دين وحياة

“الكُتّاب”، مؤسسة خرّجت علماء

دين وحياة: اليوم العالمي للمعلم

 

لعبت الكتاتيب القرآنية على مدى عقود طويلة دورا بارزا في تربية الأجيال والمحافظة على طابع الهوية الإسلامية و اللغة العربية. هذه المؤسسات التربوية الشرعية لم يقتصر دورها على التلقين والتحفيظ، بل ساهمت في تأديب وتأهيل الطفل والناشئة، قبل المدرسة. وقد سعت الحكومات التي أعقبت الاستعمار الأجنبي إلى تهميش هذا القطاع، تحت راية الإصلاح والتحديث، مما أفرز أجيالا ضعيفة لغويا وثقافيا ودينيا.

ورغم أن تونس، تعتبر من هذه البلدان التي همّش فيها قطاع الكتاتيب على مدى عقد من الزمن، أعلنت في ندوة صحفية، على خطتها لاحداث 1500 كتاب خلال السنوات القادمة.  وهو ما يدفعنا للتساؤل عن أسباب عودة  تونس إلى نظام الكتاتيب؟

الكتاتيب عبر التاريخ الاسلامي

ارتبطت الكتاتيب باعتبارها مؤسسات تربوية دينية، تسبق مرحلة المدرسة، بتأهيل النشأة وتربيتهم وتكوينهم دينيا واعدادهم من أجل خوض مختلف مراحل الحياة. وعبر التاريخ الاسلامي، كان هناك حرص على الاهتمام بنظام الكتاتيب، وعلى رأس من سعى لنشر هذا النمط من التعليم ورعايته، صلاح الدين الأيوبي، وهو من أشهر رواد إصلاح التعليم الديني، حيث اعتنى خلال فترة حكمه برعاية المدارس الشرعية والمساجد والكتاتيب.

 

ولم يقتصر الاهتمام بمؤسسة الكتاتيب التقليدية، في المشرق العربي، بل برز كذلك غربيّٓه أيضا. في تونس مثلا، أنشأ جامع الزيتونة العريق كتاتيب في كامل أرجاء البلاد للعناية بأطفال المسلمين، تمخضت عنه نخبة متميزة من العلماء الاجلاء كالطاهر بن عاشور والفاضل بن عاشور وعبد العزيز الثعالبي والشيخ جعيط وغيرهم من جهابذة الفقه واللغة.

 

أهمية الكتاتيب في تعليم الناشئة 

يعتبر العلماء  أن منهجية  تحفيظ القرآن الكريم للطفل في مرحلة عمرية صغيرة، يساعد على  تقويم النطق ويقوي مخارج الحروف، اضافة الى قدرة الطفل على الحفظ والاستيعاب في تلك المرحلة العمرية. من هنا تتأتى أهمية الكتاتيب نظرا لدورها الفاعل في تحفيظ القرآن الكريم.

وفي دراسته لأثر تعلم القرآن والفقه على مستوى النمو اللغوي للطفل، يعتبر الدكتور عبد الباسط متولي، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة الزقازيق المصرية، ان “للبيئة الثقافية للفرد دور أساسي في خلق جو من التفاعل اللغوي والإيجابي من خلال إتاحة الفرص المناسبة لتعلم اللغة وممارستها على النحو الذي يناسب مستوى نضج الطفل ويساعده على النمو العقلي والانفعالي”.

ويضيف أن  ذلك المناخ الثقافي الفعال يتشكل من قدرة الأسرة على التفاعل اللغوي المثمر وتوجيه الطفل إلى هذا التفاعل وإلحاقه بجمعيات تحفيظ القرآن (الكتاتيب) التي تعد الطفل ليكون ذاكرًا لأكبر تراث لغوي، ومحافظًا على ذاته من خلال ذلك التذكر الواعي.”

هذا الدور الإيجابي للمؤسسات التقليدية، تحاول بعض الدول العربية وعلى رأسها تونس، اعادة احيائه من أجل حماية الأجيال من التطرف والانحلال والبحث في آليات تحصين الناشئة من التطرف والتوظيف السلبي للطفولة في تونس.

 

تونس: احياء تراث عريق

يعد قطاع «الكتّاب» في تونس متجذرا في تاريخ البلاد التونسية  وقد ساهم عبر الزمن  في بروز نخبة علماء زيتونيين مثقفين، نبغوا في الحقل العلمي والمعرفي على غرار الطاهر بن عاشور والفاضل بن عاشور. وهو ما دفع بالمهتمين بالشؤون الدينية إلى الترغيب في العودة نحو باحات الكتاتيب، التي تعتبر مخرجا من خطر الإرهاب والتطرف الفكري.

وقد أعلن رئيس مصلحة الكتاتيب القرآنية بوزارة الشؤون الدينية رمزي السالمي أن عدد الأطفال الذين يدرسون في الكتاتيب  بلغ 47 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و6 سنوات وأكثر من 22 ألفا أعمارهم 4 سنوات.

هؤلاء الأطفال يتم اعتماد برامج رسمية أعدتها وزارة المرأة والأسرة والطفولة بالتعاون مع وزارتي الصحة العمومية والتربية وكذلك مختصين من وزارة الشؤون الدينية منذ سنة 2001، في تدريسهم وتأهيلهم وهي تعد خطوة نحو التجديد في نظام الكتاتيب.

انخراط المرأة في الكتاتيب

اضافة الى  انخراط  مختلف هذه الجهات الرسمية في العناية بمجال الكتاتيب، برزت المرأة الواعظة و الملقنة في هذا القطاع، على غرار المؤدبة بمحافظة بن عروس أميرة النفوقي. كما سجلت المرأة في هذا القطاع نسبة 64 % من جملة المؤدبين لسنة 2017.

 

العودة نحو الكتاتيب، هي استراتيجية، لتحذير الطفل في ثقافته وموروثه الديني واللغوي العريق ومنحه التوازن الذي يحتاجه في التكوين لحمايته من براثن العنف والانحلال الأخلاقي والضياع الفكري والتطرف والإرهاب. وهي أيضا تواصل وإحياء لتراث مديد متجذر في اعناق التاريخ العربي الاسلامي في بلاد كانت منطلقا للفتوحات في افريقيا والأندلس ومركزا لنشر الاسلام واللغة العربية ومنارة معرفية وعلمية أشعت على من حولها فخرجت العلماء والوعاظ والصُلاّح. 

وفاء الحكيري

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.