مجتمع

المرأة العربية بين التوظيف السياسي واكراهات المعيش اليومي

على هامش السماح للسعوديات بقيادة السيارة

أصبح  قرار الملك السعودي منح المرأة حق قيادة السيارة  حديث الساعة، رغم أن هذا الأمر يعد من البديهيات في باقي البلدان  العربية.

وانقسمت الآراء حول هذا الشأن بين الترحيب والاحتفاء بالقرار الذي اعتبر جريئا  وبين الرفض وبشدة. كما جاء تهليل بعض المنابر الغربية مؤكدا على أهمية هذه الخطوة في اتجاه تغيير الأوضاع الراكدة في هذا البلد.

لكن التناول الرصين لهذا الحدث يقودنا إلى أسئلة مركزية متصلة بقضايا المرأة، سواء في المملكة العربية السعودية أو في عالمنا العربي عموما.

فهل يمكن حقا  اعتبار هذا القرار الملكي إيذانا بتعديل مكانة المرأة في المجتمع السعودي وتحسين أوضاعها في اتجاه مزيد المشاركة الفاعلة في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي؟

والى أي مدى يمكن الاطمئنان إلى الخطاب السياسي المبشر بالحداثة وحامل لواء “النسوية” في بلدان عربية أخرى تزعم أن قضايا المرأة مشغلا أساسيا من مشاغلها؟

وإذا رمنا محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة الحارقة فإنه لابد لنا من الإقرار  بمسألة مهمة وهي أن حقوق المرأة تتأسس في سياقات

اجتماعية وثقافية وسياسية مخصوصة، وتتأكد من خلال تبوأ النساء مكانة مركزية في الفعل الاجتماعي والمشاركة في صنع القرار ومواقع التأثير.

ومن هذا المنطلق يمكن أن نقارب تعاطي الفاعل السياسي في عالمنا العربي مع قضايا المرأة ومنه نصطدم بالمفارقات العجيبة التي يمكن استقراؤها بطرائق مختلفة.

ولعله من المهم أن ننطلق من الحدث وهو السماح للنساء السعوديات بقيادة السيارة بقرار ملكي في بلد تقر المنظمات العالمية بكونه لازال بعيدا كثيرا عن حقوق الإنسان عموما وليس حقوق المرأة بالتحديد.

كما أن هذا المجتمع الذي لازال محكوما ببنية ذهنية تقوم على “الهيمنة الذكورية في مختلف تجلياتها، كما قدمها عالم الاجتماع الفرنسي” بيار بورديو” في كتابه الشهير.

ولا  يمكن أن يستوعب أن يكون للمرأة دور خارج التقسيم التقليدي للعمل الاجتماعي وقد تجلى هذا في أشكال التقبل لهذا القرار، فجاءت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المنابر الإعلامية السعودية ساخرة ومتندرة، حتى من قبل الذين أسعدتهم هذه الخطوة.

ورغم أننا لا نستطيع التقليل من شأن هذا الحدث بالنظر إلى أنه احد القيود التي كانت تكبل المرأة السعودية في حياتها اليومية، بغض الطرف على  انه  يعد من ابسط الممارسات التي تقوم بها جل النساء في العالم بشكل طبيعي إلا انه لا ينفي قطعا حجم  المكبلات إلى مازلت تحاصرها.

ولعلنا نتذكر ما أثارته رواية “بنات الرياض”  للكاتبة السعودية رجاء الصانع عندما صدرت عام 2005 وشكلت صدمة للمجتمع السعودي الذي وجد نفسه أمام عمل إبداعي  حاول “تعرية” مواطن اضطهاد المرأة ورصد الضغوط المسلطة عليها في مجتمع منغلق على ذاته.

ليس حظر قيادة السيارة وحدة يعرقل مسار التحديث في المجتمع السعودي كما هو معلوم للجميع. فالرقابة الصارمة على كل نفس حقوقي وتحرري   وقمع المعارضين للسلطة وحملات الاعتقال التي تشن من حين لآخر وخنق كل مظاهر التنوير في المجال الديني  هي أيضا تتصادم مع مشروع التحديث الذي يعتقد البعض أن المملكة تروم إرساء دعائمه

ولأن الأدب في جانب من جوانبه  يحيل على التصورات والرؤى  التي هي نتاج التقاليد والأعراف ويعمل بجرأة على تفكيكها، كما انه يتيح إمكانات رمزية هائلة للنبش في الذاكرة الجماعية، فإن “بنات الرياض” قد كانت بمثابة “الرجة” التي هزت المجتمع السعودي آنذاك  من خلال فضحها لأشكال التعاطي مع المرأة.

تماما كما حدث مع رواية “مسك الغزال” للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ التي تناولت من خلالها نماذج نسائية تعيش في المجتمع السعودي. وهي بمثابة الشهادة  التي ترصد واقعا يكتشفه القارئ ربما لأول مرة بذلك الصدق وتلك الدهشة.

وبمنأى عن الأدب وعودة إلى اللحظة الآنية، فإن المتابع يدرك دون بالغ عناء وكأن الفاعل السياسي السعودي بات فجأة أكثر اهتماما بقضايا المرأة  وكأن النظرة المحافظة التي يقبع داخلها المجتمع في مملكة آل  سعود  قد انحسرت بشكل فجائي لتحل محلها أخرى أكثر استيعابا لهموم النساء.

تصاغ بعض التشريعات لصالح النساء في ظاهرها وللساسة  “فيها مآرب أخرى” ويتم إسقاطها على واقع المرأة  دون أن تكون متسقة مع معيشها اليومي ودون مراعاة لاحتياجاتها الحقيقية

والحقيقة أن السماح للمرأة بقيادة السيارة الآن ليس قرارا بريئا ولا يتنزل بأي حال من الأحوال في إطار انخراط المملكة في مشروع تحديثي دشنته بكسر ربقة القيود عن النساء بقدر ما هو ” مغازلة ” للآخر الغربي و “مخاتلة” لذوي النفس التحرري والتنويري داخل البلاد.

نقول هذا استنادا إلى وقائع موضوعية، فليس حظر قيادة السيارة وحدة يعرقل مسار التحديث في المجتمع السعودي كما هو معلوم للجميع.

فالرقابة الصارمة على كل نفس حقوقي وتحرري   وقمع المعارضين للسلطة وحملات الاعتقال التي تشن من حين لآخر وخنق كل مظاهر التنوير في المجال الديني  هي أيضا تتصادم مع مشروع التحديث الذي يعتقد البعض أن المملكة تروم إرساء دعائمه.

وفي هذا السياق، لا يمكن أن نفهم هذه الخطوة التي عدها البعض بمثابة اللبنة الأولى في مسار حداثي بدأت ملامحه تتضح وسيتجلى من خلال خطوات لاحقة ربما تسمح بالاختلاط مثلا بشكل تدريجي، خارج دائرة التعتيم عن الانتهاكات التي تحدث داخل أسوار المملكة في مجال حقوق الإنسان أو خارجها وتحديدا في اليمن من خلال الحرب التي شنت على هذا البلد والتي ارتكبت فيها فظاعات كثيرة.

ويمكن هنا أن نستشهد بما كتبته  المعارضة السعودية مضاوي الرشيد حول هذا الشأن   في صحيفة “الغارديان” البريطانية إذ قالت “إن السماح للنساء السعوديات بقيادة السيارة هو مجرد حيلة لتهدئة الغرب”  

وأضافت “إن النساء و الرجال في السعودية بحاجة إلى الدفع  من اجل نيل حقوقهم المهضومة”.

ومهما يكن من أمر فإن ردود الأفعال الرافضة والعنيفة أحيانا لكل نفس تحرري يمس الشأن النسائي كانت ولا تزال قائمة ليس في المجتمع السعودي فحسب بل  في تلك المجتمعات التي تجلل برداء الحداثة وتزعم استبطان معانيها أيضا.

كما أن الفاعل السياسي يعمد إلى توظيف قضايا المرأة تقربا من دوائر القرار والتأثير في العالم الغربي.

وعلى هذا الأساس تصاغ بعض التشريعات لصالح النساء في ظاهرها وللساسة  “فيها مآرب أخرى” ويتم إسقاطها على واقع المرأة  دون أن تكون متسقة مع معيشها اليومي ودون مراعاة لاحتياجاتها الحقيقية.

يحدث هذا في سياق حداثي يزعم انه جعل  مشاغل المرأة في قلب اهتمامات الفاعلين  فيها، من سياسيين  ونخبة مثقفة وفي بلدان يتم التوقيع فيها على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الهادفة إلى صون حقوق المرأة وتحصينها من الاضطهاد، ومع ذلك لا تساوي هذه التوقيعات ثمن الحبر الذي كتبت به باعتبارها بلا جدوى على ارض الواقع خاصة وأنها لم تتأصل في سياق حضاري يقوم على تغيير البنيات الذهنية تدريجيا والعمل على أن تتسق القوانين مع الأنساق الاجتماعية التي تنتجها.

إذن هنا تتضح الأغراض الإيديولوجية التي تتخفى وراء المنح والعطايا التي تقدم للنساء على شاكلة قوانين تقدمية ولكنها لا تغير شيئا في المعيش اليومي.

كما انه الاهتمام بقضايا المرأة غالبا  ما تحفزه دواعي انتخابية كذلك  لتسويق بعض الساسة والترويج لهم بهدف استقطاب اكبر قدر ممكن من الأصوات وفي مقدمتها الأصوات النسائية. وبهذا المعنى يصبح الأمر مجرد دعاية مفرغة من كل المعاني هدفها تحقيق منفعة آنية ألا وهي الفوز في الانتخابات وكسب مؤيدين خاصة من دعاة التقدمية.

وعلى هذا الأساس يمكن القول  إن قضايا  المرأة  تعد موضوعا إشكاليا في الثقافة والسياسة والإعلام والإعلان  في عالمنا العربي المعاصر.

وهي تحضر  في هذه الخطاب الرسمي  إجمالا في شكل صور نمطية حاملة لذات  التصورات والرؤى  والتمثلات    التقليدية ولكنها تحاول جاهدة أن تلبسها رداءا حداثيا لتحقيق أهداف لا صلة لها باحتياجات المرأة واستحقاقات واقعها.

وفي هذا الأمر تستوي جل الأنظمة  العربية الرسمية سواء تلك التي توسم بالمحافظة أو تلك التي تدعي الحداثة.

شهد سلام

بواسطة
ترجمة مجلة ميم لمقال مضاوي الرشيد
الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “المرأة العربية بين التوظيف السياسي واكراهات المعيش اليومي”

  1. But
    Women driving not good for women safety and others
    You see here now
    It’s not good for women
    Saudi Arabia open door of increasing crime
    Some work better for women safety or not all
    I know it’ll not understand now
    Much more crime increase after understand
    I think Women shouldn’t choose Shoura council members
    It’s not good for Saudi Arabia

اترك رد