ثقافة

اذا تكحلت جاورت القمر..

الكحل العربي: قيمة جمالية و حضارية

والعيون الجميلة اذا تكحلت سحرت وأذابت، ومن القلب نالت، وفي الروح سكنت وما غابت..
حجر أسود يدق و يطرق ليغدو مسحوقا تستعمله النساء للزينة  فيزيد العين سحرا و جمالا و يمنحها اتساعا لتسيل أقلام الأدباء في وصفها نثرا، و تتفتق قريحة الشعراء في ذكرها غزلا..
تزامن ظهور الكحل مع بروز الحضارات منذ الاف السنين، ولا يزال يحافظ على مكانته الى اليوم كأحد أهم مستحضرات التجميل.. وله قيمة رمزية خاصة لدى العرب لارتباطه بالموروث العربي الاسلامي..

الكحل و أبعاده الحضارية

يرجح المؤرخون ظهوره الى العصر البرونزي أو ما يعرف بعصر ظهور السبائك(المواد البرونزية) اي منذ حوالي  3000 سنة قبل الميلاد. وقد تميز هذا العصر ببروز الحضارات في كل من آسيا و افريقيا و أوروبا  وظهور الكتابة في كل من مصر وبلاد ما بين النهرين.
استخدمته عدة شعوب وتناقلته حضارات لعل أشهرها الحضارة الفرعونية  التي تميز نساؤها و رجالها بالخطوط الجريئة التي كانوا يرسمونها حول عيونهم فتبرزها وتضفي عليها اتساعا.
ويعود استخدام الكحل على مر الحضارات  لأسباب عديدة، أهمها  حماية العين من أشعة الشمس القوية خاصة في المناطق الصحراوية و لذلك انتشر لدى البدو.
و يعتقد البعض أنه يحمي من الحسد والعين الشريرة فيضعونه بشكل كثيف كحجاب وحصن للعين..
 كما شاع وضعه قديما  للأطفال حديثي الولادة وصغار السن لتقوية عيونهم.
عيونٌ لها مَرأى الأحبّة ِ إثمِدُ*** عَجيبٌ لها في عُمرِها كيفَ تَرمَدُ

الاثمد في الثقافة العربية الاسلامية

يعرف الكحل في الثقافة العربية ب”الاثمد”ويعتبر من أجود الأنواع، يوجد في أصفهان و الحجاز و المغرب و هو عبارة عن حجر أسود يميل الى الحمرة يطحن ليستخدم كحلا في العين.
 ولم يقتصر استخدامه على النساء  بل كان يشمل الرجال، نظرا  لفوائده الصحية الكبيرة،  ويقول عليه الصلاة و السلام في حديث رواه ابن أبي عباس رضي الله عنه
“إنّ مِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ الاِثْمِدَ إنّهُ يَجُلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشّعر”
وجاء في السنة النبوية  ان رسول الله إذا اكتحل “يكتحل في اليمنى ثلاثا يبتدئ بها ويختتم بها وفي اليسرى اثنتين”
و يقول ابن القيم ان “أجوده السريعُ التفتيتِ الذي لفُتاته بصيصٌ، وداخلُه أملسُ ليس فيه شيء من الأوساخ”
و للاثمد فوائد جمالية و صحية حيث ذكر ابن القيم “في الكحل  حفظٌ لصحة العين وتقوية للنور الباصر  وجِلاء لها وتلطيف للمادة الرديئة  واستخراج لها  مع الزينة في بعض أنواعه و هو نفعُ العين ويُقوِّيها  ويشد أعصابَها  ويحفظُ صِحتها  ويُذهب اللَّحم الزائد في القُروح ويُدملها  ويُنقِّي أوساخها  ويجلوها  ويُذهب الصداع إذا اكتُحل به مع العسل المائي الرقيق  وإذا دُقَّ وخُلِطَ ببعض الشحوم الطرية  ولُطخ على حرق النار”.
 وذهب كثير من الفقهاء الى انه لا ينبغي للرجال استعماله إذا قصدوا به الزينة وأنه لا يجوز للمرأة إظهاره لغير زوجها..
و لا يمكن أن تنحدث عن هذا النوع من الكحل دون ذكر أشهر شخصية في التاريخ اقترن اسمها باستخدام الكحل و هي “زرقاء اليمامة”.

ومن أبصر من زرقاء؟

هي من أهل اليمامة وصاحبة العيون الزرقاء، لذا لقبت بهذا الاسم”زرقاء اليمامة”، وقيل ان اسمها الحقيقي “عنز” و ذكر في روايات أنها كانت سيدة قومها، اشتهرت بقوة بصرها و دقة نظرها و يضرب بها المثل عند العرب”أبصر من زرقاء”..
تقع بلدتها في سهل يطلق عليه “جو” فلقبها المتنبي  “بزرقاء جو” و قال فيها:
 أَبصر من زرقاء جو، لأنني *** إذا نظرت عيناي ساواهما علمي
وقيل الكثير في اليمامة، منه  أنها ترى الشخص على مسيرة ثلاثة أيام  فتنبئ قومها بقدوم الغزاة فلا يأتيهم جيش الا و قد استعدوا له و أنها  تبصر الشعرة البيضاء في اللبن..
الا أن نهايتها كانت تراجيدية حيث احتال عليها الغزاة و أخفوا أنفسهم وراء الشجر و لما شهدتهم أنشدت:
أقسم بالله لقد دبَّ الشجر
أو حِمْيَرٌ قد أقبلتْ شيئًا تجرّ
فرد قومها: قد خرفت، ورقّ عقلك وذهب بصرك
وقال الاصفهاني في “كتاب الأغاني” “إنّ قوما من العرب غزوا اليمامة، فلما اقتربوا من مسافة نظرها خشـوا أن تكتشف الزرقاء أمرهم، فأجمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرات تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها. فأشرفت الزرقاء كما كانت تفعل. فقال قومها : ما ترين يا زرقاء؟. فقالت : أرى شجرا يسير! فقالوا: كذبت أو كذبتك عينك، واستهانوا بقولها. فلما أصبحوا صبحهم القوم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينيها فماتت بعد أيام..وعندما ماتت اقتلعوا عينها فوجدوا ان عينها كانت مليئة بالأثمد
مهما تعددت مواد التجميل و اختلفت يبقى لجمال المرأة العربية خصائص و أصول تقوم على مستحضرات طبيعية توارثتها منذ القدم  وللكحل العربي مكانة عظيمة في هذا المشهد، اشتهرت به النساء من المشرق الى المغرب نظرا لقيمته الجمالية والصحية..

فكيف يصنع الكحل العربي؟

هناك أكثر من طريقة لصنع الكحل و تختلف من منطقة الى أخرى و منها:
  •  وضع حجر الإثمد في الجمر حتى يتفتت، فيتم في المرحلة التالية نقعه لأيام في خليط مكون من الماء والقهوة العربية المرّة، وبعدها يتم دقه فيتحول إلى مسحوق ناعم و أملس، ويتمّ تنخيله و تصفيته في قماشة ناعمة

 

  •  أو  أن يتم نقعه بالحناء والماء بدل الماء والقهوة بعد تفتيته

 

  • يمكن وضع حجر الاثمد في وعاء يحتوي على ماء الورد والزعفران وماء عادي وينقع لمدّة شهرين حتى ثلاثة أشهر حتى يلين ثم  يُدق ليصبح مسحوقاً ناعماً  ويتمّ تنخيله ليعبأ في “المكحلة”

 

  • كما توجد طرق مبتكرة يعتمد فيها على نواة التمر و الزيتون، تنقع كل واحدة على حدة لمدة ساعة في الماء، ثم يتم تجفيفها و تحميصها لتكتسب اللون الأسود و تخلط مع الزنجبيل بعد تحميصه و يضاف اليه القرنفل

 

  • يتم طحن جميع المواد مع بعضها ثم تنخيلها حتى يصبح المسحوق ناعما ويحفظ في العلبة المخصصة له
و لئن تغيرت عادات بعض النساء و اعتمدت على أقلام الكحل بدل الكحل العربي الأصيل، فان أغلب البيوت العربية لازالت تحافظ على “المكحلة” و تعتبرها عنصرا أساسيا يستأثر بجزء مهم من الذاكرة و يستخدم في المناسبات الدينية خاصة كذكرى عاشوراء..
  و يبقى الكحل أحد أهم أسرار جمال المرأة و حسنها..
  فإذا “تكحلت البيضاء جاورت القمر والسمراء اذا تكحلت أخفت وجوده”

عايشة الغربي

الوسوم

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.