغلب الأحيان في فجر اليوم الموالي، وعند الانتهاء من صناعة الكمية المطلوبة أتوجه إلى السوق لبيعها، والاسعار حينها كانت زهيدة جدا حيث لا يتجاوز سعر القفة الواحدة 3 دنانير، وهذا المبلغ لا يغطي سعر المواد الأولية ولا أتعاب اليد العاملة.”

تواصل محدثتنا كلامها الزاخر بالمعلومات عن هذه الحرفة: “مع مرور الوقت أصبحت أكثر براعة ومهارة، وقمت بتعليم بناتي اللواتي كن يساعدنني في صغرهن، وازدهر العمل وتحسنت الظروف الاجتماعية في البيت، وبدأت في ابتكار أنواع أخرى من المظلات والقفاف التي أدخلت عليها ألوانا مختلفة وأشكالا متنوعة ساهمت في رواجها بشكل أكبر.”

مخزون وطني ثري

يزخر الجنوب التونسي بغابات شاسعة من النخيل تعد أكثر من 5 ملايين نخلة موزعة على ولايات الجنوب، وهي ثروة هامة  تمثل مورد رزق آلاف العائلات التونسية التي تستغل ما يتلف من هذه الشجرة المباركة في صناعة السعف، تقول عنها الخالة بية “النخلة هي هبة من الله إلى الإنسان بثمرها و أوراقها وجذعها، استعمالاتها عديدة ومتنوعة وكل ما فيها مفيد. نحن نجمع ماكان سيتم اتلافه من سعف النخيل ثم نحوله إلى منتوجات تباع في الأسواق ويستخدمها الناس في حياتهم اليومية، وهوذي مورد رزق لعشرات العائلات التونسية.”

مهنة الصابرين الكادحين

تجولت بنا الخالة بية  في القرية الحرفية قليلا ثم اتجهت بنا الى الخارج حيث توجد دائرة اسمنتية نشرت فوقها أوراق السعف حتى يجف  “تمر  صناعة السعف بعديد المراحل  المتسلسلة،ليل من الاصفرار ، نقوم بوضعه  تحت أشعة الشمس لمدة أسبوع كامل حتى يجف تماما، ويصبح صالحا للاستعمال وسهل، ثم نقوم بتخزينه حيث ننزع السعف عن “القلب” ونربطه في شكل أحزمة صغيرة، بعد ذلك نقوم بتنقيع حزم السعف في الماء حتى تلين وتصبح سهلة الاستعمال وحتى لا يتعرض إلى التكسير سواء أثناء تخزينه أو استعماله.”

مراحل عديدة  يمر بها تحضير مادة السعف حتى يصبح جاهزا للاستعمال وخياطة القفاف و المظلات وعيرها من المنتوجات الحرفية، تقول عنها الخالة بية “صناعة السعف هي حرفة الصابرين حيث تتطلب الكثير من الصبر والعزيمة ، لذلك نجد الشباب اليوم  عازف عن تعلمها لصعوبتها ، وأنا خائفة جدا أن تندثر حرفة  أجدادي.”

بشغف تحدثنا الخالة بية عن مشقة هذه المهنة ويداها تداعبان السعف رغم الجراح التي خلفها في أناملها الصغيرة “عملنا صعب جدا ويتطلب الصبر على قسوة أوراق السعف الجارح.. يتطلب  منك صنع قفة واحدة ساعات طويلة من العمل تصل إلى قرابة الثلاثة أيام.. أجلس في أغلب الأحيان لسبع أو تسع ساعات باستمرار، وهو ما يتسبب لي في الام من الظهر  وفي العينين لطول ساعات التركيز.. هي مهنةشاقة تأخذ من وقتك الكثير ومن صحتك الأكثر، رغم ذلك أحبها، فهي كل شيء في حياتي.”

إقبال جيد ولمسات جديدة

ساهمت الحملات الوطنية التي تشجع على استهلاك المنتوجات المحلية في إقبال التونسيين على هذه الصناعات بكثافة، الأمر الذي شجع الكثير من الحرفيين  على ابتكار طرق جديدة في صناعة منتوجاتهم.

القفاف أصبحت مرصعة باكسسوارات تقليدية “كالخمسة والحوتة”، ألوان متعددة وأشكال مختلفة واكبت العصر، حيث أصبحت المرأة التونسية تستعمل القفة يوميا بدلا عن حقيبة اليد.

تقول الخالة بية “حققت مرابيح جيدة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد أن أدخلت على صناعة السعف لمسات جديدة لاقت استحسان  الحريفات، حيث مزجت بين الصناعات التقليدية و العصرية، وقدمت تشكيلة جديدة من المنتوجات التي تعكس روح الصناعات التقليدية التونسية.”

“يوفى مال الجدين … وتبقى صنعة اليدين” بهذا المثال تختم الخالة بية شرنيخ كلامها وتنهي يومها الشاق بصناعة عدد لابأس به من المظلات التي ستعرضها في اليوم الموالي  على السياح والزائرين، نهاية يوم كامل أمضته بين جدران دكانها الصغير، لتعود اليه في اليوم الموالي محملة بنفس جديد وروح إبداعية

تعكس علاقتها الروحية بصناعة السعف.

ثريا القاسمي

الوسوم

اترك رد